قسم الله ﵎ الأرض قسمين مشرقا ومغربا فصار المشرق والتيمن وهو الجنوب جوهرا واحدا، لغلبة الحرارة عليهما وصارت جهة المغرب والجربي وهو الشمال جوهرا واحدا لغلبة البرودة عليهما وشدتها فيهما، وذلك لبعد الشمس من ناحية الجربي، لأن المحور على تلك الناحية وهي أشدهما ارتفاعا، فمن أجل ذلك صار الجربي باردا رطبا، وصار المغرب أقل بردا من الجربي، وأكثر يبسا لانحطاط الفلك هناك، وهاتان الجهتان المشرق والتيمن بخلاف ذلك لدنو الشمس منهما والعالم أربعة أرباع فالربع الشرقي وهو ما تسافل عن خط الجنوب والشمال الى المشرق فهو ربع مذكر يدل على طول الأعمار، وطول مدد الملك والتذكير وعزة الأنفس وقلة كتمان السر وإظهار الأمور والمباهاة بها، وما لحق بذلك، وذلك لطباع الشمس وعلمهم الاخبار والتواريخ والسير والسياسات والنجوم وأما أهل الربع الغربي، فان الغالب عليه التأنيث إلا ما استولت عليه الكواكب المذكرة، كما يغلب التذكير على المشرق الا ما غلبته عليه الكواكب المؤنثة، وأهله أهل كتمان للسر وتدين وتأله، وكثرة انقياد الى الآراء والنحل، وما لحق بهذه المعاني إذ كان من قسم القمر
[ ٢١ ]
وأما أهل الربع الشمالي، وهم الذين بعدت الشمس عن سمتهم من الواغلين في الشمال كالصقالبة والافرنجة ومن جاورهم من الأمم، فان سلطان الشمس ضعف عندهم لبعدهم عنها فغلب على نواحيهم البرد والرطوبة وتواترت الثلوج عندهم والجليد، فقل مزاج الحرارة فيهم فعظمت أجسامهم وجفت طبائعهم وتوعرت أخلاقهم وتبلدت أفهامهم وثقلت ألسنتهم، وابيضت ألوانهم حتى أفرطت فخرجت من البياض إلى الزرقة ورقت جلودهم وغلظت لحومهم، وازرقت أعينهم أيضًا، فلم تخرج من طبع ألوانهم وسبطت شعورهم، وصارت صهبا لغلبة البخار الرطب ولم يكن في مذاهبهم متانة. وذلك لطباع البرد وعدم الحرارة ومن كان منهم أوغل في الشمال فالغالب عليه الغباوة والجفاء والبهائمية وتزايد ذلك فيهم في الأبعد فالأبعد الى الشمال، وكذلك من كان من الترك واغلا في الشمال فلبعدهم من مدار الشمس في حال طلوعها وغروبها كثرت الثلوج فيهم وغلبت البرودة والرطوبة على مساكنهم، فاسترخت أجسامهم وغلظت ولانت فقارات ظهورهم وخرز أعناقهم، حتى تأتى لهم الرمي بالنشاب في كرهم وفرهم وغارت مفاصلهم لكثرة لحومهم فاستدارت وجوههم وصغرت أعينهم لاجتماع الحرارة في الوجه حين تمكنت البرودة من أجسادهم إذ كان المزاج البارد يولد دما كثيرًا، واحمرت ألوانهم إذ كان من شأن البرودة جمع الحرارة وإظهارها وأما من كان خارجا عن هذا العرض إلى نيف وستين ميلا يأجوج ومأجوج، وهم في الإقليم السادس فإنهم في عداد البهائم.
