الفداء الأول: فداء أبى سليم كان أول فداء جرى في أيام ولد العباس في خلافة الرشيد باللامس من ساحل البحر الرومي على نحو من خمسة وثلاثين ميلا من طرسوس سنة ١٨٩ والملك على الروم نقفور بن استبراق يقال انه فودى بكل أسير كان بأرض الروم من ذكر وأنثى فيما ظهر، وذلك على يد القاسم ابن الرشيد وباسمه، وهو معسكر بمرج دابق من بلاد قنسرين من أعمال حلب وفيه قيل
يا أيها النفر الغزاة النازلون بمرج دابق
انى لغاز لو ترك ت الى حبيب لي موافق
حضر هذا الفداء وقام به أبو سليم فرج خادم الرشيد المتولي له بناء
[ ١٦٠ ]
طرسوس في سنة ١٧١ للهجرة وسالم البرلسي البربري مولى بنى العباس في ثلاثين ألفا من المرتزقة، وحضره من أهل الثغور وغيرهم من أهل الأمصار وغيرهم نحو من خمسمائة ألف، وقيل أكثر من ذلك بأحسن ما يكون من العدد والخليل والسلاح والقوة، قد أخذوا السهل والجبل وضاق بهم الفضاء. وحضرت مراكب الروم الحربية بأحسن ما يكون من الزي ومعهم أسارى المسلمين، وكان عدة من فودى به من المسلمين في اثنى عشر يوما ثلاثة آلاف وسبعمائة، وقيل أكثر من ذلك وأقل. والمقام باللامس نحو من أربعين يوما قبل الأيام التي وقع الفداء فيها وبعدها. وإنما نذكر في كل فداء يرد فيما بعد هذا الفداء الأيام التي وقع فيها الفداء لا مدة مقام الناس باللامس، إذ كان يطول ويقصر وفي هذا الفداء يقول مروان بن أبى حفصة في كلمة له طويلة يمدح بها الرشيد
وفكت بك الأسرى التي شيدت لها محابس ما فيها حميم يزورها
على حين أعيا المسلمين فكاكها وقالوا سجون المشركين قبورها
الفداء الثاني: فداء ثابت في خلافة الرشيد أيضا باللامس في سنة ١٩٢ والملك على الروم نقفور بن استبراق أيضا، وكان القيم به ثابت بن نصر بن مالك الخزاعي أمير الثغور الشأمية، حضره مئو ألوف من الناس، وكان عدة من فودى به من المسلمين في سبعة أيام ألفين وخمسمائة ونيفا من ذكر وأنثى الفداء الثالث: فداء خاقان في خلافة الواثق باللامس في المحرم سنة ٢٣١ والملك على الروم ميخائيل بن توفيل وكان القيم به خاقان الخادم التركي وعدة من فودى به من المسلمين في عشرة أيام اربعة آلاف وثلاثمائة واثنين وستين من ذكر وأنثى، وقيل أربعة آلاف وسبعة وأربعين على ما في كتب الصوائف، وقيل أقل من ذلك
[ ١٦١ ]
وفي هذا الفداء أخرج أهل زبطرة، وفيه خرج مسلم بن أبى مسلم الجرمي، وكان ذا محل في الثغور ومعرفة بأهل الروم وأرضها، وله مصنفات في أخبار الروم وملوكهم وذوى المراتب منهم، وبلادهم وطرقها ومسالكها، وأوقات الغزو اليها والغارات عليها، ومن جاورهم من الممالك من برجان والابر والبرغر والصقالبة والخزر وغيرهم وحضر هذا الفداء مع خاقان رجل يكنى أبا رملة، من قبل احمد بن أبى دواد قاضى القضاة يمتحن الأسارى وقت المفاداة، فمن قال منهم بخلق التلاوة، ونفى الرؤية فودى به وأحسن اليه، ومن أبى ترك بأرض الروم، فاختار جماعة من الأسارى الرجوع الى أرض النصرانية على القول بذلك، وأبى أن يسلم الانقياد الى ذلك، فنالته محن ومهانة الى أن تخلص الفداء الرابع: فداء شنيف في خلافة المتوكل باللامس في شوال سنة ٢٤١ والملك على الروم ميخائيل بن توفيل، وكان القيم به شنيف الخادم مولاه، وحضر جعفر بن عبد الواحد الهاشمي القرشي القاضي، وعلى بن يحيى الأرمني صاحب الثغور الشأمية فكان عدة من