وسبب ذلك: أن بني بكر بن عبد مناة عَدَتْ على خُزاعة، وهم على ماءٍ لهم بأسفلِ مكة، يقال له: الوثير، وكانت خزاعة في عهد رسول الله - ﷺ -، وبنو بكر في عهد قريش في صلح الحديبية، وكانت بينهم حروب في الجاهلية.
فكلمت بنو بكر أشرافَ قريش أن يُعينوهم على خزاعةَ بالرجال والسلاح، فوعدوهم، ووافَوْهم متنكرين، فبيتوا خزاعةَ ليلًا، فقتلوا منهم عشرين، ثم ندمت قريشٌ على ما فعلوا، وعلموا أن هذا نقض العهد الذي بينهم وبين رسول الله - ﷺ -.
وخرج عَمْرُو بنُ سالم الخزاعيُّ في طائفة من قومه، فقدموا على رسول الله - ﷺ - مستغيثين به، فوقف عمرٌو عليه، وهو جالس بالمسجد، وأنشده أبياتًا، يسأله أن ينصره، فقال رسول الله - ﷺ -: "نُصِرْتَ يا عَمْرُو بْنَ سَاِلمٍ"، ثم قدم بُدَيلُ بنُ ورقاءَ الخزاعيُّ في نفرٍ من خزاعةَ على النبي، وأخبره، فقال: "كأنكم بأبي سفيانَ قد جاءكمُ يشدُّ العَقْدَ، ويَزيدُ في المدَّةِ"، فكان كذلك.
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٣/ ٣٠٠)، عن جابر بن عبد الله - ﵄ -.
[ ١ / ١٥٣ ]
ثم قدم أبو سفيان المدينة، فدخل على ابنته أمِّ حبيبة أمِّ المؤمنين زوجِ رسول الله - ﷺ -، فلما ذهب ليجلسَ على فِراش رسول الله - ﷺ -، طَوَتْه عنه، فقال: ما أدري أرغبتِ بي عن هذا الفراش، أمن رغبتِ به عني؟ قالت: بل هو فراش رسول الله - ﷺ -، وأنت رجل مشرك نجس، قال: والله! لقد أصابك بعدي يا بنية شرٌّ.
ثم خرج، فأتى النبيَّ - ﷺ -، فكلمه، فلم يردَّ عليه شيئًا، فذهب إلى أبي بكر، ثم إلى عمر، ثم إلى عليٍّ - ﵁ - على أن يكلموا النبي - ﷺ - في أمره، وتشفَّع بهم، فلم يفعلوا، فقال لعلي: يا أبا الحسن! إني أرى الأمور قد اشتدَّت عليَّ، فانصحْني، قال: والله! لا أعلم شيئًا يغني عنك، ولكنك سيدُ بني كنانة، فقم فَأَجِرْ بين الناس، والحقْ بأرضك، قال: أو ترى ذلك مغنيًا عني شيئًا؟ قال: لا والله! ما أظنه، ولكن لا أجدُ لك غيرَ ذلك، فقام أبو سفيان في المسجد، فقال: أيها الناس! إني قد أجرت بين الناس.
ثم ركب بعيرًا، وانطلق، فلما قدم إلى قريش، قالوا: ما وراءك؟ فقص شأنه، وأنه قد أجار بين الناس، قالوا: فهل أجاز محمدٌ ذلك؟ قال: لا، قالوا: والله! إن زادَ الرجلُ على أن لعب بك (١).
قال: ثم أمر رسول الله - ﷺ - بالجهاز، وأمر أهلَه أن يجهزوه، ثم أعلم الناسَ بأنه يريد مكة، وقال: "اللهمَّ خُذِ العُيونَ والأخبارَ عن قريش
_________________
(١) رواه البيهقي في "دلائل النبوة" (٥/ ٦)، عن المسور بن مخرمة - ﵁ -.