وأما أهل الربع الجنوبي كالزنج وسائر الأحابيش، والذين كانوا تحت خط الاستواء وتحت مسامتة الشمس: فإنهم بخلاف تلك الحال من التهاب الحرارة وقلة الرطوبة، فاسودت ألوانهم واحمرت أعينهم وتوحشت نفوسهم وذلك لالتهاب هوائهم وإفراط الأرحام في نضجهم حتى احترقت ألوانهم وتفلفلت شعورهم
[ ٢٢ ]
لغلبة البخار الحار اليابس، وكذلك الشعور السبطة إذا قربت من حرارة النار دخلها الانقباض ثم الانضمام ثم الانعقاد على قدر قربها من الحرارة وبعدها عنها والأرض قسمان على ما قدمنا أحدهما مسكون، والآخر غير مسكون، والعامر المسكون منهما على أقسام أحدها مفرط الحر وهو ما كان من جهة الجنوب لأن الشمس تقرب منه فيلتهب هواؤه والآخر الشمال وهو مفرط البرد لبعد الشمس عنه واما المشرق والمغرب فمعتدلان وان كان فضل المشرق أظهر واعتداله أشهر وأما الّذي ليس بمسكون فعلى قسمين أيضا، إما أن يفرط فيه البرد ببعد الشمس عنه أو يفرط فيه الحر لقربها منه فلا يتركب هناك حيوان ولا ينبت نبات فالموضع الّذي يكون بعده في الشمال عن خط معدل النهار ستا وستين درجة لا يمكن أن يكون فيه نشوء لإفراط البرد عليه لبعد الشمس عنه وان ما كان عرضه ستة وستين جزء وتسع دقائق تكون السنة فيه يوما وليلة ستة أشهر نهارا لا ليل فيه وستة أشهر ليل لا نهار فيه يبطل نهاره في الشتاء وليله في الصيف والموضع الّذي بعده في الجنوب عن خط معدل النهار تسع عشرة درجة لا يمكن أيضا أن يكون فيه نشوء لأفراط الحر عليه لقرب الشمس منه قال المسعودي فاما بطلميوس فان أقصى ما وجد عنده من العمارة في جهة الشمال الجزيرة المعروفة بثولى في أقصى بحر المغرب من الجهة الشمالية وأن عرضها من معدل النهار في الشمال ثلاثة وستون جزءا، وحكاه أيضا عن مارينوس فيما ذهب اليه في حدود المعمور من الأرض، وذهب بطلميوس الى أن نهاية العمارة في جهة الجنوبي تحت الموازى الّذي بعده من معدل النهار ستة عشر جزءا وخمس وثلاثون دقيقة وربع وسدس وذهب قوم الى أن الموضع الّذي لا يمكن أن يكون فيه عمارة عرضه في الجنوب أحد وعشرون جزءا وخمس وثلاثون دقيقة، والى هذا ذهب
[ ٢٣ ]
يعقوب بن إسحاق الكندي في كتابه في رسم المعمور من الأرض. وسواء قيل عرض الموضع أو قيل بعده عن خط الاستواء أو قيل ارتفاع القطب عليه، فمقدار نهاية العمارة في الشمال إلى نهايتها في الجنوب ثمانون جزءا يكون ذلك عند هؤلاء من الأميال خمسة آلاف ميل وأقل من أربعمائة ميل.
وأقصى العمران في المشرق أقصى حدود بلاد الصين والسيلى إلى أن ينتهى ذلك الى ردم يأجوج ومأجوج الّذي بناه الإسكندر دافعا ليأجوج ومأجوج عن الفساد في الأرض، والجبل الّذي وراءه ووقع في فجه الردم، ومنه كان مخرجهم بدؤه خارج العمران في الإقليم السابع طرف مبدئه مستقبل المشرق ثم ينعطف الى ناحية الجنوب ويستقيم ممره طولا إلى أن ينتهي الى بحر أوقيانس المظلم المحيط فيتصل به، وأقصى عمران المغرب ينتهى إلى بحر أوقيانس المحيط أيضا، وكذلك ينتهى أقصى عمران الشمال الى هذا البحر أيضا وأقصى عمران الجنوب ينتهي الى خط الاستواء الّذي يكون الليل والنهار فيه سواء أبدا وجزيرة سر نديب من البحر الصيني على هذا الخط أيضا.
