* فيها: كانت غزوة خيبر: وذلك أن رسول الله - ﷺ - لما رجع من الحديبية، أقام بالمدينة ذا (٢) الحجة وبعضَ المحرم، ثم خرج في منتصف
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٤/ ٣٢٣)، عن المسور بن مخرمة - ﵁ -.
(٢) في الأصل: "ذي".
[ ١ / ١٤٢ ]
المحرم سنة سبع، وسار إلى خيبر في ألف وأربع مئة فارس، وخيبرُ على ثمان بُرُدٍ من المدينة، واستخلف على المدينة سباعَ بنَ عرفطة الغفاري، ولما أشرفَ رسولُ الله - ﷺ - على خيبر، قال لأصحابه: "قفوا"، ثم قال: "اللهمَّ ربَّ السَّمَواتِ وَما أَظْلَلْنَ، وَرَبَّ الأَرَضيِنَ وَما أَقْلَلْنَ، وَرَبَّ الشَّيَاطِينِ وَمَا أَضْلَلْنَ، وَرَبَّ الرِّياحِ وَمَا ذَرَيْنَ، نَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ القَرْيَةِ، وخَيْرَ أَهْلِهَا، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ أَهْلِهَا، وَشَرِّ مَا فِيَها، أَقْدِمُوا بِاسْمِ الله" (١)، ونزل على خيبر ليلًا، ولم يعلم أهلها.
فلما أصبحوا، خرج أهلها إلى عملهم، ومعهم مَكاتِلُهم ومَساحيهم، فلما رأوه، عادوا، وقالوا: محمدٌ والخميسُ - يعنون: الجيش -، فقال النبي - ﷺ -: "الله أكبرُ خَرِبَتْ خيبرُ، إِنَّا إِذا نَزَلْنا بِساحَةِ قَوْمٍ؛ فَسَاءَ صَبَاحُ المنذَرِينَ" (٢)، ثم حاصرهم، وضيّق عليهم، وبدأ بالأموال يأخذها مالًا مالًا، ويفتحها حصنًا حصنًا.
وأصاب منهم سبايا، منهن: صفيةُ بنتُ حُيَيِّ بنِ أخطبَ، وكانت عندَ كِنانَة بنِ الربيع بنِ أبي الحُقَيْق، فاصطفاها رسولُ الله - ﷺ - لنفسه، وتزوَّجها، وجعل عِتْقَها صَداقَها، وهذا مذهبُ الإمام أحمد بن حنبل - ﵁ -، وهو من مفردات مذهبه.
ثم افتتح حصنَ الصَّعْب، وما كان بخيبر حصنٌ أكثر طعامًا
_________________
(١) رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (٢٢/ ٣٥٩)، عن أبي معتب بن عمرو.
(٢) رواه البخاري (٣٦٤)، ومسلم (١٣٦٥)، عن أنس بن مالك - ﵁ -.
[ ١ / ١٤٣ ]
ووَدكًا منه، ثم انتهى إلى الوطيح، والسلالم، وكان آخر حصون خيبر افتتاحًا.
وروي: أن رسول الله - ﷺ - ربما كانت تأخذُه الشقيقةُ، فيلبث اليومَ واليومين لا يخرج، فلما نزلَ خيبرَ، أخذته، فأخذ أبو بكر الصديق - ﵁ - الرايةَ، وقاتل قتالًا شديدًا، ثم رجع، فأخذها عمرُ، فقاتل قتالًا شديدًا، أشدَّ من الأول، ثم رجع، فأخبر بذلك النبي - ﷺ -، فقال: "أَمَا واللهِ! لأُعطينَّ الرايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبُّ الله ورسولَهُ، ويحبُّهُ اللهُ ورسولُه، كَرّارًا غَيْرَ فَرّارٍ، يَأْخُذُها عَنْوَةً"، فتطاولَ المهاجرون والأنصار، وكان عليُّ ابن أبي طالب - ﵁ - قد تخلف بالمدينة لرمَدٍ لَحِقَه، فلما أصبحوا، جاء عليُّ - ﵁ - على بعير له، فتفلَ النبيُّ - ﷺ - في عينه، فما اشتكى رمدًا بعدها، ثم أعطاه الراية، فنهض بها، فأتى خيبرَ، فأشرف عليه رجلٌ من يهود خيبرَ، وقال: من أنت؟ قال: أنا عليُّ بن أبي طالب، فقال اليهودي: غُلبتم يا معشَر اليهود، فخرج مَرْحَبٌ من الحصن، وعليه مغفر يماني، وعلى رأسه بيضةٌ عادية، وهو يقول:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ شَاكِي السِّلاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ
أَطْعَنُ أَحْيَانًا وَحِينًا أَضْرِبُ إِذَا اللُّيُوثُ أَقْبَلَتْ تَلْتَهِبُ
فسار إليه عليٌّ - ﵁ -، وقال مجيبًا له:
[ ١ / ١٤٤ ]
أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ أَكِيلُهُمْ بِالسَّيْفِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ
لَيْثٌ بِغَابَاتٍ شَدِيدُ القَسْوَرَهْ
واختلف بينهما ضربتين، فسبقه عليٌّ - ﵁ - بضربته، فَقَدَّ البيضة والمغفر، ورأسه، فسقط عدوُّ الله ميتًا (١).