[ ١ / ١٥٤ ]
حَتَّى نَبْغَتَهُمْ في بِلادِهِمْ"، ثم مضى رسول الله - ﷺ - لسفره، واستخلف على المدينة كلثومَ بنَ الحصين الغفاريَّ، فخرج لعشرٍ مضين من شهر رمضان، ومعه المهاجرون والأنصار، وطوائفُ من العرب، فكان جيشُه عشرة آلاف، فصام، وصام الناس معه، حتى إذا كان بالكديد، أفطر.
فخرج أبو سفيان بنُ حرب، وحكيمُ بن حزام، وبديلُ بنُ ورقاء يتجسسون الأخبار، وكان العباس بن عبد المطلب قد خرج قبل ذلك بعياله مسلمًا مهاجرًا، فلقي رسولَ الله - ﷺ - بالجُحْفَة، وقيل: بذي الحليفة، ثم حضر أبو سفيان بن حرب على يد العباس إلى النبي - ﷺ - بعد أن استأمن له، فأسلم، وأسلم معه حكيمُ بن حزام، وبديلُ بن ورقاء، وقال العباس: يا رسول الله - ﷺ -! إن أبا سفيان يحب الفخر، فاجعلْ له شيئًا يكون في قومه، فقال: "مَنْ دخلَ دارَ أبي سُفيانَ فهو آمِنٌ، ومن دخلَ المسجدَ فهو آمنٌ، ومن دخلَ دارَ حكيمِ بنِ حزامٍ فهو آمِنٌ، ومن أغلقَ عليه بابَهُ فهو آمِنٌ" (١).
وكان فيمن خرج ولقي رسولَ الله - ﷺ - ببعض الطريق: أبو سفيان بنُ الحارث، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بالأبواء، فأعرضَ عنهما، فجاء إليه أبو سفيان بنُ الحارث بنِ عبد المطلب، فقبل وجهه، فقال رسولُ الله - ﷺ -: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢]، وقبل منهما إسلامهما، فأنشده أبو سفيان
_________________
(١) رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٥/ ١٠٧)، عن عروة بن الزبير.
[ ١ / ١٥٥ ]
معتذرًا إليه أبياتًا، فضرب رسول الله - ﷺ - صدره، وقال: "أنتَ طردتني كُلَّ مطرد؟ " (١).
وكان أبو سفيان بعد ذلك ممن حَسُن إسلامه، فيقال: إنه ما رفع رأسَه إلى رسول الله - ﷺ - منذ أسلم حياءً منه، وكان رسول الله - ﷺ - يحبه، ويشهد له بالجنة، ويقول: "أَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَلَفًا مِنْ حَمْزَةَ".
وأمر النبي - ﷺ - الزبيرَ بنَ العوام أن يدخل ببعض الناس من كدى، وأمر سعدَ بن عبادة سيدَ الخزرج أن يدخل ببعض الناس من ثنية كَداء، ثم أمر عليًا أن يأخذ الرايةَ منه، فيدخل بها؛ لما بلغه من قول سعد: اليومَ يومُ الملحَمة، اليومَ نستحلُّ الحرمة، وأمر خالدَ بن الوليد أن يدخل من أسفل مكة في بعض الناس، وكلُّ هؤلاء الجنود لم يقاتلوا؛ لأن النبي - ﷺ - نهى عن القتال، إلا أن خالد بن الوليد لقيه جماعةٌ من قريش، فرمَوْه بالنبل، ومنعوه من الدخول، فقاتلهم خالد، فقتلَ من المشركين ثمانيةً وعشرين رجلًا، فلما ظهر النبيُّ - ﷺ - على ذلك، قال: "أَلَمْ أَنْهَهُ عَنِ القِتَالِ؟ ! "، فقالوا له: إن خالدًا قوتل فقاتل، وقُتل من المسلمين رجلان (٢).
