وبويع مروان بن الحكم بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، ويكنى أبا عبد الملك وأبا الحكم وأمه آمنة ابنة علقمة بن صفوان بن أمية في رجب سنة ٦٤ بعد تنازع طويل كان بين شيعة بنى أمية، ومن يهوى هواهم في عقد الأمر له، أو لخالد بن يزيد بن معاوية، وذلك أن الأمر اضطرب بعد معاوية بن يزيد بن معاوية.
وبايع الضحاك بن قيس الفهري وهو أمير دمشق يومئذ عبد الله بن الزبير وكذلك النعمان بن بشير الأنصاري بمصر، وزفر بن الحارث الكلابي بقنسرين وناتل بن قيس الجذامي بفلسطين، ودعي له على سائر منابر الحجاز ومصر والشأم والجزيرة والعراق وخراسان وسائر أمصار الإسلام إلا طبرية من بلاد الأردن، فان حسان بن مالك بن بحدل الكلبي من بنى حارثة بن جناب، وكان بها، امتنع من الدعاء لابن الزبير والدخول في طاعته وأراد عقد الأمر لخالد ابن يزيد، وكان ابن أختهم، واجتمع بنو أمية وشيعتهم، ومن يميل إليهم من رؤساء الشأم، فتشاوروا في عقد الأمر لخالد بن يزيد، وأبى آخرون إلا أن يعقدوا لمروان، إذ كان خالد صبيا لا يقاوم ابن الزبير ومروان شيخ مجرب بقية بنى أمية في وقته، وكان تشاورهم بالجابية بين دمشق، وطبرية فأجمعوا على عقد الأمر له فبويع له بالخلافة، وجعل الأمر بعده لخالد بن يزيد بن معاوية، ولعمرو بن سعيد الأشدق بعده.
وخرج الضحاك عن مدينة دمشق فيمن معه من الزبيرية، واستمد من بالشأم على طاعة ابن الزبير فأمدوه بالجيوش والمال والسلاح، فصار في ثلاثين ألفا من قيس بن عيلان، وغيرهم من مضر وأكثرهم فرسان، وكان مروان
[ ٢٦٦ ]
في ثلاثة عشرة ألفا من اليمن من كلب وسواهم، وأكثرها رجالة، وفي ذلك اليوم يقول مروان:
لما رأيت الناس مالوا جنبا والملك لا يؤخذ إلا غصبا
أعددت غسان لهم وكلبا والسكسكيين رجالا غلبا
وطيِّئا يأبون إلا ضربا والقين تمشى في الحديد نكبا
ومن تنوخ مشمخرا صعبا بالأعوجيات يثبن وثبا
وإن دنت قيس فقل لا قربا
فالتقوا بمرج راهط، فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل الضحاك في جمع كثير من القيسية، وانهزم الباقون، وقيل إنهم أقاموا بالمرج عشرين يوما يقتتلون في كل يوم، والحرب بينهم سجال. وان مروان كادهم، ودعاهم إلى الموادعة والصلح، فلما اطمأنوا الى ذلك شد عليهم وهم غارون على غير عدة ولا أهبة، فكان ذلك سبب هزيمتهم، فكانت هذه الوقعة سبب رد ملك بنى أمية، وقد كان زال عنهم الى بنى أسد بن عبد العزى. ولذلك رأى قوم أن مروان أول من أخذ الخلافة بالسيف، وهذه الوقعة من الوقائع المشهورة والأيام المذكورة، واليمانية تفتخر بها على النزارية، وقد أكثرت شعراؤها الافتخار بذلك، قال عمرو بن مخلاة الحمار الكلبي:
شفى النفس قتلى لم توسد خدودها تلم بها طلس الذئاب وسودها
بأيدي كماة في الحروب مساعر على ضامرات ما تجف لبودها
أبحنا حمى الحيين قيس براهط وولت شذاذا واستبيح شريدها
وقال أيضا:
رددنا لمروان الخلافة بعد ما جرى للزبيريين كل بريد
فالا يكن منا الخليفة نفسه فما نالها إلا ونحن شهور
[ ٢٦٧ ]
وقال زفر بن الحارث الكلابي يعتذر من فراره ذلك اليوم:
