وبويع عبد الملك بن مروان ويكنى أبا الوليد وأمه عائشة ابنة معاوية بن المغيرة ابن أبى العاص بن أمية في رجب سنة ٦٥ والحجاز والعراق وفارس وخراسان وما يلي ذلك من البلاد بيد ابن الزبير، وغلب المختار بن أبى عبيد بن مسعود الثقفي على الكوفة، وأظهر الدعاء الى ابن الحنفية، وتجرد لقتلة الحسين فأباد، منهم خلقا كثيرا.
وسار عبيد الله بن زياد الى الموصل، وسير المختار إبراهيم بن الأشتر مالك ابن الحارث النخعي للقائه في اثنى عشر الفا، فالنقوا بالزاب من ارض الموصل، فاقتتلوا قتالا شديدا.
فقتل عبيد الله بن زياد، والحصين بن نمير السكونيّ، وشرحبيل بن ذي الكلاع الحميري في خلق عظيم من أهل الشأم، وذلك يوم عاشوراء سنة ٦٧ وفي قتل عبيد الله يقول ابن مفرغ الحميري:
إن الّذي عاش ختارا بذمته ومات عبدا قتيل الله بالزاب
ولم يزل المختار مقيما بالكوفة الى أن سار اليه مصعب بن الزبير في أهل البصرة ومعه المهلب بن أبى صفرة الأزدي، ثم العتيكى وغيره من الرؤساء، فهزمه وحصره في قصر الامارة بالكوفة، الى ان خرج مستميتا في نفر من أصحابه، فجالد حتى قتل. وذلك للنصف من شهر رمضان من هذه السنة، وهي سنة ٦٧، ونزل من بقي من أصحاب المختار وهم نحو من ستة آلاف على حكم مصعب فقتلهم جميعا، وكانوا يسمون الخشبية قال المسعودي: وسار عبد الملك الى العراق، فالتقى مع مصعب بن الزبير
[ ٢٧٠ ]
بمسكن من ارض العراق، فقتل مصعب في جمادى الاولى سنة ٧٢. وفي ذلك يقول عبيد الله بن قيس الرقيات، وكان من شيعة آل الزبير:
إن الرزية يوم مس كن والمصيبة والفجيعة
بابن الحواري الّذي لم يعده يوم الوقيعة
غدرت به مضر العراق وأمكنت منه ربيعة
ووجه بالحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبى عقيل بن مسعود بن عامر بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف، واسم ثقيف قسى ابن منبه بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر في عساكره الى عبيد الله بن الزبير بن العوام، فحصره بمكة ثم بالمسجد الحرام، وقتل به يوم الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من جمادى الاولى سنة ٧٣ وله ثلاث وسبعون سنة، وأمر به الحجاج فصلب، وأمه أسماء ابنة أبى بكر ذات النطاقين أخت عائشة لأمها، وأبيها وهي يومئذ باقية قد بلغت من السن مائة سنة لم يقع لها سن ولا ابيض لها شعر ولا أنكر لها عقل، غير أنها ذاهبة البصر، وكانت مدة أيامه وفتنته مذ مات معاوية بن أبى سفيان إلى أن قتل ثمان سنين وتسعة أشهر.
ومما كان في أيام عبد الملك بن مروان من الحوادث العظيمة والأنباء الجليلة في الملك خلع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس بن معديكرب الكندي في سنة ٨١، وكان الحجاج وجهه في جيش كثيف حسن العدة، وكان يسمى جيش الطواويس الى سجستان لغزو رتبيل ملك زابلستان، ففتح كثيرا من بلادهم، وكتب اليه الحجاج يستعجزه ويغلظ له، فدعا من معه من رؤساء أهل العراق إلى خلع الحجاج، فأجابوه الى ذلك، لبغضهم الحجاج، وخوفهم سطوته، فخلعوه.