قال المسعودي وذكر من عنى بمساحة الأرض وشكلها أن تدويرها يكون بالتقريب أربعة وعشرين ألف ميل وذلك تدويرها مع المياه والبحار فان المياه مستديرة مع الأرض وحدّهما واحد فكلما نقص من استدارة الأرض وطولها وعرضها شيء تم باستدارة الماء وطوله وعرضه وذلك أنهم نظروا الى مدينتين في خط واحد إحداهما أقل عرضا من الأخرى وهما الكوفة ومدينة السلام فأخذوا عرضيهما فنقصوا الأقل من الأكثر ثم قسموا ما بقي على عدد الأميال التي بينهما فكان نصيب الدرجة مما يحاذيهما من أجزاء الأرض المستديرة ستة وستين ميلا وثلثي ميل على ما ذكر بطلميوس فإذا ضربوا ذلك في جميع درج الفلك التي هي ثلاثمائة وستون درجة كان ذلك أربعة وعشرين ألف ميل، وكان قطرها الّذي
[ ٢٤ ]
هو طولها وعرضها وغلظها سبعة آلاف ميل وستمائة وسبعة وستين ميلا، والميل أربعة آلاف ذراع بالسواء وهو الذراع الّذي وضعه المأمون لذرع الثياب ومساحة البناء وقسمة المنازل، والذراع أربع وعشرون إصبعا والإصبع ست شعيرات مضموم بعضها الى بعض والفرسخ بهذا الميل ثلاثة أميال ومنهم من يجعل الميل ثلاثة آلاف ذراع والفرسخ أربعة أميال وكلاهما يؤولان الى شيء واحد وفيما ذكرناه من مقدار حصة الدرجة من الأميال تنازع فمنهم من رأى أن ذلك سبعة وثمانون ميلا ومنهم من رأى ذلك ستة وخمسون ميلا وثلثي ميل والمعول في ذلك على ما حكيناه عن بطلميوس والأرض من أربعة جواهر من الرمل وللطين والأحجار والأملاح وجوفها أطباق يتخرق فيها الهواء ويجول فيها الماء مواصلا لها كمواصلة الدم للجسد فما غلب عليه الهواء من الماء كان عذبا شروبا وما امتنع الهواء من التمكن منه وغلبت عليه املاح الأرض وسبخها صار ملحا أجاجا وأن كون مياه العيون والأنهار في الأرضين كالعروق في البدن وأن الحكمة في كون الأرض كرية الشكل، انها لو كانت مسطوحة كلها لا غور فيها ولا نشز يخرقها لم يكن النبات وكانت مياه البحار سائحة على وجهها فلم يكن الزرع ولم يكن لها غدران تفضى مياه السبول اليها، ولا كانت لها عيون تجرى تنبع بالماء أبدا لان مياه العيون لو كانت منها تخرج دائما لفنيت ولصار الماء ابدا غالبا على وجه الأرض فكان يهلك الحيوان ولا يكون زرع ولا نبات فجعل ﷿ منها انجادا ومنها اغوارا ومنها انشاز أو منها مستوية، واما انشازها فمنها الجبال الشامخة ومنافعها ظاهرة في قوة تحدر السيول منها فتنتهى الى الأرضين البعيدة بقوة جريها ولتقبل الثلوج فتحفظها الى ان تنقطع مياه الامطار وتذيبها الشمس فيقوم ما يتحلب منها مقام الامطار ولتكون الآكام والجبال في الأرض حواشر للمياه لتجرى من تحتها ومن
[ ٢٥ ]
شعوبها وأوديتها، فيكون منها العيون الغزيرة ليعتصم بها الحيوان ويتخذها مأوى ومسكنا، ولتكون مقاطع ومعاقل وحواجز بين الأرضين من غلبة مياه الامطار عليها وما لا يحصيه الا خالقها قال المسعودي: وقد تختلف قوى الأرضين وفعلها في الأبدان لثلاثة أسباب كمية المياه التي فيها وكمية الأشجار ومقدار ارتفاعها وانخفاضها، فالأرض التي فيها مياه كثيرة ترطب الأبدان والأرض العادمة للمياه تجففها. واما اختلاف قوتها من قبل الأشجار فان الأرض الكثيرة الأشجار، الأشجار التي فيها تقوم لها مقام السترة فبهذا السبب تسخن. والأرض المكشوفة من الأشجار العادمة لها حالها عكس حال الأرض الكثيرة الأشجار واما اختلاف قواها من قبل مقدار علوها وانخفاضها، فلان الأرض العالية المشرفة فسيحة باردة والأرض المنخفضة العميقة حارة ومدة. ومنهم من رأى ان أصناف اختلاف البلدان اربعة أولها النواحي والثاني الارتفاع والانخفاض والثالث مجاورة الجبال والبحار لها والرابع طبيعة تربة الأرض وذلك ان ارتفاعها يجعلها أبرد وانخفاضها يجعلها اسخن على ما قدمنا. واما اختلافها من جهة مجاورة الجبال لها فمتى كان الجبل من البلد من ناحية الجنوب جعله أبرد لانه يكون سبب امتناع الريح الجنوبية، وانما تهب فيه الشمالية فقط. ومتى ما كان الجبل من البلد من ناحية الشمال جعله اسخن لامتناع هبوب الرياح الشمالية فيه، واما اختلافها لمجاورة البحار لها فمتى كان البحر من البلد في ناحية الجنوب كان ذلك البلد اسخن وأرطب، وان كان من البلد في ناحية الشمال كان ذلك البلد أبرد وايبس. وأما اختلافها بحسب طبيعة تربتها فمتى كانت تربة الأرض صخرية جعلت ذلك البلد أبرد وأجف، وان كانت تربة البلد جصية جعلته أسخن وأجف، وان كانت طينية جعلته أبرد وأرطب
[ ٢٦ ]
وبقاع الأرض مختلفة بحسب اختلاف الطبائع وما تؤثره فيها الأجسام السمائية من النيرين وغيرهما فغلب طبع كل أرض على ساكنها كما نشاهد الحرار السود والاغوار، وحشها الى السواد ووحش الرمال البيض على ذلك اللون فان كانت الرمال أحمر فوحشها عفر وهو لون التراب، وكذلك وحش الجبال من الأراوي وغيرها يكون على ألوان تلك الجبال أن حمرا وان بيضا وان سودا.
