وبويع مروان بن محمد بن مروان بن الحكم، ويكنى أبا عبد الله وأبا عبد الملك وأمه أم ولد، يقال لها زبادة، كانت لإبراهيم بن الأشتر النخعي، فصارت إلى محمد ابن مروان يوم قتل إبراهيم، وإبراهيم على مقدمة مصعب بن الزبير، ومحمد على مقدمة أخيه عبد الملك بن مروان، وقيل انها كانت حاملا من إبراهيم، فجاءت بمروان على فراش محمد بن مروان، وكانت بنو أمية تكره أن تولى الخلافة أبناء أمهات الأولاد لأنها كانت ترى أن ذهاب ملكها على يدي ابن امة فكان ذلك مروان بن محمد، وكانت البيعة له يوم الاثنين لأربع عشرة ليلة خلت من صفر سنة ١٢٧، ونزل حران بن ارض الجزيرة.
وكان جميع من مالك من قبله من بنى أمية ينزلون دمشق، ومنهم من كان يتبدى، وكانت أيامه كلها فتنا وحروبا، ولم تصف له الأمور، وخالفه أهل حمص وخلعوا طاعته، فحصرهم وحاربهم دفعة بعد اخرى، وخلعه أهل مصر إلى أن
[ ٢٨١ ]
سير اليهم الجنود، فعادوا الى طاعته، وخالفه بنو هشام بن عبد الملك سليمان وأبان وغيرهما مع من انضاف اليهم من بنى أمية وحاربوه مرة بعد اخرى، وخالفه ثابت بن نعيم الجذامي، وأجابه كثير من أجناد الشأم كفلسطين وغيرها.
وغلب الضحاك بن قيس الشيباني من بنى المحلم بن ذهل بن شيبان الخارجي الصفرى على العراق، ولم يغلب أحدا من الخوارج قبله ولا بعده عليهما، وسار للقاء مروان في جيوش عظيمة ومعه سليمان بن هشام بن عبد الملك في جمع مواليه ورجاله مؤتما بالضحاك تابعا له، وفي ذلك يقول بعض شعراء الخوارج مفتخرا:
ألم تر أن الله أنزل نصره وصلت قريش خلف بكر بن وائل
فالتقيا بكفرتوثا من بلاد الجزيرة، وأقاموا يقتتلون أياما كثيرة أشد قتال الى أن قتل الضحاك وخليفته الخيبري، وتفرق بقية الخوارج، وذلك في سنة ١٢٩ وسارت الخوارج الاباضية من اليمن من قبل عبد الله بن يحيى الكندي الملقب طالب الحق، عليهم ابو حمزة المختار بن عوف الأزدي، وبلج بن عقبة، فنزلوا مكة يوم عرفة من هذه السنة، ووادعهم عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك بن مروان عامل مكة الى انقضاء الحج ثم هرب وخلاها وسار الى المدينة، ودخلت الخوارج مكة فجهز عبد الواحد للقائهم جيشا، أمر عليهم عبد العزيز بن عبد الله ابن عمرو بن عثمان، وخرجت الخوارج من مكة، فالتقوا بقديد في صفر سنة ١٣٠ فقتل عبد العزيز في جمع كثير منهم، من أهل المدينة سبعمائة أكثرهم من قريش، ولم ينج الا الشريد، فقالت نائحتهم:
ما للزمان وما ليه أفنت قديد رجاليه
فلأبكين سريرة ولأبكين علانية
ودخلت الخوارج المدينة، فغلبوا عليها ثلاثة أشهر، فوجه مروان للقائهم
[ ٢٨٢ ]
عبد الملك بن محمد بن عطية السعدي، سعد بن بكر بن هوازن في اربعة آلاف فالتقوا بوادي القرى، فقتل بلج وأكثر الخوارج، ونجا ابو حمزة، فصار الى مكة، ولحقه عبد الملك فقتله بها وجمعا من أصحابه، ولحق بقيتهم بعبد الله بن يحيى، وسار عبد الملك الى اليمن، فلقيه عبد الله بن يحيى بنواحي صنعاء فاقتتلا قتالا شديدا، فقتل عبد الله وأكثر من كان معه، وذلك في هذه السنة.
