وأما مريم: فاسم أمها حَنَّة زوجُ عمران، وكانت حنة لا تلد، واشتهت الولد، فدعت بذلك، ونذرت إن رزقها الله ولدًا، جعلته من سَدَنة بيت المقدس، فحملت حنة، وهلك زوجها عمران وهي حامل، فولدت بنتا، وسمتها: مريم، ومعناه: العابدة، ثم حملتها، وأتت بها إلى المسجد، ووضعتها عند الأحبار، وقالت: دونكم هذه المنذورة، فتنافسوا فيها؛ لأنها بنتُ عمران، وكان من أئمتهم، فقال زكريا: أنا أحقُّ بها؛ إن خالتها زوجتي، فأخذها، وضمها إلى إيشاع خالتها، فلما كبرت، أفرد لها غرفة - كما تقدم -، وولدت عيسى - ﵇ - ببيت لحم، وهي قرية قريبة من القدس سنة أربع وثلاث مئة لغلبة الإسكندر.
ولما جاءت مريم بعيسى تحمله، قال لها قومها: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٧]، وأخذوا الحجارة ليرجموها، فتكلم عيسى وهو في المهد مُعَلَّقًا في منكبها، فقال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم: ٣٠ - ٣١]، فلما سمعوا كلام ابنها، تركوها.
[ ١ / ٣٩ ]
ثم إن مريم أخذت عيسى، وسارت به إلى مصر، ثم عاد عيسى وأمه إلى الشام، ونزلا الناصرة، وبها سميت النصارى، وأقام بها عيسى حتى بلغ ثلاثين سنة، فأوحى الله تعالى إليه، وأرسله إلى الناس، وصار إلى الأردن، وهو نهر الغور المسمى بالشريعة، فاعتمد، وابتدأ بالدعوة، وكان يحيى بن زكريا هو الذي عفَدَه، وكان ذلك لستة أيام خلت من كانون الثاني لمضي سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مئة للإسكندر.
وأظهر عيسى المعجزات، فأحيا ميتًا، وجعل من الطين طائرًا - قيل: هو الخفاش -، وأبرأ الأكْمَه والأبرص، وكان يمشي على الماء، وأنزل الله عليه المائدة، وأوحى الله إليه الإنجيل.
وكان الحواريون الذين اتبعوه اثني عشر رجلًا، وهم: شمعون الصفا، وشمعون العتاني (١)، ويعقوب بن ربدي (٢)، ويعقوب بن خلفي وقولوس (٣)، ومارقوس، وأندرواس، وتمريلا، ويوحنا، ولوقا، وتوما، ومتى.
وهؤلاء الذين سألوه نزول المائدة، فسأل عيسى ربه، فأنزل عليه سفرة حمراء مغطاة بمنديل، فيها سمكة مشوية، وحولها البقول ما عدا الكُرَّاث، وعند رأسها ملح، وعند ذنبها خل، ومعها خمسة أرغفة على
_________________
(١) في الأصل: "القناني".
(٢) في الأصل: زيدي".
(٣) في الأصل: "وقوليس".
[ ١ / ٤٠ ]
بعضها زيتون، وعلى باقيها رمان وتمر، فأكل منها خلق كثير ولم تنقص، ولم يأكل منها ذو عاهة إلا برِئَ، وكانت تنزل يومًا، وتغيب يومًا، أربعين ليلة.
وكانت اليهود قد جاءت في طلبه، فحضر بعض الحواريين إلى هرودُوس الحاكم على اليهود، وإلى جماعة من اليهود وقال: ما تجعلون لي إذا دللتكم على المسيح؛ فجعلوا له ثلاثين درهمًا، فأخذها، ودلهم عليه، فرفع اللهُ المسيحَ إليه، وألقى شِبْهه على الذي دلَّهُم عليه.
وقد اختلف العلماء في موته قبل رفعه: قيل: رفع، ولم يمت.
وقيل: بل توفاه الله ثلاث ساعات.
وقيل: سبع ساعات، ثم أحياه الله.
وتأول قائل هذه المقالة قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥].
ولما أمسك اليهود الشخص المشبه به، ربطوه، وجعلوا يقودونه بحبل، ويقولون له: إن كنت تحيي الموتى، أفلا تخلص نفسك من هذا الحبل؛ ويبصقون في وجهه، ويلقون عليه الشوك، وصلبوه على الخشب، فمكث عليه ست ساعات، ثم استوهبه يوسفُ النجارُ من الحاكم الذي كان على اليهود، وكان اسمه فيلاطوس، ولقبه هرودوس، ودفنه في قبر كان يوسف المذكورُ أعدَّه لنفسه.
وأنزل الله المسيحَ من السماء إلى أمه مريم، وهي تبكي عليه، فقال
[ ١ / ٤١ ]
لها: إن الله رفعني إليه، ولم يصبني إلا الخير، وأمرها، فجمعت له الحواريين، فبعثهم في الأرض رسلًا عن الله، وأمرهم أن يبلغوا عنه ما أمره الله به، ثم رفعه الله إليه، وتفرق الحواريون حيث أمرهم.
وكان رفعُ المسيح لمضيِّ ثلاث مئة وست وثلاثين سنة من غلبة الإسكندر على دارا، وكان بين رفع المسيح ومولد النبي - ﷺ - خمسُ مئة وخمس وأربعون سنة تقريبًا.
وعاش المسيح إلى أن رُفِعَ ثلاثًا وثلاثين سنة، ونزل عليه جبريل - ﵇ - عشر مرات.
وأما أُمَّة عيسى، فهم النصارى.
وأما مريم أم عيسى، فإنها عاشت نحو ثلاث وخمسين سنة؛ لأنها حملت بالمسيح لما صار لها ثلاث عشرة سنة، وعاشت معه مجتمعة ثلاثًا وثلاثين سنة وكسرًا، وبقيت بعد رفعه ست سنين.
* * *