وهي ابتداء التاريخ الإسلامي.
أما لفظة التاريخ، فإنها محدَثَة في لغة العرب؛ لأنه لفظ مُعَرَّب من (ماه روز)؛ لأن عمر - ﵁ - قصد التوصُّل إلى الضبط من رسوم الفُرْس، فاستحضر الهرمزانَ، وسأله عن ذلك، فقال: إن لنا به حسابًا، نسميه: (ماه روز)، ومعناه: حساب الشهور والأيام، فعرَّبوا الكلمة فقالوا: مؤرخ، ثم جعلوا اسمه: (التاريخ)، واستعملوه، ثم طلبوا وقتا يجعلونه أولًا لتاريخ دولة الإسلام، واتفقوا على أن يكون المبدأ سنة هذه الهجرة.
وكانت الهجرة من مكة إلى المدينة - شرفها الله تعالى - وقد تَصَرَّمَ من شهور هذه السنة وأيامها المحرمُ، وصفرُ، وثمانيةُ أيام من ربيع الأول، فلما عزموا على تأسيس الهجرة، رجعوا القهقرى ثمانيةً وستين يومًا، وجعلوا مبدأ التاريخ أولَ المحرم من هذه السنة.
ثم أحصوا من أول يوم المحرم، إلى آخر يوم من عُمْرِ النبيِّ - ﷺ -، فكان عشر سنين، وشهرين، وأيامًا، إذا حسب عمره من الهجرة، فيكون قد عاش بعدها تسع سنين، وأحدَ عشرَ شهرًا، واثنين وعشرين يومًا.
[ ١ / ١٠٧ ]
وأما ما كان من حديث الهجرة، فإن رسولَ الله - ﷺ - هاجر إلى المدينة في شهر ربيع الأول.
ثم أمر رسولُ الله - ﷺ - أصحابه بالمهاجرة إلى المدينة.
فكان أولَ من قدمها: أبو سَلَمَة بنُ عبدِ الأسد، ثم هاجر من بعده عامرُ بن ربيعة، معه امرأتُه ليلى بنتُ أبي خيثمة، ثم عبدُ الله بن جحش وأخوه، وجميعُ أهله، وتتابع الصحابة، ثم هاجر عمر بن الخطاب - ﵁ -، فلما تتابع أصحاب رسول الله - ﷺ -، أقام هو بمكة، ينتظر ما يؤمر به، وتخلف معه أبو بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب - ﵁ -.
فلما رأت قريش ذلك، حذروا خروجَ رسول الله - ﷺ -، فاجتمعوا في دار الندوة - وهي دار قُصَيِّ بنِ كِلابٍ - وأجمعوا على مكيدةٍ يفعلونها مع رسول الله - ﷺ -، فنجاه الله من مكرهم، وأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٣٠] الآية. وأمره بالهجرة.
وكان اتفاق الكفار أن يأخذوا من كل قبيلة رجلًا؛ ليضربوه بسيوفهم ضربة واحدة، ليضيع دمُه في القبائل، وبلغ ذلك النبيَّ - ﷺ -، فأمر عليًّا أن ينام على فراشه، وأن يَتَّشِح ببردِه الأخضر، وأن يتخلَّف عنه؛ ليؤدِّي ما كان عندَ رسول الله - ﷺ - من الودائع إلى أربابها.
وكان الكفار قد اجتمعوا على باب النبيِّ - ﷺ - يرصدونه؛ ليثبوا عليه، وأخذ النبيُّ - ﷺ - حفنةً من تراب، وتلا أولَ ﴿يس﴾ ﴿يس: ١]، وجعل ذلك الترابَ على رؤوس الكفار، فلم يروه، فأتاهم آتٍ، وقال: إن محمدًا
[ ١ / ١٠٨ ]
خرج، ووضعَ على رؤوسكم الترابَ، وجعلوا ينظرون، فيرون عليًّا عليه بُرْدَةُ النبيِّ - ﷺ -، فيقولون: [إن] محمدًا نائم، فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا، فقام عليٌّ، فعرفوه.
وأقام عليٌّ بمكة حتى أَدَّى ودائعَ النبيِّ - ﷺ -.
وقصد النبيُّ - ﷺ - لما خرج من داره دار أبي بكر - ﵁ -، وأعلمه أن الله تعالى قد أذن في الهجرة، فقال أبو بكر: الصحبةَ يا رسول الله، قال: "الصحبة"، فبكى أبو بكر - ﵁ - فرحًا، واستأجرَ عبدَ الله بنَ أُريقط - وكان مشركًا - ليدلَّهما على الطريق، ومضى النبيّ - ﷺ - وأبو بكر إلى غارٍ بثورٍ - وهو جبل أسفل مكة -، فأقاما فيه، ثم خرجا من الغار بعد ثلاثة أيام، وتوجها إلى المدينة، ومعهما عامرُ بنُ فُهيرةَ مولى أبي بكر الصديق، وعبدُ الله بنُ أُريقط الدليلُ، وهو كافر.