وكان فتحُ خيبر في صفر، على يد عليٍّ - ﵁ -، بعد حصار بضعَ عشرةَ ليلة، وحاز رسول الله - ﷺ - الأموالَ كلَّها، وسأله اليهودُ أهلُ خيبر على أن يُساقِيَهم على النصف من ثمارهم، ويُخرجهم متى شاء، ففعل ذلك، وفعل مثل ذلك أهل فَدَك.
فكانت خيبرُ فيئًا للمسلمين، وكانت فَدَكُ خالصةً لرسول الله - ﷺ -؛ لأنهم لم يُجلبوا عليها بِخَيلٍ ولا رِكاب، ولم يزلْ يهودُ خيبرَ كذلك، إلى خلافة عمرَ - ﵁ -، فأجلاهم منها.
ولما فرغ رسول الله - ﷺ - من خيبر، انصرف إلى وادي القُرى، فحاصره ليلةً، وفتحه عَنْوَة.
ثم سار إلى المدينة، ولما قدمها، وصل إليه من الحبشة بقيةُ المهاجرين، ومنهم: جعفرُ بنُ أبي طالب، فروي: أن النبي - ﷺ - قال: "ما أَدْرِي بِأَيِّهِمَا أُسَرُّ، بِفَتْحِ خَيْبَرَ، أَمْ بِقُدُومِ جَعْفَرٍ" (٢).
_________________
(١) رواه البيهقي في "دلائل النبوة" (٤/ ٢١١)، عن عبد الله بن بريدة عن أبيه - ﵄ -.
(٢) رواه الحاكم في "المستدرك" (٤٩٣١)، عن علي - ﵁ -.
[ ١ / ١٤٥ ]
وكان النبي - ﷺ - قد كتب إلى النجاشي يطلبهم، ويخطب أمَّ حبيبةَ بنتَ أبي سفيان، وكانت هاجرتْ مع زوجها عبدِ الله بن جحش، فتنصّر عبدُ الله المذكور، وأقام بالحبشة، فزوّجها للنبي - ﷺ - ابنُ عمِّها خالدُ بنُ سعيد بنِ العاص بنِ أمية، وكان بالحبشة من جملة المهاجرين، وأصدَقَها النجاشي عن النبي - ﷺ - أربعَ مئة دينار، ولما بلغ أباها أبا سفيان أن النبيَّ - ﷺ - تزوجها، فقال: ذلك الفحلُ الذي لا يُجدَع أنفُه، فقدمتْ إلى النبي - ﷺ -، وكلّم رسولُ الله - ﷺ - المسلمين، في أن يدخلوا الذين حضروا من الحبشة، في سهامهم من مَغْنَم خيبر، ففعلوا.
وفي غزوة خيبر: أهدت للنبي - ﷺ - زينبُ بنت الحارث، امرأةُ سَلاَم ابن مِشْكَم اليهوديةُ شاةً مَصْلِيَّة مسمومة، فأخذ منها قطعة، ولاَكها، ثم لَفَظَها، وقال: "تُخبرُني هذهِ الشاةُ أَنَّها مَسْمومَةٌ"، وكان معه بِشْرُ بنُ البراء بنِ مَعْرور، فأكل بشرٌ منها، ثم دعا النبيُّ - ﷺ - المرأة، فاعترفَتْ، فتجاوز عنها.
وقيل؟ مات بِشْرٌ، فقتلَها به (١).
ثم قال النبي - ﷺ - في مرضه: "إِنَّ أكلةَ خيبرَ لم تزلْ تُعاودني، وهذا زَمانُ انْقِطاعِ أَبْهَرِي" (٢).
_________________
(١) رواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٢/ ١٠٧).
(٢) رواه البخاري (٤١٦٥)، عن عائشة - ﵂ -.
[ ١ / ١٤٦ ]