قال ابن عباس - ﵄ -: بُعِثَ النبي - ﷺ -، وأُنزِلَ عليه الوحيُ وهو ابن أربعين سنة (١)، وقيل: ابن ثلاث وأربعين، وكان يوم الاثنين بلا خلاف، لثماني عشرة ليلة خلت من رمضان.
قالت عائشة ﵂: أول ما بدئ به رسولُ الله - ﷺ - من الوحي: الرؤيا الصالحةُ في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثلَ فَلَق
_________________
(١) رواه البخاري (٣٩٠٢)، ومسلم (٢٣٥١).
[ ١ / ٧٩ ]
الصبح، ثم حُبِّبَ إليه الخلاءُ، وكان يخلو بغار حِرَاء، فيتحنّث فيه - وهو التعبُّدُ - اللياليَ ذوات العددِ قبلَ أن ينزعَ إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحقُّ وهو في غار حِرَاء، فجاءه الملك، فقال: اقرأْ، فقال: قُلْتُ: "ما أنا بقارئ"، قال: "فأخذني فَغَطَّني حتى بلغَ مني الجهد، ثم أرسلَني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانيةَ حتى بلغَ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأْ، فقلت ما أنا بقارى"، فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني، فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ [العلق: ١ - ٣]، فرجع بها رسولُ الله - ﷺ - يرجُفُ فؤادُه، فدخل على خديجةَ بنتِ خُوَيلد، فقال: "زمّلوني زمّلوني"، فزمّلوه حتى ذهب عنه الروع، قال لخديجة وأخبرها الخبر: "لقدْ خَشِيتُ على نفسي"، فقالت خديجة: كلا، والله! ما يُخزيك الله أبدًا، إنك لَتصلُ الرحم، وتَحمل الكَلَّ، وتُكْسِبُ المعدومَ، وتَقْري الضيفَ، وتُعين على نوائب الحقِّ.
فانطلقت به خديجةُ حتى أتت به ورقةَ بنَ نوفلِ بنِ أسدِ بنِ عبدِ العُزَّى ابنَ عمّ خديجة، وكان امرأً قد تنصّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي، فقالت له خديجة: يا بنَ عم! اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا بنَ أخي! ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله - ﷺ - خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموسُ الذي أنزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعًا، ليتني أكون حيًّا إذ يُخرجك قومُك، فقال رسول الله - ﷺ -: "أو
[ ١ / ٨٠ ]
مخرجيّ هم؟ "، قال: نعم، لم يأت رجل قطُّ بمثلِ ما جئت به، إلا عوديَ، وإن يدركْني يومُك، أنصُرْك نصرًا مؤزرًا، ثم لم يلبث ورقة أن توفي، وفتر الوحي (١).
ثم كان أول ما أُنزِل عليه من القرآن بعد ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: ١]، ثم ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١]، ثم ﴿وَالضُّحَى﴾ [الضحى: ١].
قالت خديجة لرسول الله - ﷺ -: يا بن عم! هل تستطيع أن تخبرني بصاحبك الذي يأتيك إذا جاء؟ قال: "نعم"، فجاءه جبريل، فأعلمها، فقالت: قم فاجلسْ على فخذي اليسرى، فقام رسول الله - ﷺ -، فجلس عليها، فقالت: هل تراه؟ قال: "نعم"، فتحَسَّرَتْ، وألقت خِمارها، ورسولُ الله - ﷺ - في حِجْرها، ثم قالت: هل تراه؟ قال: "لا"، قالت: يا بن عم! اثْبُتْ وأبشر، فوالله! إنه لَمَلَكٌ، وما هو شيطان (٢).
وقال الزهري: فتر الوحي عن رسول الله - ﷺ - فترة، فحزن حزنًا شديدًا، فجعل يغدو إلى رؤوس الجبال ليتردّى منها، فكلما أوفى بذروة جبل، تبدّى له جبريل - ﵇ -، فيقول له: إنّك رسولُ الله حقًا، فيسكن لذلك جأشُه، وترجع نفسه (٣).
_________________
(١) رواه البخاري (٣).
(٢) رواه ابن هشام في "السيرة" (٢/ ٧٥).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٩/ ١٤٣).
[ ١ / ٨١ ]
فلما أمر الله نبيه - ﵇ - أن يُنْذِر قومَه عذابَ الله على ما هم فيه من عبادة الأصنام دون الله تعالى الذي خلقهم ورزقهم، وأن يُحَدّث بنعمة ربه عليه، وهي النبوة.
فكان أول من آمن به وصدّقه: خديجة زوجته.
ثم كان أول شيء فرض من شرائع الإسلام بعد الإقرار بالتوحيد، والبراءة من الأوثان: الصلاة: أتاه جبريل - ﵇ - وهو بأعلى مكة، فهمز له بعقبه في ناحية الوادي، فانفجرت فيه عين، فتوضأ جبريل، ورسولُ الله - ﷺ - ينظر إليه؛ ليُريه كيف الطهور للصلاة، ثم توضأ رسولُ الله - ﷺ -، ثم قام جبريلُ فصلى به، وصلَّى النبي - ﷺ - بصلاته، وانصرف جبريل، وجاء رسول الله - ﷺ - إلى خديجة، فعلَّمها الوضوءَ، ثم صلَّى بها، فصلت بصلاته.
* * *