وعلى هذا السبيل تكون القملة في الشعر الأسود سوداء وفي الشعر الأبيض بيضاء وفي المشيب شهباء وفي الأحمر حمراء ومن الفلكيين من يرى أن كل جزء من أجزاء الأرض يناسب جزء من أجزاء الفلك ويغلب عليه طباعه لأن في أجزاء الفلك المضيء والمظلم والفصيح والأخرس وذا الأصوات والمجوف وغير ذلك من نعوت الدرج، فلذلك يكون كلام أهل الموضع الواحد مختلفا على قدر ما تصلح فيه السعود وتفسد فيه النحوس ثم يختلف أهل اللسان الواحد في المنطق واللهجات قال المسعودي: وقد ذم بطلميوس القلوذى آراء كثير ممن تقدمه ممن عنى بعلم معمور الأرض وغايات ذلك ونهاياته مثل مارينوس وأبرخس وطيمستانس وغيرهم في قبول أقاويل المخبرين من التجار وغيرهم من نهاية المعمور وأن ذلك قد يدخله الكذب والزيادة والنقصان فيما أخبروا به من وصولهم الى هذه المواضع المائية والعمائر القاصية في البر والبحر، ثم اضطر بطلميوس لما أراد علم ذلك والوقوف عليه الى ان يستعمل ما أنكره على من ذكرنا من جهة الخبر فبعث بثقات من رسله في الآفاق ليعرف الغابات من عمران الأرض المسكونة فعمل على أخبارهم مقايسا بها ما وجده بالدلائل النجومية، وهذا دخول منه فيما أنكره، وقد ذكر في كتابه المترجم بمسكون الأرض بلدانا ومدائن كثيرة ووصف اطوالها وعروضها ورسم للناس صورة معمور الأرض على ما رسم فيها
[ ٢٧ ]
من مواضع الكور والبحار والأنهار في الطول والعرض، وقد قال أرسطاطاليس في المقالة الثانية من كتابه في الآثار العلوية لقد اعجب من الذين يصورون أقطار الأرض وابعادها فإنهم يصورون الأرض المعمورة مستديرة والقياس والعيان يشهدان على أنها على خلاف ذلك وأنه لا يمكن أن يكون ذلك أما القياس فيثبت ان عرض الأرض محدود وان طولها ليس بمحدود اعنى ان طول الأرض كله يمكن أن يسكن لحال مزاجه وذلك أن الحر والبرد لا يكونان مفرطين في طول الأرض لكن في عرضها، ولو لم يكن البحر يمنع لكان طول الأرض كله مسلوكا قال والعيان يشهد أيضا على أن طول الأرض يسلك في البر والبحر لان الطول مخالف للعرض كثيرا قال المسعودي وقد ذكرنا في كتاب (فنون المعارف وما جرى في الدهور السوالف) ما ذهبت اليه الفرس والنبط في قسمة المعمور من الأرض وتسميتهم مشارق الأرض وما قارب ذلك من مملكتها خراسان وخر: الشمس فأضافوا مواضع المطلع اليها والجهة الثانية وهي المغرب خربران وهو مغيب الشمس والجهة الثالثة وهي الشمال باخترا والجهة الرابعة وهي الجنوب نيمروز وهذه ألفاظ يتفق عليها الفرس والسريانيون وهم النبط وما ذهب إليه اليونانيون والروم في قسمة المعمور من الأرض على ثلاثة أجزاء وهي أورفا، ولوبية، وآسية وغير ذلك من كلام سائر الأمم في هذه المعاني، فلنقل الآن في الأقاليم وصفتها وما قيل في قسمتها وغير ذلك
.
[ ٢٨ ]