وجدّتْ قريشٌ في طلبه، فتبعه سُراقَةُ بن مالكٍ المُدْلِجِيُّ، فلحق النبيَّ - ﷺ -، فقال أبو بكر: يا رسول الله! أدركنا الطلب، فقال له النبيّ - ﷺ -: "لا تحزنْ إنَّ اللهَ معنا"، ودعا رسول الله - ﷺ - على سُراقة، فارتطمت فَرَسُه إلى بطنها في أرض صلبة، فقال سراقة: ادعُ اللهَ يا محمدُ؛ لتخلصني، ولكَ أن أردَّ الطلبَ عنك، فدعا له النبيّ - ﷺ -، فخلص، ثم تبعه، فدعا عليه النبيُّ - ﷺ -، فارتطمت ثانية، وسأل الخلاصَ، وأن يردَّ الطلبَ عن النبي - ﷺ -، فأجابه النبيِّ - ﷺ -، ودعا له، وقال: "كيفَ بكَ يا سُراقَةُ إذا سُوِّرْتَ بِسِوارِ كِسْرى برويز؟ "، فرجع سراقة، وردَّ كلَّ من لقيه عن الطلب،
[ ١ / ١٠٩ ]
بأن يقول: كفيتم ما هاهنا (١).
وقدم رسول الله - ﷺ - لاثنتي عشرةَ ليلةً خلت من ربيع الأول، من سنة إحدى، وذلك يوم الاثنين، الظهر، فنزل قباء على كُلْثوم بنِ الهَدْمِ، وأقام بقباء: الاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، والجمعة، وأسّس مسجدَ قُباء، وهو الذي نزل فيه: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: ١٠٨].
ثم خرج من قباء يومَ الجمعة، وأدركَتْ رسولَ الله - ﷺ - الجمعةُ في بني سالمِ بنِ عوفٍ، فصلاها في المسجد الذي ببطن الوادي، وكانت أولَ جمعةٍ صلَّاها بالمدينة.
قال ابن عباس - ﵄ -: ولد النبي - ﷺ - يوم الاثنين، وهاجر يوم الاثنين، وقُبض يوم الاثنين (٢).
واختلف العلماء في مقامه بمكة، بعد أن أوحي إليه، فقال أنس (٣)، وابن عباس (٤) - في رواية -: إنه أقام بمكة عشر سنين، وقيل: أقام ثلاثَ عشرةَ سنة.
ولعل الذي قال: عشر سنين، أراد: بعد إظهار الدعوة؛ فإنه بقي
_________________
(١) رواه البخاري (٣٤٥٢)، ومسلم (٢٠٠٩)، عن البراء بن عازب - ﵁ -.
(٢) رواه الإمام أحمد في "المسند" (١/ ٢٧٧).
(٣) رواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (١/ ٢٤٤).
(٤) رواه أبو داود الطيالسي في "مسنده" (١/ ٢٠٧).
[ ١ / ١١٠ ]
ثلاثَ سنين يُسِرُّها، ومما يؤيد هذا قولُ أبي قيس بنِ الأسلت:
ثَوَى في قُرَيْشٍ بِضْعَ عَشْرَةَ حِجَّةً يُذَكِّرُ لَوْ يَلْقَى صَدِيقًا مُوَاتِيا
فهذا يدل على أن مقامه ثلاثَ عشرةَ سنة (١).
ثم إن رسول الله - ﷺ - رحل من قباء، يريد المدينة، فما مر على دار من دور الأنصار، إلا قالوا: هَلُمَّ يا رسولَ الله إلى العدد والعدة، ويعترضون ناقته، فيقول: "خَلُّوا سَبيلَها، فإنّهَا مَأْمورَةٌ" حتى انتهت إلى موضع مسجدِ النبيِّ - ﷺ -، فبركت هناك، ووضعت جِرانَها، فنزل عنها النبيُّ - ﷺ -، واحتمل أبو أيوبَ الأنصاريُّ الناقةَ إلى بيته (٢).
وكان موضعُ المسجد مِرْبَدًا لسهلٍ وسُهيلٍ ابني عمرٍو، يتيمين في حِجْر معاذِ بنِ عفراءَ، وقيل: بل كان لبني النجَّار، وكان فيه نخلٌ، وخِرَبٌ، وقبور المشركين.
وأقام النبي - ﷺ - عند أبي أيوب، حتى بنى مسجدَه ومساكنَه، وكان قبلَه يصلِّي حيث أدركته الصلاة، ويناه هو والمهاجرون والأنصار - ﵃ أجمعين -.
* * *
_________________
(١) انظر: "الكامل" لابن الأثير (٢/ ٨).
(٢) رواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (١/ ٢٣٧)، عن شرحبيل بن سعد.
[ ١ / ١١١ ]