[ ٢٧١ ]
وسار عبد الرحمن راجعا لإخراج الحجاج من العراق، ومسألة عبد الملك إبدالهم به، فلما عظمت جموعه ولحق به كثير من أهل العراق ورؤسائهم وقرائهم ونساكهم عند قربه منها خلع عبد الملك، وذلك بإصطخر فارس وخلعه الناس جميعا وسمى نفسه «ناصر المؤمنين» وذكر له أنه القحطانى الّذي ينتظره اليمانية وأنه يعيد الملك فيها، فقيل له إن القحطانى على ثلاثة أحرف، فقال اسمى عبد وأما الرحمن فليس من اسمى، وسار الحجاج للقائه حتى لقيه دون تستر من كور الأهواز بسبعة فراسخ، فهزم أصحاب الحجاج، وقتل منهم نحو من ثمانية آلاف. وسار الحجاج الى البصرة، فنزل الراوية وسار ابن الأشعث حتى نزل الخريبة، وذلك في سنة ٨٣. فأقاموا يقتتلون نحوا من شهرين، ثم خرج ابن الأشعث الى الكوفة ليلا لينغلب عليها في نفر يسير وأصبح أصحابه، فبايعوا عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، فلقيهم الحجاج فهزمهم، ولحقوا بابن الأشعث، فخرج ابن الأشعث من الكوفة حتى نزل دير الجماجم، وسار الحجاج حتى نزل دير قرة، وكان كتب الى عبد الملك يستمده فأمده بابنه عبد الله بن عبد الملك وأخيه محمد بن مروان، فاقتتلوا بدير الجماجم نحوا من اربعة أشهر، فكانت الوقائع بينهم فيما قيل نحوا من ثمانين وقعة، وابن الأشعث في نحو من ثمانين الفا، وقيل أكثر من ذلك. والحجاج في دون جمعه ولم يكن بعد وقائع صفين أعظم من هذه الحروب ولا أهول من هذه الزحوف، ثم انهزم ابن الأشعث وأهل العراق، وقتل منهم جمع كثير، وسار ابن الأشعث إلى البصرة، وتبعه الحجاج فخرج عنها، فكان التقاؤهم بمسكن من أرض العراق، فهزم أهل العراق وقتلوا قتلا ذريعا، ومضى ابن الأشعث فيمن تبعه حتى صار إلى سجستان، وكاتب رتبيل وصار اليه فوجه الحجاج بجيش كثيف الى سجستان. وكتب الى رتبيل بتسليم ابن الأشعث فيمن تبعه، ورغبه
[ ٢٧٢ ]
إن فعل ذلك في مال جزيل ورفع الاتاوة عنه ويخوفه إن أبى ذلك بقصده وتسرية الجيوش اليه، فغدر به رتبيل وسلمه إلى صاحب الحجاج فسار به يريده فألقى ابن الأشعث نفسه من فوق قصر من قصور الرخّج فمات، فأخذ رأسه وصير به إلى الحجاج، وذلك في سنة ٨٤. فوجه به الحجاج إلى عبد الملك فوجه به عبد الملك إلى أخيه عبد العزيز بمصر وفي ذلك يقول الشاعر:
يا بعد مصرع جثة من رأسها رأس بمصر وجثة بالرخّج
قتلوه بغيا ثم قالوا بايعوا وجرى البريد برأس أروع أبلج
وتوفى عبد الملك بدمشق لعشر خلون من شوال سنة ٨٦، ودفن بها وله اثنتان وستون سنة، وقيل أكثر من ذلك، فكانت أيامه إحدى وعشرين سنة وشهرين وعشرة أيام، وكان أسمر مربوعا، طويل اللحية، يباشر الأمور بنفسه، متيقظا في سلطانه، حازما في رأيه، لا يكل الأمور في أعدائه وأهل عربه الى غيره حتى يباشرها بنفسه، يركب الخطأ في كثير من أموره فتغره السلامة وكتب له قبيصة بن ذؤيب الخزاعي، وابو الزعيزعة، وعمرو بن الحارث مولى بنى عامر بن لؤيّ، وسرجون بن منصور الرومي وكان نقش خاتمه «آمنت به مخلصا» وعلى قضائه أبو إدريس الخولانيّ، وعبد الله بن قيس بن عبد مناف وحاجبه يوسف مولاه، وقد حجبه أبو الزعيزعة وفي أيامه كانت وفاة عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بالطائف ذاهب البصر سنة ٦٨، وله إحدى وسبعون سنة، وكان مولده قبل الهجرة بثلاث سنين، وصلّى عليه محمد بن الحنفية أبو القاسم محمد بن على بن أبى طالب، وتوفى محمد بن الحنفية بالمدينة في المحرم سنة ٨١ وله خمس وستون سنة، وصلّى عليه أبان بن عثمان، وهو يومئذ والى المدينة لعبد الملك، وللكيسانية من الشيعة فيه خطوب كثيرة طويلة ودعاوى كثيرة.
[ ٢٧٣ ]