لما انصرف عَمْرُو بن العاص مع الأحزاب عن الخندق، جمع رجالًا من قريش كانوا يرون رأيه، ويسمعون منه، فقال لهم: تعلمون - والله - أني أرى أمر محمد يعلو الأمورَ علوًّا منكَرًا، وأني قد رأيت أن نكون عند النجاشي، قالوا: إن هذا هو الرأي، فجمعوا له أَدَمًا كثيرًا، وكان أحبّ إليه مما يهدي من أرضنا الأَدَم، ثم خرجوا حتى قدموا عليه، فجاء عَمْرُو بن أمية الضمري، وكان رسول الله - ﷺ - قد بعثه إليه، فدخل عليه، ثم خرج من عنده، فقال عمرو بن العاص لأصحابه: هذا عمرو بن أمية، لو دخلتُ إلى النجاشي، فسألتُه إياه، فأعطانيه، فضربتُ عنقه، فدخل على النجاشي، فسجد له كما كان يصنع، وكلمه فيما قال، فغضب النجاشي، ثم مدّ يده، فضرب بها أنفه ضربة، قال عمرو: ظننت أنه كسره، ثم قال: تسألني أن أعطيك رسولَ رجل يأتيه الناموسُ الأكبر، الذي كان يأتي موسى لتقتله، قال له: أيها الملك! كذاك هو؟ قال: ويحك يا عمرو! أطعني على الإسلام، قال: نعم، فبسط يده، فبايعه على الإسلام.
ثم خرج عمرو بن العاص إلى أصحابه، وقد حال رأيه عما كان
[ ١ / ١٥١ ]
عليه، وكتم أصحابَه إسلامَه، ثم خرج عامدًا إلى رسول الله - ﷺ -، فلقي خالدَ بنَ الوليد، وذلك قُبيل الفتح، وهو مقبلٌ من مكة، فقال: إلى أين يا بنَ أبي سليمان؟ فقال: والله! لقد استقام الميسم - أي: ظهرت العلامة -، وإن الرجلَ لنبي، أذهبُ - والله - إليه أُسلم، فحتى متى؟ قال: وأنا - والله - ما جئتُ إلا لأُسلم، فقدما المدينةَ على رسول الله - ﷺ -، فتقدم خالدُ بنُ الوليد فأسلم، وبايع، ثم دنا عمرو، فقال: يا رسول الله! إني أبايعك على أن تغفر لي ما تقدم من ذنبي، ولا أذكر ما تأخَّر، فقال النبي - ﷺ -: "يا عَمْرُو! بايِعْ؛ فإنَّ الإسلامَ يَجُبُّ ما كانَ قبلَهُ، وإن الهِجْرَةَ تَجُبُّ ما قبلَها"، فبايعه، ثم انصرف، وأسلم عثمانُ بن طلحة بن عبد الدار (١).
* وفيها - أعني: سنة ثمان من الهجرة -: كانت غزوة مؤتة، وهي أول الغزوات بين المسلمين والروم، وكانت في جمادى الأولى، ومؤتة من أرض الشام، وهي قِبليَّ الكَرَك.
وكان سببها: أن النبي - ﷺ - بعث الحارثَ بنَ عُميرٍ رسولًا إلى ملك بصرى بكتاب، كما بعث إلى سائر الملوك، فلما نزل مؤتة، عرض له عَمْرُو بنُ شرحبيل الغساني، فقتله، ولم يُقتل لرسول الله - ﷺ - رسولٌ غيره.
* وفيها: اتُّخذ لرسولِ الله - ﷺ - المنبر، وكان يخطُب إلى جِذْع نخلة، فلما كان يومُ الجمعة، خطب على المنبر، فَأَنَّ الجذعُ الذي كان
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٤/ ١٩٨).
[ ١ / ١٥٢ ]
يقوم عليه، كما يئنّ الصبيُّ، فقال النبي - ﷺ -: "إِنَّ هَذَا بَكَى لِمَا فَقَدَ مِنَ الذِّكْرِ" (١)، فنزل، فمسحه بيده حتى سكن، فلما هدم المسجد وتغير، أخذ ذلك الجذعَ أُبَيُّ بن كعب، فكان عندَه في داره حتى بَلي.