فأما البحر المحيط الّذي هو عند أكثر الناس معظم البحار وعنصرها وأنها منه تتشعب، ويسميه كثير منهم الأخضر، ويسمي باليونانية أوقيانس وأكثر نهاياته مجهولة عند ابطلميوس وغيره فإنه يبتدئ من نهاية العمارة في الشمال الى أن يصير الى المغرب وينتهى الى نهاية العمارة في الجنوب وليس له في غربيه ولا شماليه نهاية محدودة، ويتصل ببحر الصين مما يلي الزابج وجزائر المهراج وشلاهط وهرلج، وفي هذا البحر مما يلي مغربه الجزائر المسماة الخالدات ومما يلي شماله الجزائر المسماة برطانية وهي اثنتا عشرة جزيرة، وعليه من بعض جهاته كثير من مدن الأندلس والافرنجة ومن جهة أخرى مدن من مدن
[ ٥٩ ]
المغرب مما يلي بلاد أبى عفير وبصرة المغرب، ثم مساكن البربر الذين يدعون أصحاب الاخصاص وكثير من مساكن السودان ويصب اليه أنهار عظيمة من بلاد الأندلس والافرنجة وغيرهم من الأمم منها نهر قرطبة قصبة الأندلس في هذا الوقت ودار مملكة بنى أمية، مبدأ هذا النهر من جبل على نحو ستة أيام من قرطبة يدعى لينشكه، ويجرى في هذا النهر مراكب كثيره الى قرطبة فإذا فصل عنها صار الى مدينة شبيلية وهي على يومين من قرطبة ومن شبيلية الى مصبه في هذا البحر يومان، وعلى هذا البحر المحيط مما يلي الأندلس جزيرة تعرف بقادس مقابلة لمدينة شذونة من مدن الأندلس بينها وبين شذونة نحو من اثنى عشر ميلا في هذه الجزيرة منارة عظيمة عجيبة البنيان على أعاليها عمود عليه تمثال من النحاس يرى من شذونة، وورائها العظمة وارتفاعه، ووراءه في هذا البحر على مسافات معلومة تماثيل أخر في جرائر يرى بعضها من بعض وهي التماثيل التي تدعى الهرقلية، بناها في سالف الزمان هرقل الملك الجبار تنذر من رآها أن لا طريق وراءها ولا مذهب، بخطوط على صدورها بينة ظاهرة ببعض الأقلام القديمة وضروب من الإشارات بأيدي هذه التماثيل تنوب عن تلك الخطوط لمن لا يحسن قراءتها، صلاحا للعباد ومنعا لهم في ذلك البحر من التغرير بأنفسهم.
وأمر هذه الأصنام مشهور من قديم الزمان الى هذا الوقت وهو سنة ٣٤٥ قد ذكرتها الفلاسفة القدماء وغيرهم ممن عنى بهيئة الأرض وأخبار العالم، منهم صاحب المنطق في كتابه في الآثار العلوية وهو أربع مقالات، فقال في المقالة الاولى منه- عند ذكره النهر المعروف بطرسيوس- ويسيل الى أن يبلغ خارجا من الأصنام التي أقامها هرقل الملك الجبار وذكر ذلك أيضا في آخر المقالة الثانية من كتاب السماء والعالم وهو
[ ٦٠ ]
أربع مقالات أيضا حين ذكر صغر الأرض فقال: الدليل على صغر الأرض ما يزعمون أن الموضع الّذي يدعى أصنام هرقل يختلط بأول حد من حدود الهند، فلذلك قالوا إن البحر واحد وذكر ذلك أيضا وبينه الإسكندر الأفروديسي في شرحه لكتاب أرسطاطاليس في الآثار العلوية وهي أكبر النسخ في الآثار تكون نحوا من خمسمائة ورقة وقد ذكر بطلميوس في كتابه في المدخل الى الصناعة الكرية ان من وراء خط الاستواء تحت مدار الجدي سودان مثل السودان التي تحت مدار رأس السرطان من دون خط الاستواء مما يلي الشمال، وأن بحر أوقيانس يأتى من ناحية المشرق الشتوي وهو مطلع الجدي ثم ينعطف من المشرق الشتوي الى ناحية الشمال الى أن ينتهي الى المغرب الصبفى وهو مغرب السرطان وذكر انه انما وقف على هذا من الكتب التي دونت فيها أخبار المساكن التي عن جنوب بلاد مصر وانهم وصلوا الى ذلك بعناية ملوك مصر وإنفاذهم ثقاتهم التي تلك النواحي ليعرف من هناك من