وكان فتح مكة يوم الجمعة، لعشر بقين من رمضان، ودخل رسول رسول الله - ﷺ -، ومَلَكَها عنوةً بالسيف، وإلى ذلك ذهبَ الشافعيُّ، وهو الصحيحُ من مذهب أحمد بن حنبل - ﵄ -، وقال أبو حنيفة - ﵁ -: إنها
_________________
(١) رواه الحاكم في "المستدرك" (٣/ ٤٦)، عن عبد الله بن عباس - ﵄ -.
(٢) رواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٢/ ١٣٣).
[ ١ / ١٥٦ ]
فتُحت صُلْحًا، والله أعلم.
ولما دخل النبي - ﷺ - مكة، كان على الكعبة ثلاثُ مئة وستون صنمًا، قد شدَّ لهم إبليسُ أقدامَها بالرصاص، فجاء ومعه قضيبٌ، فجعل يومي إلى كل صنم منها، فيخرُّ لوجهه، فيقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١]، حتى مرَّ عليها كلها.
وقدم على النبي - ﷺ - وَحْشِيُّ بنُ حربٍ قاتلُ حمزةَ - ﵁ -، وهو يقول: أشهدُ أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، فقال رسول الله - ﷺ -: "أَوَحْشِيُّ؟ "، فقال: نعم، قال: "أَخْبِرْني كيفَ قتلتَ عَمِّي"، فأخبره، فبكى، وقال: "غَيِّبْ وَجْهَكَ عَنِّي" (١).
ولما دخل رسول الله - ﷺ - مكة، كانت عليه عِمامةٌ سوداءُ، فوقف على باب الكعبة، وقال: "لا إلهَ إلا الله وحدَه، صدقَ وعدَه، ونصرَ عبدَه، وهزمَ الأحزابَ وحدَه" (٢).
ثم قال: "يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! مَا تَرَوْنَ أَنِّي فاعِلٌ بِكُمْ؟ "، قالوا: خيرًا، أخٌ كريم، وابن أخ كريم، قال: "اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ"، فأعتقهم رسول الله - ﷺ -، وكان الله تعالى أمكَنَه منهم، وكانوا له فيئًا، فبذلك سمي أهل مكة: الطلقاء (٣).
_________________
(١) رواه البخاري (٣٦٨٤٤)، عن وحشي - ﵁ -.
(٢) رواه أبو داود (٤٥٤٧)، وابن ماجه (٢٦٢٨)، عن عبد الله بن عمر - ﵁ -.
(٣) رواه الطبري في "تاريخه" (٢/ ١٦١)، عن قتادة السدوسي.
[ ١ / ١٥٧ ]
ولما اطمأن الناس، خرج رسول الله - ﷺ - إلى الطواف، فطاف بالبيت سبعًا على راحلته، واستلم الركن بِمحْجَنٍ كان بيده (١)، ودخل الكعبة، ورأى فيها الشخوصَ، على صورة الملائكة، وصورةَ إبراهيم، وفي يده الأزلامُ يستقسمُ بها، فقال: "قاتَلَهُمُ اللهُ! جَعَلُوا شَيْخَنا يَسْتَقْسِمُ بالأَزْلامِ، ما شَأْنُ إِبراهيمَ وَالأَزْلام"، ثم أمر بتلك الصور فطُمست، وصلَّى بالبيت (٢).
ثم جلس - ﷺ - على الصفا، واجتمع الناس لبيعته على الإسلام، فكان يبايعهم على السمع والطاعة لله ولرسوله، فبايع الرجال، ثم النساء.
وأهدر دمَ ستة رجالٍ، وأربعِ نسوةٍ:
فأولهم: عكرمةُ بن أبي جهل، ثم استأمنت له زوجتُه أمُّ حكيم، فآمنه، فقدم عكرمةُ، وأسلمَ.
ثانيهم: هَبَّارُ بن الأَسود.
