وهم قوم سبقوا إلى الإسلام، لا عشائر لهم تمنعهم، ولا قوة لهم يمتنعون بها، فأما من كانت له عشيرة تمنعه، فلم تصلِ الكفار منه إلى ما يريدون، ومِمَّنْ لا عشيرة له تمنعه؛ بلال بن رباح الحبشي مولى أُمية ابنِ خَلَف - وكان أبوه من سبي الحبشة، وأمه حمامة أيضًا سبية - كان الكفار يعذبونه بإلقائه في الرَّمْضاء على ظهره وقتَ الظهيرة، ولإلقاء الصخرة العظيمة على صدره، ويقال له: لا تزال هكذا حتى تموت، أو تكفرَ بمحمد، وتعبدَ اللاتَ والعزى، ثم صار إلى مُلك أبي بكر - ﵁ -،
[ ١ / ٨٥ ]
فأعتقه، فهاجر، وشهد المشاهد كلَّها مع رسول الله - ﷺ -.
ومنهم: عمار بن ياسر أبو اليقظان العنسي - بالنون -: أسلم عمار هو وأبوه ياسر، وأمه سمية، فكانوا يُخرِجون عمارًا وأباه وأمه إلى الأبطح إذا حميت الشمس، يعذبونهم بحرِّ الرمضاء، فمات ياسرٌ في العذاب، وأغلظَتْ سميةُ القولَ لأبي جهل، فطعنها في فرجها بحربة، فماتت، فهي أول شهيدة في الإسلام، وشدّدوا العذاب على عمار حتى فعل ما أمروه به، فتركوه، فأتى النبيَّ - ﷺ -، فأخبره بما كان. قال: "فكيفَ تَجِدُ قلبَكَ؟ "، قال: أجده مطمئنًّا بالإيمان، فقال: "يا عَمَّارُ! فإنْ عَادُوا، فَعُدْ" (١)، فأنزل الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦].
وشهد عمارٌ المشاهدَ كلَّها مع رسول الله - ﷺ -، وقُتِل بِصِفِّين مع عليٍّ - ﵁ -، وعمره نَيِّفٌ وتسعون سنة.
ومنهم: خَبَّابُ بنُ الأَرَتِّ: وكان أبوه سواديًا من كسكر، وكان إسلامه قديمًا، قيل: سادس ستة، فأخذه الكفار وعذبوه عذابًا شديدًا، فكانوا يُعرونه، ويُلصقون ظهره بالرمضاء بالرَّضْف، وهي الحجارة المحمَّاة بالنار، ثم كووا رأسه، فلم يُجبهم إلى شيء مما أرادوا.
ومنهم: صُهَيْب بنُ سنانٍ الروميُّ: كان ممن يُعَذَّب في الله، فلم يرجع عن دينه.
_________________
(١) رواه الحاكم في "المستدرك (٣٣٦٢)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٨/ ٢٠٨).
[ ١ / ٨٦ ]
ومنهم: عامرُ بنُ فُهَيْرَةَ: مرَّ به أبو بكر وهو يُعَذَّب، فاشتراه وأعتقه.
ومنهم: أبو فُكَيْهَة: واسمه أفلح، وكان عبدًا لصفوانَ بنِ أمية، مرّ به أبو بكر وهو يُعَذَّب، فاشتراه وأعتقه.
ومنهم: النَّهْدِيَّةُ [مولاة] لبني نهد، فصارت لامرأة من بني عبد الدار، فأسلمت، فكانت تعذبها، فابتاعها أبو بكر، وأعتقها.
ومنهم: جماعة غير هؤلاء.
* * *