ثم أرسل الله موسى بنَ عمرانَ بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل نبيا بشريعة بني إسرائيل، وكان من أمره: أنه لما ولدته أمه، كان قد أَمَرَ فرعونُ مصرَ الوليدُ بن مصعب بقتل الأولاد الأطفال، فخافت أمه عليه، وألقى الله تعالى إليها أن تُلقيه في النيل، فجعلته في تابوت، وألقته، والتقطته آسية امرأة فرعون، وربَّته، وكبر،
[ ١ / ٢٤ ]
فبينا هو يمشي في بعض الأيام، إذ وجد إسرائيليًا وقبطيا يختصمان، فوكز القبطيَّ فقتله، وخاف موسى من فرعون، فهرب، وقصد نحو مدينَ، واتصل بشعيب، وزوَّجه ابنته صفورا، وأقام يرعى غنم شعيب عشر سنين.
ثم سار بأهله في زمن الشتاء، وأخطأ الطريق، وكانت امرأته حاملًا، فأخذها الطلق في ليلة شاتية، فأراد [أن] يقدح، فلم يظهر له نار، ﴿قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [القصص: ٢٩]، فلما دنا منها، رأى نورًا ممتدًا من السماء إلى شجرة عظيمة من العَوْسَج، وقيل: من العناب، فتحير موسى، وخاف ورجع، فنودي منها، ولما سمع الصوت، استأنس، وعاد، فلما أتاها، نودي من جانب الوادي الأيمن من الشجرة: يا موسى! إني أنا الله ربُّ العالمين، ولما رأى تلك الهيبة، علم أنه ربه، فخفق قلبه، وكَلَّ لسانه، وضعفت مُنَّتُه، ثم شد الله قلبه، ولما عاد عقله، نودي أن اخلع نعليك ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه: ١٢]، وجعل الله عصاه ويده آيتين.
ثم أقبل موسى إلى أهله، فسار بهم نحو مصر حتى أتاها ليلًا، واجتمع به هارون - ﵇ -، وتعارفا فاعتنقا، ثم قال موسى: يا هارون! إن الله أرسلنا إلى فرعون، فانطلقا إليه، وأراه موسى عصاه ثعبانًا، فخاف فرعون، وأحدث في ثيابه، ثم أدخل يده في جيبه، وأخرجها بيضاء لها نور، ثم ردها إلى جيبه، وأخرجها على لونها الأول.
ثم أحضر لهما فرعون السحرة، وعملوا الحيات، وألقى موسى
[ ١ / ٢٥ ]
عصاه، فتلقفت ذلك، وآمن به السَّحَرة، فقتلهم فرعون، ثم أراهم الآيات من القمل، والضفادع، وصيرورةِ الماء دمًا، ثم سار موسى ببني إسرائيل باذن فرعون، ثم ندم فرعونُ، وسار بعسكره حتى لحقهم عند بحر القُلْزُم، فضرب موسى بعصاه البحرَ، فانشق، فدخل فيه هو وبنو إسرائيل، وتبعهم فرعون وجنوده، فانطبق البحر عليهم فغرقوا.
ومن جملة المعجزات: قصته مع قارون: وكان قارونُ ابنَ عمِّ موسى، وكان رُزق مالًا عظيمًا يُضرب به المثل على طول الدهر، قيل: إن مفاتيح خزائنه تُحمل على أربعين بغلًا، وبنى دارًا، وصفَّحها بالذهب، وجعل أبوابها ذهبًا، فتكبر بسبب كثرة ماله على موسى، وقذفَه، وخرج عن طاعته، وأحضر امرأة بَغِيًّا، وأمرها بقذف موسى بنفسها، ثم أتى موسى فقال: إن قومك قد اجتمعوا، فخرج إليهم موسى، وقال: من سرق قطعناه، ومن افترى جلدناه، ومن زنا رجمناه، فقال له قارون: وإن كنت أنت؟ قال: نعم، وإن كنتُ أنا، فأُحضرت المرأة، فقال لها موسى: أقسمت عليك بالذي أنزل التوراة إلا صدقْتِ، أنا فعلتُ بكِ ما يقول هؤلاء؟ قالت: كذبوا، فأوحى الله إلى موسى: مُرِ الأرضَ بما شئتَ تُطعْك، فقال: يا أرض! خذيهم، فجعل قارون يقول: يا موسى! ارحمني، وموسى يقول: يا أرضُ خذيهم، فابتلعتهم الأرض، ثم خسف بهم وبدار قارون.
ولما أهلك الله فرعونَ وجنوده، قصد موسى المسير ببني إسرائيل إلى مدينة الجبارين، وهي أريحا، فقال بنو إسرائيل: يا موسى! إن فيها
[ ١ / ٢٦ ]
قومًا جبارين، وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها، يا موسى! اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، فغضب موسى، ودعا عليهم، فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٥]، فقال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٢٦]، فبقُوا في التيه، وأنزل الله عليهم المَنَّ والسَّلْوى.
ثم أوحى الله إلى موسى أني متوفِّ هارون، فأتِ به إلى جبل كذا، فانطلقا نحوه، فإذا هما بسرير، فناما عليه، وأخذ هارونَ الموتُ، ورُفع إلى السماء، ورجع موسى إلى بني إسرائيل، فقالوا له: أنت قتلتَ هارون بحُبنا إياه، قال: ويحكم! أفتروني أقتل أخي؟ ! فلما أكثروا عليه، سأل الله تعالى، فأنزل السرير عليه هارونُ، فقال لهم: إني متُّ، ولم يقتلني موسى.
ثم توفي موسى، وكانت وفاته في التيه في سابع آذار لمضي ألف وست مئة وست وعشرين سنة من الطوفان، وكان موته بعد هارون أخيه بأحد عشر شهرًا، وكان هارون أكبر من موسى بثلاث سنين، وولد موسى لمضي ألف وخمس مئة وست سنين من الطوفان، وكان عمره لما خرج ببني إسرائيل ثمانين سنة، وأقام في التيه أربعين سنة، فيكون عمر موسى مئة وعشرين سنة.
ونزل عليه جبريل - ﵇ - أربع مئة مرة، وكان جملة مقام بني إسرائيل بمصر حتى أخرجهم موسى مئتين وخمس عشرة سنة.
[ ١ / ٢٧ ]