- فمنها: أنَّ العاقلَ اللَّبيبَ إذا تفكَّر فيها ورأى تقلُّبَ الدُّنيا بأهلها، وتتابعَ نكَباتها إلى أعيان قَاطِنيها، وأنها سَلَبت نفوسَهم وذخائِرَهُم، وأعْدَمت أصاغِرَهُم وأكابرهم، فلم تُبْقِ على جليلٍ ولا حقير، ولم يَسْلَم من نكَدها غنيٌّ ولا فقير، زَهِدَ فيها وأعرضَ عنها وأقبلَ على التزوُّد للآخرة منها، ورَغِبَ في دار تنزَّهت عن هذه الخصائص، وسَلِمَ أهلُها من هذه النقائص.
- ومنها: التخلُّق بالصَّبر والتأسِّي، وهما من محاسن الأخلاق، فإنَّ العاقلَ إذا رأى أنَّ مُصَابَ الدُّنيا لم يَسْلَم منه نبيٌّ مُكَرَّمٌ ولا مَلِكٌ معظَّمٌ، بل ولا أحدٌ من البشر، عَلِمَ أنه يُصيبه ما أصابهم، وَينُوبه ما نَابَهم.
[ مقدمة / ٧ ]
وهَلْ أَنا إلا مِنْ غَزِيَّةَ إنْ غَوَتْ غَويتُ وإنْ تَرْشُدْ غَزِيَّةُ أَرْشُدِ
ولهذه الحكمة وردت القصص في القرآن المجيد ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧]، فإنْ ظَنَّ هذا القائلُ أنَّ الله سبحانه أراد بذكرها الحكاياتِ والأسمارَ فقد تمسَّكَ من أقوال الزَّيغِ بمُحْكَم سببِها حيث قالوا: هذه أساطيرُ الأولينَ اكْتَتبها.
وهذا كتابٌ نفيسٌ حاوٍ للفوائدِ الدُّنيوية والأُخروية جمعًا، للإمام العلاَّمة مُجير الدِّين العُلَيميِّ الحنبلي، وَسَمه بـ"التَّاريخ المعتبر في أنباء مَنْ غَبر" ذَكَر فيه من الحوادث العجيبة والوقائع الغريبة والعبر، وأخبارِ مَنْ فات ومَنْ حضر، ما ترتاحُ لسماعه القلوب، وما يزُول عن مطالعه ما يجده من الهمِّ والكُروب، أوردَ فيه أخبارَ الأنبياءِ وأحوالَ الأممِ والملوكٍ، وذكر تراجمَ الأعيانِ من الصَّحابة والتابعين والأئمة المَرْضيين، مُعرِّجًا على ذكر الحكماء والصُّلحاء والشعراء، مُؤْثرًا في سرده الاختصار، على التطويل والإكثار، بأسلوب سهلٍ بعيدٍ عن التعقيد في ذكر الأحداث، مبوِّبًا لذلك أحسنَ تبويب.
فقد ابتدأ كتابَه بقصص الأنبياء؛ بذكرِ آدمَ وانتهاء بعيسى ﵉.
ثم ذكرَ أممَ اليهودِ والنَّصارى والهند والسِّند والسُّودان وغيرِهم، حاكيًا فيها الأمور العِجَاب، مُوردًا جملةً من الإسرائيليات على سبيل
[ مقدمة / ٨ ]
التحلِّي بها والتندُّر، لا على سبيل الاستشهاد والاحتجاج.
ثم ذكر سيرةَ النبيِّ - ﷺ - بأسلوبٍ مختصَرٍ مَلِيح حتى انتهى إلى وفاتِه - ﷺ -.
ثم أتى على ذكر الخُلفاء الراشدين الأربعةِ وما جرى في خلافاتهم من وقائعَ وأحداثٍ.
ثم أتبعهم بذكر خلفاءِ بني أميةَ مُبتَدِأً بمعاويةَ بن أبي سفيانَ - ﵁ -، خاتمًا بخلافةِ مروانَ بنِ محمد.
ثم أعقبهم بذكر خلفاءِ بني العبَّاس مبتدأً بخلافة أبي العباس السَّفَّاح، وخاتمًا بخلافة المُستعصم بالله.
ثم ذكر خلفاءَ الدَّولةِ العَلَوِّية الفاطميَّة، والخلفاءَ من بني العباس بالديار المصرية، وأخبارَ ملوكِ سلاطينِ الأيوبيين والمماليكِ حتى سلطنةِ قايتباي الظاهري سنةَ إحدى وتسع مئة.
ساردًا في أثناء ذلك كلِّه لُمعًا من أخبارهم وأحوالهم ومواليدهم ووفياتهم، وما جرى في ولاياتهم وسَلْطَنَاتهم من وقائعَ وأحداث، بذكرِها على ترتيب السَّنوات حَسْبَ الإمكان، وبذلك ينتهي الجزءُ الأول من كتابه.
ثم أفردَ الجزءَ الثاني منه بذكر تراجمِ الأعيانِ من الأئمة الأربعة وغيرِهم من التابعين والعلماء الأعلام والرؤساء والوزراء والشعراء والقضاة على وجه الاختصار مُرَتَّبين على حروفِ المُعْجَم من غير التزامٍ
[ مقدمة / ٩ ]
بترتيب الأسماء في كلِّ حرف كما ذَكَر، معرِّفا باسم المترجَم وتاريخِ وَفاته وذكرِ شيء مِنْ سيرته إن تيسَّر على وجه الاختصار، جامعًا ما يزيد على ستِّ مئة عَلَم.
هذا وقد وفَّقنا الله للوقوف على نسخة خطيَّة نَفيسة منقولَة عن نُسخة المؤلِّف التي كتبها بخطِّه، وهي مِنْ خزائن مكتبة جامعة برنستون، بالولايات المتحدة الأمريكية، تحت رقم (٢٢٦٣)، وتقع في جزأين، الأولِ منهما يقع في (١١٢) ورقة، والثاني في (٧٠) ورقة.
وقد كتبت سنة خمس وأربعين وتسع مئة.
وهي نسخةٌ جيدة مكتوبة بخطٍّ جيد، كُتبت فيها العناوينُ الرئيسةُ باللَّون الأحمر، وحُلِّيت بالهوامش والتَّصحيحات.