* وفيها: كانت غزوة أحد: وكان من حديثها: أنه اجتمع [من] قريش ثلاثة آلاف، فيهم سبع مئة دارع (١)، ومعهم مئتا فارس، وقائدهم أبو سفيان بن حرب، ومعه زوجته هندٌ بنتُ عُتبة، وكانت جملة النساء خمسَ عشرةَ امرأة، ومعهنَّ الدفوفُ يعزفْنَ بها، ويبكين على قتلى بدر، ويحرضْنَ المشركين على حرب المسلمين.
وساروا من مكة حتى نزلوا الحليفة، مقابل المدينة، يوم الأربعاء، لأربع مَضَين من شوال سنة ثلاث.
وكان رأيُ رسولِ الله - ﷺ - المقامَ بالمدينة، وقتالهم بها، ورأى الصحابةُ الخروجَ لقتالهم، فخرج النبيُّ - ﷺ - في ألف من الصحابة، إلى أن صار بين المدينة وأُحد، ونزل الشِّعْبَ من أُحد، وجعل ظهره إلى أُحد.
ثمّ كانت الوقعة يوم السبت، لسبع مضين من شوال، وعِدَّةُ أصحاب رسول الله - ﷺ - سبع مئة، فيهم مئة دارع (٢)، ولم يكن معهم من الخيل سوى
_________________
(١) في الأصل: "دراع".
(٢) في الأصل: "دراع".
[ ١ / ١٢٣ ]
فرسين: فرسُ رسول الله - ﷺ -، وفرسٌ لأبي بردة.
وكان لواءُ رسول الله - ﷺ - مع مُصْعَب بن عُمَيْر من بني عبد الدار.
وكان على ميمنة المشركين خالدُ بن الوليد، وعلى ميسرتهم عكرمةُ ابن أبي جهل، ولواؤهم مع بني عبد الدار.
ولما التقَى الناس، ودنا بعضهم من بعض، قامت هند بنت عتبة في النسوة اللاتي معها، وضربن بالدفوف خلف الرجال [يحرضن]:
هِيهَا بَنِي عَبْدِ الدَّارِ وِيهَا حُمَاةَ الأَدْبَارِ
ضَرْبًا بِكُلِّ بَتَّارِ
وتقول:
نَحْنُ بَنَاتُ طَارِقْ نَمْشِي عَلَى النَّمَارِقْ
إِنْ تُقْبِلُوا نُعَانِقْ أَوْ تُدْبِرُوا نُفَارِقْ
وقاتلَ حمزةُ عمُّ النبي - ﷺ - يومئذ قتالًا شديدًا، فقتل أرطاةَ حاملَ لواء المشركين، وقصدَ قتلَ سباعِ بنِ عبدِ العزى، فبينما هو مشتغلٌ بسباعٍ، إذ ضربه وحشيٌّ عبدُ جُبيرِ بنِ مطعمٍ - وكان حبشيًا - بحربة، فقتل حمزةَ - ﵁ -.
وقتل ابنُ قَمِئةَ الليثيُّ مُصْعَبًا حاملَ لواء رسول الله - ﷺ -، وقد ظنَّ أنه رسولُ الله - ﷺ -، فقال لقريش: إني قتلت محمدًا.
ولما قُتِل مُصعب، أعطى النبيُّ - ﷺ - الرايةَ لعليّ بن أبي طالب - ﵁ -.
[ ١ / ١٢٤ ]
وأنزلَ الله نصرَهُ على المسلمين، وانهزم المشركون، فطمعت الرماةُ في الغنيمة، وفارقوا المكانَ الذي أمرهم النبيُّ - ﷺ - بملازمته، فأتى خالدُ ابنُ الوليد مع خيل المشركين من خلفِ المسلمين، ووقع الصراخُ: أن محمدًا قُتِل، وانكشف المسلمون، وأصاب فيهم العدو، وكان يوم بلاء على المسلمين، وكان عدد الشهداء من المسلمين سبعين رجلًا، وعدة قتلى المشركين اثنين وعشرين رجلًا.
