* وفيها: كانت غزوة الخندق: وكانت في شوال من هذه السنة (١)، وكان من حديثها: أن نفرًا من اليهود - وهم الذين حرّضوا الأحزاب على رسول الله - ﷺ - خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة، يدعونهم إلى حرب رسول الله - ﷺ -، وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، وقالوا: دينُكم خيرٌ من دينه، وأنتم أَوْلى بالحقِّ منه، فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ الآية إلى قوله: ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ٥١ - ٥٥] (٢).
ولما سمع رسولُ الله - ﷺ - بهم، وما أجمعوا عليه، أمر بحفر الخندق حولَ المدينة، قيل: إنه بإشارة سلمانَ الفارسيِّ، وهو أولُ مشهد شهدَه مع رسول الله - ﷺ -.
وظهرت في حفر الخندق عدة معجزات:
* منها: ما رواه جابر، قال: اشتدَّت عليهم كديةٌ - أي: صخرة -،
_________________
(١) انظر: "الطبقات الكبرى" لابن سعد (٢/ ٦٥).
(٢) رواه الطبري في "تاريخه" (٢/ ٩٠)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٣/ ٤٠٨)، عن محمد بن كعب القرظي.
[ ١ / ١٣٠ ]
فدعا النبيُّ - ﷺ - بماءٍ، وتفل فيه، ونضحه عليها، فانهالت تحت المساحي (١).
* ومنها: أن أُبية بنتَ بشير بن سعيد الأنصاري، وهي أخت النعمان ابن بشير، بعثتها أمها بقليل تمر غداء أبيها بشير، وخالِها عبدِ الله بن رواحة، فمرّت برسول الله - ﷺ -، فدعاها، وقال: "هاتي ما مَعَك يا بُنَيَّة"، فصبّتْ ذلك التمر في كَفَّي رسولِ الله - ﷺ -، فما امتلأتا، ثم دعا رسول الله - ﷺ - بثوب، وبدَّدَ ذلك التمر عليه، ثم قال لإنسان: "اصرخْ في أهلِ الخندقِ أَنْ هَلُمُّوا إلى الغداءِ"، فجعلوا يأكلون منه، وجعل يزيدُ حتى صدر أهلُ الخندق عنه، وإنه ليسقطُ من أطراف الثوب.
* ومنها: ما رواه جابر، قال: كانت عندي شُوَيْهَةٌ غيرُ سمينة، فأمرتُ امرأتي أن تخبز قرصَ شعير، وأن تشوي تلكَ الشاةَ لرسولِ الله - ﷺ -، وكنا نعملُ في الخندق نهارًا، وننصرفُ إذا أمسينا، فلما انصرفنا من الخندق، قلت: يا رسول الله! صنعتُ لكَ شويهةً، ومعها شيءٌ من خبز الشعير، وأنا أحبُّ أن تنصرفَ إلى منزلي، فأمر رسولُ الله - ﷺ - من يصرخُ في الناس: أنِ انصرفوا مع رسول الله - ﷺ - إلى بيتِ جابر.
قال جابر: إنا لله وإنا إليه راجعون - وكان ظنَّ أن يمضي رسولُ الله - ﷺ - وحده -، وأقبل رسولُ الله - ﷺ - والناسُ معه، وقدَّمنا له ذلك، فبرَّكَ وسمّى، ثم أكل، وتواردها الناس، كلما صدر عنها قوم، جاء ناس،
_________________
(١) رواه البخاري (٣٨٧٥).
[ ١ / ١٣١ ]
حتى صدر أهل الخندق عنها (١).
وروى سلمان الفارسي، قال: كنت قريبًا من رسول الله - ﷺ -، وأنا أعمل في الخندق، فتغلظ عليَّ الموضعُ الذي كنت أعمل فيه، فلما رأى رسولُ الله - ﷺ -، أخذ المِعولَ، وضرب ضربة لمعت تحت المِعول بَرْقَةٌ، ثم ضرب أخرى، فلمعت برقةٌ أخرى، ثم ضرب أخرى، فلمعت برقة أخرى، قال فقلت: بأبي أنت وأمي! ما هذا الذي يلمع تحت المعول؟ فقال: "أرأيتَ ذلكَ يا سلمانُ؟ "، فقلت: نعم. قال: "أَمَّا الأُولى، فإنَّ الله فتحَ عَلَيَّ بها اليَمَنَ، وأَمَّا الثانيةُ، فإن الله فتحَ عَلَيَّ بها الشَّامَ والمَغْرِبَ، وأَمَّا الثالثةُ، فإنَّ الله فتحَ عَلَيَّ بها المَشْرِقَ" (٢).