فودى به من المسلمين في سبعة أيام ألفين ومائتي رجل، وقيل ألفى رجل ومائتي امرأة، وكان مع الروم من النصارى المأسورين من أرض الإسلام مائة رجل ونيف فعوضوا مكانهم عدة أعلاج، إذ كان الفداء لا يقع على نصراني ولا ينعقد الفداء الخامس: فداء نصر بن الأزهر وعلى بن يحيى في خلافة المتوكل أيضا باللامس مستهل صفر سنة ٢٤٦ والملك على الروم ميخائيل بن توفيل أيضا وكان القيم به على بن يحيى الأرمني أمير الثغور الشأمية ونصر بن الأزهر الطائي الشيعي من شيعة ولد العباس المراسل الى الملك في أمر هذا الفداء من
[ ١٦٢ ]
قبل المتوكل وعدة من فودى به من المسلمين في سبعة أيام ألفان وثلاثمائة وسبعة وستون من ذكر وأنثى وقد ذكر بعض من لحقنا أيامه من مصنفي الكتب في الكوائن والاحداث والسير والتواريخ أن فداء كان في أيام المعتز، والملك على الروم بسيل على يد شفيع الخادم في سنة ٢٥٣ الفداء السادس: فداء ابن طغان في خلافة المعتضد باللامس في شعبان سنة ٢٨٣ والملك على الروم أليون بن بسيل ابو قسطنطين بن أليون الملك على الروم في وقتنا هذا وكان القيم به احمد بن طغان أمير الثغور الشأمية وأنطاكية من قبل أبى الجيش خمارويه بن احمد بن طولون صاحب مصر وأجناد الشأم وديار مضر وغيرها وكانت الهدنة لهذا الفداء وقعت في أيام ابى الجيش في سنة ٢٨٢ فقتل ابو الجيش بدمشق في ذي القعدة من هذه السنة، وتم الفداء في أيام ولده جيش ابن خمارويه فكان عدة من فودى به من المسلمين في عشرة أيام ألفين واربعمائة وخمسة وتسعين من ذكر وأنثى، وقيل ثلاثة آلاف رجل الفداء السابع: فداء رستم ويعرف بفداء الغدر في خلافة المكتفي باللامس في ذي القعدة سنة ٢٩٢ والملك على الروم أليون بن بسيل أيضا، القيم به رستم ابن بردو الفرغاني أمير الثغور الشأمية، وكان عدة من فودى به من المسلمين في أربعة أيام ألفا ومائة وخمسة وخمسين من ذكر وأنثى، ثم غدر الروم وانصرفوا ببقية الأسارى الفداء الثامن: فداء رستم أيضا ويعرف بفداء التمام في خلافة المكتفي أيضا باللامس في شوال سنة ٢٩٥ والملك على الروم أليون أيضا- القيم به رستم بن
[ ١٦٣ ]
بردو، وكان عدة من فودى به من المسلمين ألفين وثمانمائة واثنين وأربعون من ذكر وأنثى الفداء التاسع: فداء مؤنس في خلافة المقتدر باللامس في شهر ربيع الآخر سنة ٣٠٥ والملكان على الروم قسطنطين بن أليون ملكهم في وقتنا هذا وارمانوس. وقسطنطين يومئذ صغير في حجره، وكان القيم به مؤنس الخادم وبشرى الخادم الافشينى أمير الثغور الشأمية وانطاكية، والمتوسط له والمعاون عليه أبو عمير عدي بن احمد بن عبد الباقي التميمي الأذني، وعدة من فودى به من المسلمين في ثمانية أيام ثلاثة آلاف وثلاثمائة وستة وثلاثون من ذكر وأنثى الفداء العاشر: فداء مفلح في خلافة المقتدر أيضا باللامس في رجب سنة ٣١٣ والملكان على الروم قسطنطين وارمانوس وكان القيم به مفلح الخادم الأسود المقتدري وبشرى خليفة ثمل الخادم الدّلفى على الثغور الشأمية، وعدة من فودى به من المسلمين في تسعة عشر يوما ثلاثة آلاف وتسعمائة وثلاثة وثمانون من ذكر وأنثى الفداء الحادي عشر: فداء ابن ورقاء في خلافة الراضي باللامس في سلخ ذي القعدة وأيام من ذي الحجة سنة ٣٢٦ والملكان على الروم قسطنطين وارمانوس وكان القيم به ابن ورقاء الشيباني من قبل الوزير الفضل بن جعفر بن الفرات وبشرى الثملي أمير الثغور الشأمية وكان عدة من فودى به من المسلمين في ستة عشر يوما ستة آلاف وثلاثمائة ونيفا من ذكر وأنثى، وفضل في أيدي الروم من المسلمين ثمانمائة رجل ردوا وفودى بهم على نهر البدندون في مرار شتى، وزيد في الهدنة بعد انقضاء الفداء مدة ستة أشهر، لأجل من تخلف في أيدي الروم من المسلمين، حتى جمع الأسارى لهم
