ولما رجع رسولُ الله - ﷺ - من هذه الغزوة، وكان ببعض الطريق، قال أهل الإفك ما قالوا، وهم: مِسْطَحُ بن أُثاثَةَ بنِ عبادِ بنِ عبد المطلب، وهو ابنُ خالة أبي بكر، وحسانُ بنُ ثابت، وعبد الله بن أُبيٍّ ابنُ سلول الخزرجيُّ المنافق، وحَمْنَةُ بنتُ جَحْش، فرموا عائشةَ - ﵂ - بالإفك مع صفوانَ بنِ المعطّل، وكان صاحبَ الساقة، فلما نزلتْ براءتها، جلدَهم رسولُ الله - ﷺ - ثمانين ثمانين، إلا عبدَ الله بنَ أبي، فإنه لم يجلده، وكان صفوانُ حَصُورًا لا يأتي النساء (٣).
وفي هذه الغزوة نزلت آية التيمم.
* وفيها - أعني: سنة ست -: كانت عمرة الحديبية، وهي أن
_________________
(١) رواه مسلم (٢١٤٠)، عن ابن عباس - ﵄ -.
(٢) رواه أبو داود (٣٩٣١)، عن عائشة - ﵂ -.
(٣) رواه البخاري (٢٥١٨)، عن عائشة - ﵂ -.
[ ١ / ١٣٨ ]
رسول الله - ﷺ - خرج من المدينة في ذي القعدة سنة ست معتمرًا، لا يريد حربًا، بالمهاجرين والأنصار، في ألف وأربع مئة، وساق الهديَ، وأحرم بالعُمرة، وسار حتى وصل إلى ثنية المرار مهبط الحديبية أسفل مكة، وأمر بالنزول، فقالوا: ننزل على غير ماء؟ ! فأعطى رجُلًا سهمًا من كنانته، وغرزه في قَليب من تلك القُلُب في جوفه، فجاش الماء بالريِّ، حتى كفى الجيش، وكان اسمُ الذي أخذ السهم ناجيةَ بنَ عُمير، سائقَ بُدْنِ النبي - ﷺ -، وهذا من مشاهير معجزاته (١).
فبعثت قريشٌ عُروةَ بنَ مسعود الثقفيَّ، وهو سيدُ أهل الطائف، فأتى رسولَ الله - ﷺ -، وقال: إن قريشًا لبسوا جلود النمور، وعاهدوا الله أن لا تدخل عليهم مكة عَنْوَة أبدًا، ثم جعل عُروة يتناول لحيةَ رسولِ الله - ﷺ -، وهو يكلِّمه، والمغيرةُ بنُ شُعبةَ واقف على رأس رسول الله - ﷺ -، فجعل يقرع يده، ويقول: كُفَّ يدَك عن وجه رسول الله - ﷺ -، قبل أن لا ترجعَ إليك، فقال له عروة: ما أَفَظَّكَ وأغلظَكَ! فتبسَّم رسولُ الله - ﷺ -.
ثم قام عُروة من عند رسول الله - ﷺ -، وهو يرى ما يصنع أصحابه، لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه، ولا يبصُق إلا ابتدروا بُصاقه، ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه.
ورجع إلى قريش، وقال لهم: إني جئتُ كسرى وقيصرَ في مُلْكهما، فو الله! ما رأيت ملكًا في قومه مثلَ محمد في أصحابه.
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٤/ ٣٢٣)، عن المسور بن مخرمة - ﵁ -.
[ ١ / ١٣٩ ]
ثم إن رسولَ الله - ﷺ - دعا عمر بن الخطاب - ﵁ - ليبعثه إلى قريش؛ ليعلمهم بأن رسول الله - ﷺ - لم يأت لحرب، فقال عمر: إني أخاف قريشًا؛ لغلظتي عليهم، وعداوتي فيهم، فبعث رسولُ الله - ﷺ - عثمانَ بنَ عفان - ﵁ - إلى أبي سفيان وأشرافِ قريش: أنه لم يأت لحرب، وإنما جاء زائرًا، ومعظِّمًا لهذا البيت.
فلما وصل إليهم عثمان بن عفان، وعرّفهم بذلك، فقالوا له: إن أحببتَ أنك تطوفُ بالبيت، فطفْ، فقال: ما كنتُ لأفعلَه، حتى يطوفَ رسولُ الله - ﷺ -، فأمسَكوه، وحَبَسوه، وبلغَ رسولَ الله - ﷺ - أن عثمان قُتِل، فقال رسول الله - ﷺ -: "لا نَبْرَحُ حَتَّى نُنَاجِزَ القَوْمَ"، ودعا رسول الله - ﷺ - إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، وكان الناس يقولون: بايعهم رسولُ الله على الموت، وكان جابرٌ يقول: لم يبايعْنا إلا على أننا لا نفرُّ، فبايع رسولُ الله - ﷺ - الناسَ، ولم يتخلف أحدٌ من المسلمين، إلا الحُرُّ بنُ قيسٍ، استترَ بناقته، وبايع رسولُ الله - ﷺ - لعثمانَ في غيبته، فضرب بإحدى يديه على الأخرى، ثم أتى رسولَ الله - ﷺ - الخبرُ أن عثمان لم يُقتَل.