الأمم قال المسعودي: وقد ذهب كثير من الناس الى أن تحديدهم لمقادير مسافات هذه البحار إنما هو على طريق التقريب والتخمين، إذ كان ذلك لا يحاط به لعجز البشر عن مشاهدته وبلوغ غاياته، وقد ذكرنا فيما سمينا من كتبنا السالفة ما قاله صاحب المنطق في كتابه في الآثار العلوية ومن تقدم عنه وتأخر في علة انتقال البحار والأنهار عن مواضعها، وشباب الأرض وهرمها وحياتها وموتها، والكلام في كيفية المد والجزر السنوى والقمري الّذي هو الشهري، ولأية علة صار في بعض البحار أظهر وأقوى كالبحر الحبشي وبحر أوقيانس المحيط، وفي بعضها أضعف وأخفى كبحر الروم والخزري وما يطس. على انه قد يظهر في بحر الروم
[ ٦١ ]
مما يلي المغرب ظهورا بينا حتى أن مدينة في جزيرة من سواحل إفريقية يقال لها جربة بينها وبين البحر نحو ميل تخرج مواشيهم غدوا حين يجزر الماء وينضب فترعى ثم تروح عشيا قبل المد، وقول بعض أهل الشرائع إن المد والجزر من فعل ملك وكله الله ﷿ بذلك في أقاصى البحار، يضع رجله أو بعض أصابعه فيها فتمتلئ فيكون المد، ثم يرفعها فيرجع الماء الى موضعه فهو الجزر. وقول من قال منهم إن ذلك لأمور استأثر الله بغيبها لم يطلع أحدا من خلقه عليها ليعتبروا بذلك ويستدلوا على وحدانيته وعجيب حكمته، وتنازع الأوائل في ذلك من فلاسفة الأمم وحكمائهم أهو من أفعال الشمس أم من أفعال القمر عند زيادة نوره فيكون منه المد؟ أم عند نقصانه فيكون الجزر؟ على حسب ما يظهر من أفعاله عند زيادته في أبدان الحيوان من الناطقين وغيرهم من القوة وغلبة السخونة والرطوبة والكون والنمو عليها، وأن الاخلاط التي تكون في أبدان الناس كالدم والبلغم وغيرهما عند ذلك تكون في ظاهر الأبدان والعروق ويزيد ظاهر البدن بلة ورطوبة وحسنا، وأن الأبدان عند نقصان نوره تكون أضعف والبرد عليها أغلب وتكون هذه الاخلاط في غور البدن والعروق ويزداد ظاهر البدن يبسا، وذلك ظاهر عند ذوى المعرفة والعلم بالطب، وما يظهر من أحوال الأمراض في زيادته ونقصانه وأن أبدان الذين يمرضون في أول الشهر تكون على دفع الأمراض والعلل أقوى وأبدان الذين يمرضون آخر الشهر تكون على دفع العلل أضعف وكذلك ما يعلم من دلالته في أنواع البحران في اليوم السابع من الأمراض والرابع عشر الحادي والعشرين والثامن والعشرين إذ كان القمر أربعة أشكال شكل التنصيف وشكل التمام وشكل التنصيف عن التمام وشكل المحاق فان لكل شكل من هذه سبعة أيام لأنه في سبعة أيام ينتصف وفي الرابع عشر يتم وفي الحادي والعشرين ينتصف وفي الثامن والعشرين يمتحق فكذلك
[ ٦٢ ]
البحرانات تصح في السابع والرابع عشر والحادي والعشرين والثامن والعشرين وتصح في تنصيفات هذه إذ كانت هذه الأشكال أثبت أشكال الشيء المنقسم وغير ذلك من تنازع الناس في كيفية البحران، وأن نتاج سائر الحيوان إذا كان في أول الشهر كان المولود أتم وأعظم منه إذا كان في آخره، وما يظهر عند زيادته من النمو والزيادة في شعر الحيوان وأدمغته والألبان والبيض، وحيض النساء وكثرة السمك في البحار والأنهار وغيرها، ونمو الأشجار والبقول والفواكه والرياحين وسائر النبات وغير ذلك مما يعلمه أصحاب الفلاحة ونقصان جميع ذلك عند نقصانه، وكذلك المعادن وزيادتها أول الشهر في جواهرها وحسن بصيصها وصفائها، وأن لسع سائر حشرات الأرض من الحيات والعقارب وغيرها وأفعال سائر السباع تكون في أول الشهر أقوى وأشد وفي آخره انقص وأضعف