وبويع أبو العباس السفاح عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن العباس ابن عبد المطلب، وأمه ريطة ابنة عبيد الله بن عبد الله بن عبد المدان بن الديان ابن قطن بن زياد بن الحارث بن مالك بن ربيعة بن كعب بن الحارث بن كعب ابن عمرو بن علة بن جلد بن مالك بن أدد بن زيد بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وقد كان لقب أولا بالمهديّ ليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر سنة ١٣٢ بالكوفة.
وكان مبدأ الدعوة العباسية بالكوفة وخراسان وغيرها من الأمصار في سنة ١٠٠ للهجرة، وذلك أن أبا هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية، كان قدم على سليمان بن عبد الملك سنة ٩٨ فأعجب به، وقضى حوائجه وصرفه وضم اليه من سمه في الطريق، فلما أحس بذلك غدا الى محمد بن على بن عبد الله بن العباس ابن عبد المطلب، وهو يومئذ بالحمية، وقيل بكرار من جبال الشراة والبلقاء من اعمال دمشق، فأفضى اليه بسرائر الدعوة، وعرف بينه وبين الدعاة، وأعلمه
[ ٢٩٢ ]
أن الخلافة صائرة الى ولده، وأن الأمر الى ابن الحارثية منهم، وأمر ببث الدعوة عند تمام المائة سنة للهجرة.
فلما حضرت محمدا الوفاة أوصى إلى ابنه إبراهيم، فكانت الدعوة اليه، وسمي الامام، واليه دعا أبو مسلّم بخراسان، فلما وقف مروان بن محمد الجعديّ على ذلك كتب إلى عامله بدمشق، وهو الوليد بن معاوية بن مروان بن الحكم يأمره بتوجيه بعض ثقاته إلى الحميمة أو كرار فيأتيه بإبراهيم الامام، فحمله إلى مروان فحبسه في المحرم من هذه السنة وهي سنة ١٣٢، فقتل في محبسه بعد شهرين، وعهد بالأمر بعده الى أخيه أبى العباس عبد الله بن محمد وهو ابن الحارثية.
وتوفى أبو العباس بالأنبار في مدينته التي بناها وسماها الهاشمية يوم الأحد لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة ١٣٦ وله ثلاث وثلاثون سنة، وكانت خلافته أربع سنين وثمانية أشهر ويوما وكان طويلا أبيض أقنى، حسن الوجه، جعد الشعر، له وفرة، سديد الرأى، ماضى العزيمة، كريم الأخلاق، متألفا للرجال، سمحا بالأموال، يهون عليه أن يأمر بسفك دماء عالم من أعدائه من غير أن يعاين ذلك قال المسعودي: وكان أول من وقع عليه اسم الوزارة في دولة بنى العباس أبو سلمة حفص بن سليمان الخلال، مولى السبيع من همدان وزر لأبى العباس السفاح، وكان يقال له وزير آل محمد، وفيه يقول بعض الشعراء
ان المساءة قد تسر وربما كان السرور بما كرهت جديرا
ان الوزير وزير آل محمد أودى فمن يشناك كان وزيرا
وقد أتينا على أخباره وسبب قتله في كتاب (مروج الذهب، ومعادن الجوهر) وهو أول وزير وزر لبني العباس وأبوه حي
[ ٢٩٣ ]
وكانت ملوك بنى أمية تنكر أن تخاطب كاتبا لها بالوزارة وتقول الوزير مشتق من الوزارة، والخليفة أجل من أن يحتاج الى الموازرة، وكانت العرب تسمى وزير الملك من ملوك اليمن والشأم والحيرة الراهن والزعيم والكافي والكامل تريد بذلك أنه مرتهن بالتدبير زعيم بصواب الرأى كاف للملك مهمات الأمور كامل الفضائل، وكانت العجم تسمى وزير الملك من ملوكها حامل الثقل ووساد العضد ورئيس الكفاة ومدبر الأمور العظام إذ بهم نظام الأمور وجمال الملك وبهاء السلطان وهم الألسن الناطقة عن الملوك وخزان أموالهم وأمناؤهم على رعيتهم وبلادهم، وأعظم الناس غناء عن الملوك والرعية وأولاهم بالحياء والكرامة وكذلك كان اليونانيون والروم يسمون وزير الملك الّذي يدور عليه أمره ويرجع الى رأيه وتدبيره فلما جاء الله بالإسلام ونزل القرآن فيما قص الله من خبر نبيه موسى ﵇ في قوله (واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخى اشدد به أزرى وأشركه في أمرى) استخارت بنو العباس تسمية الكاتب وزيرا فلم يكن الخلفاء والملوك تستوزر إلا الكامل من كتابها، والأمين العفيف من خاصتها، والناصح الصدوق من رجالها، ومن تأمنه على أسرارها وأموالها، وتثق بحزمه وفضل رأيه، وصحة تدبيره في أمورها واستوزر أبو العباس بعد أبى سلمة يا العباس خالد بن برمك وكان نقش خاتمه «الله ثقة عبد الله وبه يؤمن» وقاضيه ابن أبى ليلى الأنصاري ثم الأوسي ويحيى بن سعيد الأنصاري، وحاجبه أبو غسان صالح بن الهيثم مولاه
[ ٢٩٤ ]