وبويع يزيد بن معاوية، ويكنى أبا خالد- وامه ميسون ابنة بحدل الكلبية من بنى حارثة بن جناب بن هبل بن عبد الله بن كنانة بن بكر بن عوف ابن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب في رجب سنة ٦٠ وامتنع من بيعته الحسين بن على بن أبى طالب ﵁، وعبد الله بن الزبير حين أخذهما عامل المدينة بذلك، وخرجا الى مكة فأقام ابن الزبير بها، وشخص الحسين يريد العراق، حين تواترت عليه كتبهم، وترادفت رسلهم ببيعته، والسمع والطاعة له، فلما قرب من الكوفة وقد قدم اليها ابن عمه مسلّم ابن عقيل خذله أهل العراق، ولم يفوا له بما كاتبوه به، ووافقوه عليه وانفضوا عن مسلّم وأسلموه الى عبيد الله بن زياد فقتله. وسير الجيوش الى الحسين مع عمر بن سعد بن ابى وقاص، فقتل يوم الجمعة لعشر ليال خلون من المحرم سنة ٦١، وقيل ان قتله كان يوم الاثنين والأول أشهر وعليه الأكثر.
[ ٢٦٢ ]
ودفن بكربلاء من ارض العراق وله سبع وخمسون سنة، وقتل معه من ولد أبيه ستة وهم العباس وجعفر وعثمان ومحمد الأصغر وعبد الله وأبو بكر ومن ولده ثلاثة على الأكبر وعبد الله صبي وأبو بكر بنو الحسين بن على، ومن ولد الحسن بن على عبد الله والقاسم، ومن ولد عبد الله بن جعفر بن أبى طالب عون ومحمد ومن ولد عقيل بن طالب خمسة مسلّم وجعفر وعبد الرحمن وعبد الله بنو عقيل ومحمد بن ابى سعيد بن عقيل.
وامتنع ابن الزبير من بيعة يزيد، وكان يسميه السكير الخمير. وأخرج عامله عن مكة وكتب الى أهل المدينة ينتقصه، ويذكر فسوقه، ويدعوهم الى معاضدته على حربه، وإخراج عامله عنهم. واخرج أهل المدينة عامله ومروان بن الحكم وولده وغيرهم من بنى أمية، وسيروهم الى الشام فبعث اليهم يزيد مسلّم ابن عقبة المري في اربعة آلاف، ومعه زفر بن الحارث الكلابي. وحبيش بن دلجة القيني، والحصين بن نمير الكندي، وعبد الله بن مسعدة الفزاري، وغيرهم من رؤساء الأجناد. وخرج يزيد مشيعا لهم وموصيا. فقال لمسلّم بن عقبة فيما وصاه به: ان حدث بك حدث فالأمر الى الحصين بن نمير، وإذا قدمت إلى المدينة فمن عاقك عن دخولها أو نصب لك حربا فالسيف السيف ولا تبقى عليهم وانتهبها عليهم ثلاثا واجهز على جراحهم. واقتل مدبرهم. وان لم يعرضوا لك، فامض الى مكة فقاتل ابن الزبير. فأرجو ان يظفرك الله به وانشأ يزيد يقول والرايات تمر، وقد علا على نشر من الأرض، وأحاطت به الخيول:
أبلغ أبا بكر إذ الأمر انبرى وانحطت الرايات من وادي القرى
أجمع سكران من القوم ترى أم جمع يقظان نفى عنه الكرى
وكان ابن الزبير يكنى أبا بكر وأبا خبيب، وسار مسلّم الى المدينة وقد احتفر أهلها خندق رسول الله ﷺ الّذي كان حفره يوم الأحزاب
[ ٢٦٣ ]
وشكوا المدينة بالحيطان، وقال شاعرهم مخاطبا ليزيد
إن بالخندق المكلل بالمجد لضربا يبدي عن النشوات
لست منا وليس خالك منا يا مضيع الصلوات للشهوات
فإذا ما قتلتنا فتنصر واشرب الخمر واترك الجمعات
فالتقوا بالحرة لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ٦٣ وكان على قريش وحلفائهم ومواليهم عبد الله بن مطيع العدوي ابن عم عمر بن الخطاب، وعلى الأنصار وسائر الناس عبد الله بن حنظلة الغسيل بن أبى عامر الأنصاري ثم الأوسي، فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل عبد الله بن حنظلة في عدة من المهاجرين والأنصار وأبنائهم ومواليهم وحلفائهم وغيرهم من ذلك من قريش والأنصار نحو من سبعمائة رجل ومن سائر الناس من الرجال والنساء والصبيان نحو من عشرة آلاف فيما ذكر محمد بن عمر الواقدي صاحب المغازي والسير، وقيل دون ذلك وأكثر ودخل مسلّم المدينة فأنتهبها ثلاثة أيام وبايع من بقي من أهلها على أنهم قن ليزيد والقن العبد الّذي ملك أبواه، وعبد مملكة الّذي ملك في نفسه وليس أبواه مملوكين غير على بن الحسين بن على بن أبى طالب، لأنه لم يدخل فيما دخل فيه أهل المدينة وعلى بن عبد الله بن العباس، فان من كان في الجيش من أخواله من كندة منعوه.
فكان ذلك من أعظم الاحداث في الإسلام وأجلها وأفظعها رزء بعد قتل الحسين بن على بن أبى طالب.
وهلك يزيد بحوارين من أرض دمشق مما يلي قارا والقطيفة طريق حمص في البر لسبع عشرة ليلة خلت من صفر سنة ٦٤ وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة.
وكانت أيامه ثلاث سنين وسبعة أشهر واثنين وعشرين يوما، وكان آدم شديد الأدمة، عظيم الهامة، بوجهه أثر جدري بين، يبادر بلذته، ويجاهر
[ ٢٦٤ ]
بمعصيته، ويستحسن خطأه، ويهون الأمور على نفسه في دينه إذا صحت له دنياه.
وكتب له عبيد بن أوس الغساني، وزمل بن عمرو العذري، وسرجون ابن منصور.
وكان نقش خاتمه «ربنا الله» وقاضيه أبو إدريس الخولانيّ، وحاجبه خالد مولاه، وقيل صفوان.