[ ١٦٤ ]
الفداء الثاني عشر: فداء ابن حمدان في خلافة المطيع باللامس في شهر ربيع الأول سنة ٣٣٥ والملك على الروم قسطنطين وكان القيم به نصر الثملي أمير الثغور الشأمية من قبل أبى الحسن على بن عبد الله بن حمدان صاحب جند حمص وجند قنسرين وديار مضر وديار بكر والثغور الشأمية والجزرية وكان عدة من فودى به من المسلمين ألفين وأربعمائة واثنين وثمانين من ذكر وأنثى وفضل للروم على المسلمين قرضا مائتان وثلاثون، لكثرة من كان في أيديهم، فوفاهم أبو الحسن ذلك وحمله اليهم وكان الّذي شرح في هذا الفداء وابتدأ به الاخشيذ محمد بن طغج أمير مصر والشأم والثغور الشأمية، وكان ابو عمير عدي بن احمد بن عبد الباقي الأذني شيخ الثغر والمنظور اليه منهم قدم اليه الى دمشق في ذي الحجة سنة ٣٣٤ ونحن يومئذ بها ومعه يوانس الانسيبطوس البطريقوس المسدقوس المترهب، رسول ملك الروم في إتمام هذا الفداء، وكان ذا رأى وفهم بأخبار ملوك اليونانيين والروم، ومن كان في أعصارهم من الفلاسفة، وقد أشرف على شيء من آرائهم والاخشيذ حينئذ شديد العلة فتوفى يوم الجمعة لثمان خلون من ذي الحجة من هذه السنة وسار ابو المسك كافور الاخشيذى بالجيش راجعا الى مصر، وحمل معه أبا عمير والمسدقوس الى بلاد فلسطين، فدفع اليهما ثلاثين ألف دينار من مال هذا الفداء، وصارا الى مدينة صور فركبا في البحر الى طرسوس فإلى ما وصلا اليها كاتب بشرى الثملي أمير الثغور الشأمية أبا الحسن بن حمدان ودعا له على منابر الثغور الشأمية، فجد في إتمام هذا الفداء فعرف به ونسب اليه قال المسعودي وهذا آخر فداء كان بين المسلمين والروم الى وقتنا المؤرخ
[ ١٦٥ ]
به كتابنا، وقد ذكرت أفدية غير هذه لم نجد لها حقيقة، لا اشتهر أمرها، ولا استفاض خبرها منها فداء كان في أيام المهدي على يد المعروف بالنقاش الأنطاكي، ومنها فداء كان في أيام الرشيد في شوال سنة ١٨١ على يد عياض بن سنان أمير الثغور الشأمية، وفداء كان على يد ثابت بن نصر في أيام الأمين في ذي القعدة سنة ١٩٤، وفداء كان في أيام المأمون في ذي القعدة سنة ٢٠١ على يد ثابت أيضا، وفداء كان في أيام المتوكل سنة ٢٤٧ على يد محمد بن على، وفداء كان في أيام المعتمد في شهر رمضان سنة ٢٥٨ على يد شفيع ومحمد بن على والصحيح منها والمعول عليه هو ما رسمناه دون ما عداه، وقد ذكرنا في كتاب (فنون المعارف، وما جرى في الدهور السوالف) وفي كتاب (الاستذكار، لما جرى في سالف الاعصار) شرح هذه الافدية ومن حضرها وكيفية وقوعها ومن ترسل فيها وتوسطها بين المسلمين والروم وشروطها ومقادير النفقات فيها وهدنها وما كان بين المسلمين والروم من المغازي في البر والبحر من الصوائف والشواتي والربيعيات وما جرى بين الروم وبرجان والبرغر والترك وغيرهم من الوقائع المشهورة والحروب المذكورة، وغير ذلك فلنذكر الآن جامع تاريخ العالم والأنبياء والملوك وما اتصل بذلك
[ ١٦٦ ]