وبويع يزيد بن عبد الملك بن مروان، ويكنى أبا خالد، وأمه عاتكة ابنة يزيد بن معاوية في اليوم الّذي توفى فيه عمر، وتوفى بأرض البلقاء من أعمال دمشق يوم الجمعة لخمس ليال بقين من شعبان سنة ١٠٥، وهو ابن تسع وثلاثين سنة، فكانت أيامه أربع سنين وشهرا.
وكان طويلا جسيما أبيض مدور الوجه لم يشب، فتى الشباب شديد الفخر ظاهر الكبر، يحب اللهو، ويستعمل الحجاب، لا يعرف صوابا فيأتيه، ولا خطأ فيدعه وكتب له أسامة بن زيد السليحي وزيد بن عبد الله وكان نقش خاتمه «قنى الحساب» وحاجبه سعيد مولاه، وقيل خالد.
وكان في أيامه من الكوائن العظيمة في الملك خلع يزيد بن المهلب بن أبى صفرة إياه، واسم أبى صفرة ظالم بن سراق بن صبح بن كندى بن عمرو بن عدي بن وائل بن الحارث بن العتيك بن الأسد بن عمران بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف بن ثعلبة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن ابن الأزد، واسمه دراء بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبإ.
وكان يزيد في سجن عمر بن عبد العزيز يطالبه بالأموال التي كان يزيد كتب بها الى سليمان بن عبد الملك، أنها صارت إليه عند فتحه جرجان وطبرستان، فلما مات عمر وذلك في رجب سنة ١٠١، هرب يزيد من السجن وصار الى البصرة، وعليها عدي بن أرطاة الفزاري، وكان قد سجن عدة إخوة ليزيد حين بلغه مسيره اليه فسامه يزيد تخليتهم فأبى، واجتمع الى يزيد جمع عظيم وبذل الأموال فكثر تبعه، وسار الى عدي فقبض عليه وسجنه وغلب على البصرة والأهواز وفارس وكرمان، وخلع يزيد بن عبد الملك، فندب يزيد للقائه أخاه مسلمة بن
[ ٢٧٧ ]
عبد الملك، وابن أخيه العباس بن الوليد بن عبد الملك في جيوش كثيفة، وخرج يزيد بن المهلب عن البصرة في جموع كثيفة عظيمة، فالتقوا بالعقر من أرض بابل فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل يزيد وعدة من إخوته في جمع من أهل العراق وانهزم الباقون، وذلك في سنة ١٠٢، وقيل إن الّذي تولى قتل يزيد القحل بن عياش بن حسان بن سمير بن شراحيل بن عرين بن أبى جابر بن زهير بن جناب، وفي ذلك يقول المسيب بن الرفل الكلبي مفتخرا:
قتلنا يزيد بن المهلب بعد ما تمنيتم أن يغلب الحق باطله
فما كان من أهل العراق منافق عن الدين إلا من قضاعة قاتله
وقال رفيع بن أزير الأسدي في مقتله مخاطبا يزيد بن عبد الله بن مروان:
إليك أمير المؤمنين مسيرنا على المقربات والمحذفة البتر
نزيد أمير المؤمنين بأرضه رءوسا جناها بين بابل والعقر
ولاقى يزيد بن المهلب باكرا من الموت ساقته الحتوف وما يدرى
وركب من بقي من آل المهلب وأتباعهم السفن حتى صاروا إلى قندابيل من أرض السند فوجه مسلمة هلال بن أحوز المازني لاتباعهم، فلحقهم بها، فقتل منهم جمعا وأسر الباقين، فكان المهلب عند وفاته استخلف يزيد بن المهلب على عمله وأمر سائر إخوته بالسمع والطاعة له.
وكانت وفاة المهلب بمروالروز من أرض خراسان في ذي الحجة سنة ٨٣ وهو على إمرتها يومئذ، وفيه يقول نهار بن توسعة التميمي:
ألا ذهب العز المقرب للتقى ومات الندى والجود بعد المهلب
أقاما بمروالروز رهني ضريحه فقد غيبا عن كل شرق ومغرب
[ ٢٧٨ ]