لعمري لقد أبقت وقيعة راهط لمروان صدعا بينا متنائيا
أتذهب كلب لم تنلها رماحنا وتترك قتلى راهط هي ما هيا
فقد ينبت المرعى على دمن الثرى وتبقى حزارات النفوس كما هيا
أرينى سلاحي لا أبا لك إنني أرى الحرب لا تزداد إلا تماديا
فلم تر منى نبوة قبل هذه فراري وتركي صاحبي ورائيا
ونجاك شدات الأغر كأنما يرى الأكم من أجبال سلمى صحاريا
فلما أمنت القوم وامتدت الضحى بسنجار أذريت الدموع الذواريا
فرد عليه جواس بن القعطل الكلبي فقال:
لعمري لقد أبقت وقيعة راهط على زفر داء من الداء باقيا
مقيما ثوى بين الضلوع محله وبين الحشا أعيا الطبيب المداويا
دعا بسلاح ثم أحجم إذ رأى سيوف جناب والطوال المذاكيا
عليها كأسد الغاب فتيان نجدة إذا ما انتضوا عند النزال العواليا
وفي ذلك يقول الفرزدق:
وقد جعلت للحين في المرج والقنا لمروان أيام عظام الملاحم
رأيت بنى مروان جلت سيوفهم عشى كان في الابصار تحت العمائم
ولو رام قيس غيرهم يوم راهط للاقى المنايا بالسيوف الصوارم
ولكن قيسا روغمت يوم راهط بطود أبى العاص الشديد الدعائم
وقال كثير بن عبد الرحمن الخزاعي مخاطبا لعبد الملك:
أبوك حمى أمية حين زالت دعائمها وأصحر للضراب
وكان الملك قد وهيت قواه فرد الملك منها في النصاب
وقال عبد الرحمن بن الحكم أخو مروان بن الحكم:
[ ٢٦٨ ]
أرى أحاديث أهل المرج قد بلغت أقصى الفرات وأهل الفيض والنيل
أموالهم حرة في الأرض تلقطها فرسان كلب على الجرد الهذاليل
ثم سار مروان بعقب ذلك الى مصر، وهم في طاعة ابن الزبير، وكانت له معهم حروب عظيمة قتل فيها خلق كثير من الفريقين الى أن استوسقوا على طاعته، وأخرجوا عبد الرحمن بن جحدم الفهري عامل ابن الزبير عنهم.
واستخلف مروان عليها ابنه عبد العزيز وذلك في سنة ٦٥ وعاد إلى دمشق، وسرح عبيد الله بن زياد في جيوش كثيفة للغلبة على الجزيرة والعراق، وولاه كل بلد يغلب عليه، فسار في نحو من ثمانين ألفا، فلما صار ببلاد الجزيرة بلغه مسير سليمان بن صرد الخزاعي والمسيب بن نجبة وغيرهما في نحو من أربعة آلاف يطلبون بدم الحسين بن على بن أبى طالب ﵇، وكانوا يسمون جيش التوابين حتى صاروا الى عين الوردة، وهي رأس العين فسرح اليهم عبيد الله ابن الحصين بن نمير وغيرهم من رؤساء الشأم، فالتقوا بها فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل سليمان بن صرد والمسيب بن نجبة وأكثر ذلك الجيش، وتحمل من بقي في أول الليل راجعين الى الكوفة. وذلك في هذه السنة وهي سنة ٦٥ وكانت وفاة مروان بن الحكم بدمشق لثلاث خلون من شهر رمضان من هذه السنة ودفن بها، وله إحدى وستون سنة.
وكانت ولايته تسعة أشهر وأياما، وكان طوالا أصهب أزرق بعيد الغور يركب الأمور بغير رهبة ويمضى التدبير على غير روية وكتب له ابو الزعيزعة مولاه، وابن سرجون النصراني، وسليمان بن سعيد الخشنيّ، وعبيد بن أوس الغساني وكان نقش خاتمه «العزة للَّه» وقيل «آمنت باللَّه» وقيل «آمنت باللَّه العزيز الحكيم» وقيل «آمنت بالعزيز الحكيم» وقاضيه ابو إدريس الخولانيّ
[ ٢٦٩ ]
وحاجبه أبو سهيل الأسود مولاه، وقيل ابو المنهال مولاه.