واشتد امر أبى مسلّم بخراسان، وأخرج نصر بن سيار عامل مروان عنها، وسير قحطبة بن شبيب الطائي في جيوش كثيفة، فقتل نباتة بن حنظلة الكلابي عامل مروان على جرجان في نحو من ثلاثين ألفا، وعامر بن ضبارة المري بأصبهان في نحو من أربعين الفا، وسار في جيوشه نحو العراق، وسار يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري عامل مروان للقائه، فالتقيا بالفرات مما يلي الكوفة، فهزم ابن هبيرة وغرق قحطبة وسارت المسودة الى الكوفة فبايعوا لأبي العباس السفاح.
وسار عبد الله بن على بن عبد الله بن عباس عم السفاح في جمع غفير عظيم للقاء مروان.
وسار مروان في جيوش عظيمة وجموع مهولة وعدد كثيرة، فالتقيا بالزاب من أرض الموصل يوم السبت لإحدى عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة سنة ١٣٢، فهزم مروان واستولى على عسكره، وقتل من أصحابه جمع عظيم، فسار حتى أتى الشأم والجيوش تتبعه، فصار إلى مصر فقتل ببوصير الأشمونين من صعيدها ليلة الأحد لثلاث بقين من ذي الحجة من هذه السنة وله سبعون سنة، وقيل أقل من ذلك.
وكانت أيامه إلى أن قتل خمس سنين وعشرة أشهر وأحد عشر يوما.
وكان شديد الشهلة، أبيض مشربا حمرة، ضخم الهامة، والمنكبين، كبير اللحية، وكان مجربا صابرا على التعب والنصب، يغرى بين القبائل، ويغضب
[ ٢٨٣ ]
بين العشائر، ويلقى أموره وهي مدبرة، ويريد أن يجعلها مقبلة. واصطفى قيس عيلان وانحرف عن اليمن، وبادأها العداوة فصارت عليه إلبا، وله حربا وكان كاتبه عبد الحميد بن يحيى بن سعد بن عبد الله بن جابر بن مالك بن حجر بن معيص بن عامر بن لؤيّ بن غالب.
وكان مفوها بليغا له رسائل مجموعة متناقلة يقتدى بها ويعمل عليها، ورأيت له عقبا بفسطاط مصر، يعرفون ببني مهاجر، وقد كان منهم عدة يكتبون لآل طولون.
ونقش خاتمه «فوضت أمرى إلى الله»، وعلى قضائه عثمان بن عمرو البتي، وحاجبه صقلاب مولاه.
قال المسعودي أبو الحسن على بن الحسين بن على: وكانت مدة ملك بنى أمية على ما قدمنا من التاريخ منذ صالح الحسن بن على معاوية، وسلّم له الأمر إلى أن قتل مروان بن محمد آخر ملوكهم احدى وتسعين سنة وسبعة أشهر وسبعة وعشرين يوما، وتنازع أصحاب السير والتواريخ ومن عنى بأخبار ملوك العالم في زيادة شهور وأيام في مدتهم ونقصانها عما ذكرنا والأشهر من ذلك ما قدمنا وكذلك باين هؤلاء أصحاب كتب الزيجة في النجوم فيما ذكروه في كتب زيجاتهم ورسموه من مقادير أيامهم، وقد أتينا على ما قاله كل فريق منهم في مقادير أيامهم وأيام من كان من بعدهم الى وقتنا هذا وهو سنة ٣٤٥ في كتاب (مروج الذهب ومعادن الجوهر، في تحف الاشراف من الملوك وأهل الدرايات) وفي كتاب (فنون المعارف، وما جرى في الدهور السوالف) وفي كتاب (الاستذكار، لما جرى في سالف الأعصار) الّذي كتابنا هذا تال له ومبنى عليه وانما الغرض من هذا الكتاب إيراد لمع من ذلك دون الشرح والإيضاح ليسهل درسه على قارئه ويقرب حفظه على راويه
[ ٢٨٤ ]