وغير ذلك من أفعاله، وغير ما لم نأت على وصفه وانما نذكر الشيء اليسير منبهين بذلك على الشيء الكثير والكواكب السبعة التي هي النيران والخمسة المتحيرة وغيرها لها تأثيرات في هذا العالم عند ذوى المعرفة بالنجوم، الا أن تأثيرات القمر في العالم الأرضي أبين منها لقربه منه وبعدها عنه وذلك موجود في كتب الأوائل على الشرح والإيضاح، ولثابت بن قرة الحراني كتاب جمع فيه ما ذكره جالينوس في سائر كتبه من أفعال النيرين وهما الشمس والقمر في هذا العالم أفادناه ابنه سنان بن ثابت، وكذلك ذكرنا فيما وصفنا من كتبنا ما خص به كل بحر من البحار من أنواع الجواهر الحيوانية منها والمعدنية والحجرية كاللؤلؤ والياقوت والمرجان وغيره والادوية والعقاقير والطيب وغير ذلك، وما السبب في ملوحة ماء البحار ومرارتها وغلظها وكثافتها، ولأية علة لا تتبين فيها الزيادة مع كثرة موادها من الأنهار التي تصب اليها وحملها السفن
[ ٦٣ ]
الثقيلة حتى إذا صارت الى العذب من الأنهار عرف غرق بعضها، للطافة العذب وكثافة المالح، إذ كان الغليظ يمنع من الرسوب فيه، وقد استدل صاحب المنطق في كتاب الآثار العلوية على ذلك بانه ان أخذ بيضة فصيرها في إناء فيه ماء عذب رسبت فيه، وإن القى في الماء ملحا يغلب عليه وتركه حتى ينحل فيه، أو أخذ من ماء البحر فصير البيضة فيه وجدها طافية. قال ويذكر الملاحون انهم يجدون السفينة التي تغرق في الماء العذب أبعد رسوبا من التي تغرق في البحر المالح، واستدل ببحيرة فلسطين فإنها شديدة المرارة والملوحة، وانه ان أخذ إنسان أو دابة فشد وثاقا والقى فيها وجد طافيا على الماء لخفته عند غلظ الماء وثقله، وان غمس فيها ثوب وسخ استنقى من ساعته لشدة المرارة والملوحة، وانه لا يكون فيها شيء من السمك قال المسعودي: وهذه البحيرة التي ذكرها أرسطاطاليس وغيره هي البحيرة المنتنة بحيرة أريحا وزغر وقد شاهدناها واليها يصب نهر الأردن الخارج من بحيرة طبرية ومواد بحيرة طبرية من نهر يصب اليها يخرج من بحيرة قدس وكفرلى يتحلب الى هذه البحيرة مياه كثيرة من أعمال دمشق مما يلي القرعون والخيط وغيره. وإذا شق نهر الأردن البحيرة المنتنة وانتهى الى وسطها متميزا من مائها غار هناك فخرج بين كفرسابا البريد وبين الرملة من بلاد فلسطين من عين عظيمة وهو نهر ابى فطرس يصب في البحر الرومي يكون مسافته على وجه الأرض بعض يوم وماؤه كالزئبق ثقلا وعليه الجادة، وانما عرف ما ذكرنا بأشياء ألقيت في نهر الأردن فظهرت في عين نهر أبى فطرس من امتحن ذلك بعض ذوى العناية بأمور العالم ممن ملك هذه البلاد في سالف الزمان فيما قيل وكذلك ذكر في زرنروذ نهر أصبهان انه ينتهي الى رمل في آخر كورتها فيغور ثم يظهر بكرمان ويصب في البحر الحبشي، وانه انما عرف بذلك بان
[ ٦٤ ]
بعض الملوك السالفة كتب على قصب وطرحه في موضع مغيضه فظهر بنهر كرمان وقد شاهدناه وهو نهر حسن وللفرس فيه أشعار كثيرة، وليس في هذه البحيرة المنتنة ذو روح من سمك ولا غيره، ومنها يخرج الحمر الّذي يسمي قفر اليهود يطلى على المناجل ويكسح به الكروم ليؤمن من الدود عليها، ولغير ذلك من العلاجات، ولمخرجه منها وما يظهر من الصوت وعلى أي صورة يظهر اخبار عجيبة وفيها وحولها يوجد الحجر الأصفر المعروف باليهودي المحرز على شكل البطيخ وخطوطه وذكر ابقراط وجالينوس وغيرهما انه يفتت الحصى المتولد في الكلى دون المثانة إذا برد وسقى وليس