ثم إن قريشًا بعثوا سُهيلَ بنَ عمرٍو في الصلح، وتكلم مع النبي - ﷺ - في ذلك، فلما أجابَ إلى الصلح، قال عمر بن الخطاب - ﵁ -: يا رسول الله! ألستَ برسول الله؟ أَوَلسنا بالمسلمين؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "بلى"، قال: فعلامَ نعُطي الدَّنِيَّةَ في ديننا؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "أَنا عبدُ الله
[ ١ / ١٤٠ ]
ورسولُه، ولَنْ أُخالِفَ أَمْرَهُ، ولَنْ يُضَيِّعَني" (١).
ثم دعا رسول الله - ﷺ - عليَّ بن أبي طالب، فقال: "اكتبْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، فقال سُهيل: لا أعرف هذا، ولكن اكتبْ: باسمك اللهمَّ، فقال رسولُ الله - ﷺ -: "اكتبْ: باسمك اللهمَّ"، ثم قال: "اكتبْ: هذا ما صالح عليه محمدٌ رسولُ الله - ﷺ - "، فقال سهيل: لو شهدتُ أنك رسولُ الله لم أقاتلك، ولكن اكتب اسمَك واسمَ أبيك، فقال رسول الله - ﷺ -: "اكتبْ: هذا ما صالح عليه محمدُ بنُ عبدِ الله سُهيلَ بنَ عَمْرٍو على: وَضْعِ الحَرْبِ عن الناسِ عَشْرَ سِنينَ، وأنه مَنْ أَحَبَّ أن يدخُلَ في عقدِ محمدٍ وعهدِه، دخلَ فيه، ومن أحبَّ أن يدخُلَ في عقدِ قريشٍ وعهدِهم، دخلَ فيه"، وأشهدوا في الكتاب على الصلح رجالًا من المسلمين والمشركين.
وقد كان أصحاب رسول الله - ﷺ - لما خرجوا من المدينة، لا يشكُّون في فتح مكة؛ لرؤيا رآها النبي - ﷺ -، فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع، داخلَ الناسَ من ذلك أمرٌ عظيم، حتى كادوا يهلكون.
ولما فرغ رسول الله - ﷺ - من ذلك، نحر هَدْيَه، وحلقَ رأسه، وقام الناس - أيضًا -، فنحروا وحلقوا، وقال رسول الله - ﷺ - يومئذ: "يرحَمُ الله المحلِّقين"، قالوا: والمقصِّرينَ يا رسول الله، قال: "يرحُم اللهُ المحلِّقين" حتى أعادوا، وأعاد ذلك ثلاث مرات، ثم قال: "والمقصِّرينَ" (٢).
_________________
(١) رواه البخاري (٣٠١١)، ومسلم (١٧٨٥)، عن سهل بن حنيف - ﵁ -.
(٢) رواه البخاري (١٦٤٠)، ومسلم (١٣٠١)، عن عبد الله بن عمر - ﵄ -.
[ ١ / ١٤١ ]
ثم قفلَ النبيُّ - ﷺ - إلى المدينة، حتى إذا كان بين مكة والمدينة، نزلت سورة الفتح: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ١ - ٢] (١).
ودخل في الإسلام في هذه السنة مثلُ ما دخل فيه قبلَ ذلك وأكثرُ، وهاجر إلى رسول الله - ﷺ - نسوةٌ، فيهن أمُّ كلثومٍ بنتُ عقبةَ بنِ أبي مُعَيط، فجاء أخواها الوليدُ، وعمارة يطلبانها، فأنزل الله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، فلم ترسل امرأة مؤمنة إلى مكة.
وأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، فطلق عمر - ﵁ - امرأتين له، إحداهما: قُريبةُ بنتُ أبي أمية، فتزوجها معاوية وهما مشركان، والثانية: أم كلثوم بنة عمرو بن جَرْول الخزاعية، فتزوجها أبو جهم بن حذافة بن غانم، وهما مشركان.
* * *