ووصل العدو إلى رسول الله - ﷺ -، وأصابته حجارتهم حتى وقع، وأُصيبت رَبَاعِيَتُه، وشُجَّ في وجهه، وكُلِمَتْ شفتُه، وكان الذي أصابَ رسولَ الله - ﷺ - عتبةُ بن أبي وقاص أخو سعد بن أبي وقاص، وجعل الدمُ يسيل على وجه رسول الله - ﷺ - وهو يقول: "كيفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ خَضَّبُوا وَجْهَ نَبِيِّهِمْ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ"، فنزل في ذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨] (١).
ودخلت حلقتان من حِلَق المِغْفر في وجه رسول الله - ﷺ - من الشَّجَّة، ونزع أبو عبيدة بن الجراح إحدى الحلقتين من وجه رسول الله - ﷺ -، فسقطت ثنيته الواحدة، ثم نزع الأخرى، فسقطت ثنيته الأخرى، وكان أبو عبيدة ساقطَ الثنيتين، ومصّ مالك بن سنانُ أبو أبي سعيد الخدري (٢)
_________________
(١) رواه ابن ماجه في "سننه" (٤٠٢٧)، وأصله في مسلم (١٧٩١)، عن أنس بن مالك - ﵁ -.
(٢) في الأصل: "سنان بن أبي سعيد".
[ ١ / ١٢٥ ]
الدمَ من وجه رسول الله - ﷺ -، وازْدَرَدَهُ (١)، فقال النبيُّ - ﷺ -: "مَنْ مَسَّ دَمِي [دَمَهُ] لَمْ تُصِبْهُ النَّارُ".
ومَثَّلت هندٌ وصواحبُها بالقتلى من أصحاب رسول الله - ﷺ -، فجدَ عْنَ الآذانَ والأنوف، واتخذنَ منها قلائدَ، وبقرت هندٌ عن كبد حمزةَ، ولاكتها.
وضرب زوجُها أبو سفيان بزُجِّ الرمح شدقَ حمزة، وصعِدَ الجبل، وصرخ بأعلى صوته: الحربُ سِجال، يومٌ بيوم بدر، اعْلُ هُبَلُ؛ أي: أظهر دينك.
ولما انصرف أبو سفيان ومن معه، نادى: إن موعدَكم بدرٌ العام القابل، فقال النبي - ﷺ - لواحد: "قُلْ: هُوَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ"، ثم سار المشركون.
ثم التمس رسولُ الله - ﷺ - عمه حمزةَ، فوجده، وقد بُقِر بطنُه، وجُدِع أَنفه وأُذناه، فقال رسول الله - ﷺ -: "لَئِنْ أَظْهَرَني الله عَلَى قُريشٍ، لأُمَثِّلَنَّ بِثَلاثينَ مِنْهُمْ" (٢)، ثم قال: "جاءني جبريلُ، فأخبرَني أَنَّ حمزةَ مكتوبٌ في أهل السماواتِ السبعِ: حمزةُ بنُ عبدِ المطلبِ أسدُ الله وأسدُ رسولِه" (٣).
ثم أمر رسولُ الله - ﷺ -، فسُجِّي ببردة، ثم صلَّى عليه، فكبر سبعَ
_________________
(١) رواه سعيد بن منصور في "سننه" (٢/ ٢٦١).
(٢) رواه الدارقطني في "سننه" (٤/ ١١٦)، عن عبد الله بن عباس - ﵄ -.
(٣) رواه الحاكم في "مستدركه" (٣/ ٢١٩)، عن عبد الرحمن بن أبي لبينة - ﵁ -.
[ ١ / ١٢٦ ]
تكبيرات، ثم أُتي بالقتلى يوضعون إلى حمزة، فصلى عليهم وعليه، حتى صلى عليهم ثنتين وسبعين صلاة، وهذا دليل لأبي حنيفة؛ فإنه يرى الصلاة على الشهيد؛ خلافًا للشافعي وأحمد - ﵏ -.
ثم أمر بحمزة فدُفِن، واحتُمِل ناسٌ من المسلمين إلى المدينة، فدفنوهم بها، ثم نهى رسول الله - ﷺ -، وقال: "ادفنوهُم حيثُ صُرِعوا" (١).
وأصيبت عينُ قَتادَةَ بنِ النعمان، فردّها رسولُ الله - ﷺ - بيده، فكانت أحسنَ عينيه، واستُشهد أنسُ بنُ النَّضْرِ بنِ ضمضم عمُّ أنس بن مالك، وقد أبلى بلاءً حسنًا، وفيه نزلت: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] الآية.