وعمل رسول الله - ﷺ - في الخندق ترغيبًا للمسلمين في الأجر، وعمل معه المسلمون، وفرغ رسول الله - ﷺ - من الخندق.
وأقبلت قريش في أحابيشها ومَنْ تبعها من كنانةَ في عشرة آلاف، وأقبلت غَطَفان ومن تبعها من أهل نجد، وكان بنو قريظة وكبيرُهم كعبُ ابنُ أسدٍ قد عاهد النبيَّ - ﷺ -، فما زال عليهم أصحابهم من اليهود حتى نقضوا العهد، وصاروا مع الأحزاب على رسول الله - ﷺ -.
وعَظُم عند ذلك الخَطْبُ، واشتد البلاء، حتى ظن المؤمنون كل الظن، ونَجَمَ النفاق، حتى قال معتب بن قشير: كان محمد يعدنا أن نأكل
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٣/ ٣٧٧).
(٢) رواه البيهقي في "دلائل النبوة" (٣/ ٤١٩)، عن عمرو بن عوف المزني - ﵁ -.
[ ١ / ١٣٢ ]
كنوزَ قيصر، وأحدُنا اليومَ لا يأمَنْ على نفسه أن يذهب إلى الغائط (١).
وأقام رسول الله - ﷺ - والمشركون بضعًا وعشرين ليلة، ولم يكن بين القوم حربٌ إلا الرمي، وتقدم فوارسُ من قريش يلتمسون القتال، فأقبلوا حتى وقفوا على الخندق، فلما رأوه، قالوا: والله! إن هذه لمَكَيدةٌ، ما كانت العربُ تكيدها، ثم قَتَل عليُّ بن أبي طالب - ﵁ - عَمْرَو بن عبدِ ودٍّ، وخرجتْ خيلُ قريش منهزمةً، وقال علي - ﵁ - في ذلك:
نَصَرَ الْحِجَارَةَ مِنْ سَفَاهَةِ رَأْيِهِ وَنَصَرْتُ دِينَ مُحَمَّدٍ بِضِرَابِ
فَصَدَدْتُ حِينَ تَرَكْتُهُ مُتَجَدّلًا كَالجِذْعِ بَيْنِ دَكادِكٍ وَرَوَابي
لا تَحْسَبُنَّ الله خَاذِلَ دِيِنهِ وَنبِيِّهِ يا مَعْشَرَ الأَحْزَابِ
ثم نصر الله نبيَّه على المشركين، وخذَلهم، واختلفت كلمتُهم، ثم إن الله تعالى أهبَّ ريح الصَّبا، كما قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩]، فجعلت الريح تقلِب آنيتهم، وتَكْفَأُ قُدورهم، وانقلبوا خاسرين.
_________________
(١) رواه البيهقي في "دلائل النبوة" (٣/ ٤٣٥)، عن عثمان بن كعب القرظي.
[ ١ / ١٣٣ ]
وبلغ رسولَ الله - ﷺ - أمرُهم، وأنهم عادوا راجعين إلى بلادهم، وقال رسولُ الله - ﷺ -: "الآنَ نَغْزُوهُمْ، وَلا يَغْزُوناَ" (١)، فكان كذلك حتى فتحِ مكة، والله أعلم.
* وفيها: كانت غزوة بني قريظة في ذي القعدة: ولما عاد النبي - ﷺ - إلى المدينة من غزوة الأحزاب، وضع المسلمون السلاح، فلما كان الظُّهر أتى جبريلُ النبيَّ - ﷺ -، فقال: أقدْ وضعتَ السلاح؟ قال: "نعم"، قال: ما وضعت الملائكةُ السلاح، إن الله ﷿ يأمرُك بالمسير إلى بني قريظَة (٢)، فإني عامدٌ إليهم، فَمُزَلْزِلٌ بهم (٣).