فيما عرف من معمور الأرض بحيرة لا يتكون ذو روح فيها الا هذه البحيرة وبحيرة كبوذان وهي على بعض يوم من مدينة أرمية وبلاد المراغة وغيرهما من بلاد آذربيجان، وهي أعظم وأغزر وامر وأملح لا يتكون ذو روح فيها أيضا وهي مضافة الى قرية في جزيرة في وسطها تعرف بكبوذان يسكنها ملاحو المراكب التي يركب فيها في هذه البحيرة، وتصب اليها انهار كثيرة ومياه من بلاد آذربيجان وغيرها، لم يعرض أحد ممن ذكرنا لوصفها وقد صنف احمد بن الطيب السرخسي صاحب يعقوب بن إسحاق الكندي كتابا حسنا في المسالك والممالك والبحار والأنهار وأخبار البلدان وغيرها، وكذلك ابو عبد الله محمد بن احمد الجيهاني وزير نصر بن احمد بن إسماعيل بن احمد بن أسد صاحب خراسان، ألف كتابا في صفة العالم وأخباره وما فيه من العجائب والمدن والأمصار والبحار والأنهار والأمم ومساكنهم وغير ذلك من الاخبار العجيبة والقصص الظريفة، وابو القاسم عبيد الله بن
[ ٦٥ ]
عبد الله بن خرداذبه في كتابه المعروف (بالمسالك والممالك) وهو أعم هذه الكتب شهرة في خواص الناس وعوامهم في وقتنا هذا وكذلك محمد بن احمد بن النجم ابن ابى عون الكاتب في كتابه (المترجم بالنواحى والآفاق والاخبار عن البلدان) وكثير من عجائب ما في البر والبحر وغيرهم ممن لم نسمه، فكل استفرغ وسعه وبذل مجهوده، وقد يدرك الواحد منهم ما لا يدركه الآخر وقد ذكرنا في كتابنا هذا وما سلف قبله من كتبنا التي هذا سابعها أخبار العالم وعجائبه، ولم نخله من دلائل تعضدها، وبراهين توتدها عقلا وخبرا، وغير ذلك مما استفاض واشتهر وشاهد من الشعر على حسب الشيء المذكور وحاجته الى ذلك ونحن وان كان عصرنا متأخرا عن عصر من كان قبلنا من المؤلفين، وأيامنا بعيدة عن أيامهم فلنرجو أن لا نقصر عنهم في تصنيف نقصده وغرض نؤمه، وان كان لهم سبق الابتداء فلنا فضيلة الاقتداء، وقد تشترك الخواطر وتتفق الضمائر، وربما كان الآخر أحسن تأليفا، واتقن تصنيفا لحنكة التجارب وخشية التتبع والاحتراس من مواقع الخطأ، ومن هاهنا صارت العلوم نامية غير متناهية، لوجود الآخر ما لا يجده الأول وذلك الى غير غاية محصورة ولا نهاية محدودة، وقد أخبر الله ﷿ بذلك فقال وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ١٢: ٧٦ على أن من شيم كثير من الناس الإطراء للمتقدمين وتعظيم كتب السالفين ومدح الماضي وذم الباقي، وان كان في كتب المحدثين ما هو أعظم فائدة وأكثر عائدة وقد ذكر ابو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ أنه كان يؤلف الكتاب الكثير المعاني الحسن النظم، فينسبه الى نفسه فلا يرى الأسماع تصغى اليه ولا الإرادات تيمم نحوه، ثم يولف ما هو انقص منه مرتبة وأقل فائدة ثم ينحله عبد الله بن المقفع أو سهل بن هارون أو غيرهما من المتقدمين ومن قد طارت أسماؤهم في المصنفين فيقبلون على كتبها، ويسارعون
[ ٦٦ ]
الى نسخها لا لشيء الا لنسبتها الى المتقدمين، ولما يداخل أهل هذا العصر من حسد من هو في عصرهم ومنافسته على المناقب التي يخص بها، ويعنى بتشييدها وهذه طائفة لا يعبأ بها كبار الناس، وانما العمل على ذوى النظر والتأمل الذين أعطوا كل شيء حقه من العدل، ووفوه قسطه من الحق، فلم يرفعوا المتقدم إذ كان ناقصا، ولم ينقصوا المتأخر إذ كان زائدا، فلمثل هؤلاء تصنف الكتب وتدون العلوم وسنذكر الآن الأمم السبع السالفة في سابق الدهر، ولغاتهم ومواضع مساكنهم وغير ذلك