توفي أبو طالب وخديجةُ قبل الهجرة بثلاث سنين، بعد خروجهم من الشعب، توفي أبو طالب في شوال، وعمرهُ بضعٌ وثمانون سنة، وماتت خديجة قبلَه بخمسة وثمانين يومًا.
وقيل: كان بينهما خمسة وعشرون يومًا.
وقيل: ثلاثة أيام.
فعظُمت المصيبة على رسول الله - ﷺ - بموتهما، وقال رسول الله: "ما نالَتْ قريشٌ مني شيئًا أكرهُه، حتى ماتَ أبو طالبٍ" (١)، وذلك أن قريشًا وصلوا مِنْ أذاه بعدَ موت أبي طالب إلى ما لم يكونوا يصلون إليه في حياته.
ولما اشتدَّ عليه الأمر، خرج ومعه زيدُ بنُ حارثة إلى ثقيف، يلتمس منهم النصر، فلما انتهى إليهم، عمد إلى ثلاثةِ نفرٍ منهم، وهم يومئذ سادةُ ثقيف، وكانوا إخوة: عبد ياليل، ومسعود، وحبيب بنو عمرو بن
_________________
(١) رواه الطبراني في "المعجم الأوسط" (١/ ١٨٨)، عن عائشة ﵂.
[ ١ / ١٠٢ ]
عمير. فدعاهم إلى الله تعالى، وكلّمهم في نصرته، والقيام معه على من خالفه، فلم يجيبوه، فقال له واحدٌ منهم: أما وجد الله أحدًا يرسله غيرك؟ وقال الآخر: والله! لا أكلمك أبدًا، لئن كنتَ رسولًا من الله - كما تقول - لأنتَ أعظمُ خطرأمن أن أردَّ عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله، فما ينبغي لي أن أكلمك.
فقام رسول الله - ﷺ - وقد يئس من خير ثقيف، وقال: "إذا أَبيتُم، فاكتُموه علَيّ".
وأتى رسول الله - ﷺ - إلى كِنْدةَ، وإلى بني حَنيفة، وعرض عليهم نفسَه، ودعاهم إلى الله، فلم يقبلوا.
ولم يزل - ﷺ -[يعرِضُ نفسه] على كلِّ قادمٍ له اسم وشَرَف، ويدعوه إلى الله تعالى.
وكلما أتى قبيلة يدعوهم إلى الإسلام، تبعه عمُّه أبو لهب، فمنعهم من طاعته، فيقول النبيُّ - ﷺ -: "يا بني فلان! إني رسولُ الله إليكم، يأمرُكم أن تعبدوا الله، ولا تشُركوا به شيئًا، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه، وأن تؤمنوا بي، وتصدِّقوني"، وعمه أبو لهب ينادي: إنما يدعوكم إلى أن تسلخوا اللاتَ والعُزَّى من أعناقكم إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تطيعوه، وكان أبو لهب أحولَ، له غديرتان.
* * *
[ ١ / ١٠٣ ]