فأمر رسولُ الله - ﷺ - مناديًا، فنادى: مَنْ كان سامعًا مطيعًا، فلا يصلينَّ العصرَ إلا في بني قريظة، وقدَّم عليًا - ﵁ - إليهم برايته، ثم تلاحق الناسُ، ونزل رسولُ الله - ﷺ -، وحاصرهم خمسًا وعشرين ليلة، وقذفَ الله في قلوبهم الرعبَ، ولما اشتد بهم الحصار، نزلوا على حكم رسول الله - ﷺ -، فردَّ الحكمَ فيهم إلى سعد بن معاذ، فحكَمَ أن تُقتل المقاتلة، وتُسبى الذرية والنساء، وتقسم الأموال، فقال رسول الله - ﷺ -: "لَقَدْ حَكَمْتَ بِحُكْمِ الله مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ" (٤).
_________________
(١) رواه البخاري (٤١٠٩)، عن سليمان بن صرد - ﵁ -.
(٢) رواه البخاري (٢٦٥٨)، ومسلم (١٧٦٩)، عن عائشة ﵂.
(٣) رواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٢/ ٧٤).
(٤) رواه البخاري (٣٥٩٢)، ومسلم (١٧٦٨)، عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -، واللفظ لابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٢/ ٧٥).
[ ١ / ١٣٤ ]
ثم رجع رسول الله - ﷺ - إلى المدينة، وحبس بني قريظة في دار بنت الحارث: امرأة من بني النجار، ثم خرج رسول الله - ﷺ - إلى سوق المدينة، فخندقَ بها خنادقَ، ثم بعث إليهم، فضرب أعناقهم في تلك الخنادق، وكانوا ست مئة، أو تسع مئة، وقيل: ما بين الثمان والسبع مئة.
ثم قسم رسول الله - ﷺ - الأموال، فكان للفارس ثلاثة أسهم: للفرس سهمان، ولفارسه سهم، وللراجل سهم، وكانت الخيل يومئذ ستة وثلاثين فرسًا.
ثم قسم سبايا بني قريظة، فأخرج الخمس، واصطفى لنفسه ريحانةَ بنتَ عمرٍو، فكانت في ملكه حتى مات.
واستُشهد في غزوة بني قريظة خلادُ بن زيد بن ثعلبة، شهد العقبة وبدرًا وأُحدًا والخندق ويوم بني قريظة، وقُتل يومئذ شهيدًا، دلَّت عليه امرأةٌ من بني قريظة رَحًى، شَدَخَتْ رأسه، فقال رسول الله - ﷺ -: "له أَجْرُ شهيدينِ" (١)، وقتلها به (٢)، ولم يستشهد في غزوة بني قريظة غيره.
وفي هذه السنة: توفي سعد بن معاذ بن النعمان بن زيد بن عبد الأشهل - ﵁ -، ولما مات، نزل جبريل - ﵇ - على النبيِّ - ﷺ - معتجرًا بعمامة من إِستبرق، وقال: يا محمد! مَنْ هذا الذي فُتحت له
_________________
(١) رواه أبو داود في "سننه" (٢٤٨٨)، عن قيس بن شماس - ﵁ -.
(٢) رواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٣/ ٥٣٠).
[ ١ / ١٣٥ ]
أبواب السماء، واهتزَّ له العرشُ (١)، فقام رسول الله - ﷺ - يجرُّ ثوبه إلى سعد ابن معاذ، فوجده قد مات (٢)، وأخبر - ﵊ -: أنه شهدَه سبعون ألفًا من الملائكة، لم ينزلوا إلى الأرض قبلَ ذلك (٣).
وكان سعدُ بن معاذ جُرح على الخندق، وسأل الله تعالى أن لا يُميته حتى يغزو بني قريظة؛ لغدرهم برسولِ الله - ﷺ - (٤)، فاندمَلَ جرحُه، حتى فرغ من غزوة بني قريظة؛ كما سأل الله تعالى، ثم انتقض جرحه، ومات - رحمه الله تعالى -.
* وفيها: هلك أمية بن أبي الصلت: وكان قد قرأ الكتبَ المتقدمة، ورغب عن عبادة الأوثان، وأخبر أن نبيًا يخرج قد أظلَّ زمانُه، وكان يؤمِّل أن يكون هو ذلك النبيَّ، فلما بلغه ظهورُ رسول الله - ﷺ -، كفر به حسدًا له، وكان يحرِّض قريشًا بعد ذلك على النبي - ﷺ -.
* * *