ثالثهم: عبدُ الله بن سعدِ بنِ أبي سَرْحٍ، وكان أخا عثمانَ بن عفان من الرضاعة، فأتى عثمانُ به النبيَّ - ﷺ -، وسأله فيه، فصمتَ النبيُّ - ﷺ - طويلًا، ثم آمنه، فأسلم، وقال لأصحابه: "إنما صَمَتُّ لِيَقُومَ أَحَدُكُمْ فَيَقْتُلَهُ"، فقالوا: هلاَّ أومأت إلينا، فقال لهم: "إنَّ الأنبياءَ لا تَكُون لهم
_________________
(١) رواه أبو داود (١٨٧٨)، وابن ماجه (٢٩٤٧)، عن صفية بنت شيبة - ﵂ -.
(٢) رواه ابن هشام في "السيرة النبوية" (٥/ ٧٥)، وأصله عند البخاري (٣١٧٤)، عن عبد الله بن عمر - ﵄ -.
[ ١ / ١٥٨ ]
خائِنَةُ الأَعْيُنِ" (١)، - وكان عبدُ الله المذكورُ قد أسلم من قبل الفتح، وكتبَ الوحي، فكان يبدِّلُ القرآنَ، ثم ارتدَّ - وعاش إلى خلافة عثمان - ﵁ -، وولاه عثمانُ مصرَ.
ورابعُهم: مِقْيَسُ بنُ صبابةَ؛ لقتله الأنصاريَّ الذي قتل أخاه خطأ، وارتدَّ.
وخامسهم: عبد الله بن هلال، كان قد أسلم، ثم قتل مسلمًا، وارتدَّ.
وسادسهم: الحويرث بنُ نُفيل، كان يؤذي رسول الله - ﷺ -، ويهجوه، فلقيه علي بن أبي طالب، فقتله.
وأما النساء، فأولهن: هندٌ زوجُ أبي سفيان، أمُّ معاوية، التي أكلت من كبد حمزة، تنكَّرت مع نساء قريش، وبايعتْ رسولَ الله - ﷺ -، فلما عرفَها، قالت: أنا هند، فاعفُ عما سلف، فعفا (٢).
ولما جاء وقتُ الظهر يومَ الفتح، أذّن بلالٌ على ظهر الكعبة، وقال الحارث بن هشام: ليتني مِتُّ قبل هذا.
وقال خالد بن أسيد: لقد أكرم الله أبي، فلم يرَ هذا اليوم، فخرج عليهم رسول الله - ﷺ -، ثم ذكر لهم ما قالوه، فقال الحارث بن هشام: أشهدُ أنك رسول الله، ما اطَّلع على هذا أحد، فنقول: أخبركَ.
_________________
(١) رواه أبو داود (٢٦٨٣)، والنسائي (٤٠٦٧)، عن سعد بن أبي وقاص - ﵁ -.
(٢) رواه الطبري في "تاريخه" (٢/ ١٦١)، عن قتادة السدوسي.
[ ١ / ١٥٩ ]
ومن النساء المهدَرات الدمِ: سارةُ مولاة بني هاشم.
وقام علي - ﵁ -، ومفتاحُ الكعبة في يده، فقال: يا رسول الله! اجمع لنا الحِجابة مع السِّقاية، صلَّى الله عليك، فقال رسول الله - ﷺ -: "أينَ عثمانُ بنُ طلحَة؟ "، فدعي له، قال: "هاكَ مفتاحَكَ، يا عثمانُ، اليومَ يومُ بِرٍّ ووَفاءٍ"، قال: "خُذُوها تَالِدَةً خَالِدَةً، لا يَنْزِعُها منكُمْ إِلَّا ظالمٌ، يا عثمانُ! إنَّ الله اسْتَأْمَنَكُمْ على بَيْتِهِ، فَكُلُوا مِمَّا يَصِلُ إليكُمْ من هَذَا البيتِ بالمعروفِ" (١).