فلنبدأ بذكر الفلك الّذي نبهنا الله سبحانه عليه، وأشار في نص الكتاب اليه لما فيه من عجائب حكمته ولطائف قدرته وخصائص التدبير وبدائع التركيب التي
[ ٦ ]
تدل بعجائب نظمها وغرائب تأليفها على وحدانية مبدعها وأزلية منشئها قال الله جل وعز (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) ٣٦: ٤٠ اى في دائرة منها يكونون- إذ اسم الفلك يدل على الاستدارة في لغة العرب، والفلك السماء قال الله ﷿ (لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ من خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) ٤٠: ٥٧ قال المسعودي: وقد تنازع الناس في الفلك ممن سلف وخلف فقال أفلاطون وثامسطيوس والرواقيون وعدة ممن تقدم عصر أفلاطون وتأخر عنه من الفلاسفة إنه من الطبائع الأربع التي هي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة إلا أن الغالب عليه النارية وليست ناريته محرقة إنما هي مثل النار الغريزية في الأبدان، وقال آخرون إنه من النار والهواء والماء دون الأرض وذهب أرسطاطاليس وأكثر الفلاسفة ممن تقدم عصره وتأخر عنه وغيرهم من حكماء الهند والفرس والكلدانيين الى أنه طبيعة خامسة خارجة عن الطبائع الأربع ليست فيه حرارة ولا برودة ولا رطوبة ولا يبوسة وانه جسم مدور كرى أجوف يدور على محورين وهما القطبان أحدهما رأس السرطان ومنتهى بنات نعش، من تلقاء نقطة الجنوب، والآخر رأس الجدي وفيه كواكب مثل بنات نعش من تلقاء نقطة الشمال وخط الاستواء في وسط الفلك وهو خط ما بين الشمال والجنوب وأوسع موضع فيه من نقطة المشرق الى نقطة المغرب وهو منقسم بأربعة أرباع كل ربع منها تسعون درجة على خطين يتقاطعان على مركزه وهو موضع الأرض منه أحد الربعين وهو أحد القطبين نقطة الشمال وبإزائه نقطة الجنوب والربع الثالث نقطة المشرق وبإزائها نقطة المغرب، وهو يدور دورانا طبيعيا دائما وبدورانه ودوران الكواكب التي فيه تنفعل الكيفيات وانبسطت الأركان
[ ٧ ]
الأربعة وهي النار والماء والهواء والأرض فيتصل ركنان منها وهما النار والهواء بالعلو وركنان منها وهما الماء والأرض بالسفل ثم تتحرك هذه الكيفيات بتحرك الجواهر العلوية والأجسام السمائية على حسب مداراتها ومسيرها وحركاتها وتأثيراتها فيتحرك الركنان الاعليان بتحرك الكيفيات والركنان الأسفلان بتحرك الركنين الأعليين وتهب بذلك الرياح الاثنتا عشرة، فتنشأ السحائب وينزل القطر ويتصل بذلك الآثار العلوية ويتصل بالآثار العلوية الآثار السفلية الموجودة في الحيوان والنبات البري والبحري. وفي الجواهر والمعادن حتى يكون التدبير في جميع هذه العوالم متسقا مطردا، متصلا بعضه ببعض بالفعل، كامنا بعضه في بعض بالقوة.
حتى تظهر آثار الصنعة، وأمارات الحكمة، ودلائل الربوبية، وترتبط المعلولات بعللها، وتشهد للصانع بصنعته، وبدائع حكمته.
وجعل ﷿ الفلك الأعلى، وهو فلك الاستواء، وما يشتمل عليه من طبائع التدوير، فأولها كرة الأرض يحيط بها فلك القمر ويحبط بفلك القمر فلك عطارد، وبفلك عطارد فلك الزهرة، وبفلك الزهرة فلك الشمس، وبفلك الشمس فلك المريخ، وبفلك المريخ فلك المشترى، وبفلك المشترى فلك زحل وبفلك زحل فلك الكواكب الثابتة، وبفلك الكواكب الثابتة فلك البروج وبفلك البروج فلك الاستواء وهو المحيط بها والمحرك لها.
ومن ذوى المعرفة بعلم الأفلاك والنجوم من يعد فلك الاستواء، وفلك البروج الثابتة فلكا واحدا، لما يرى من تجاذبهما، واتفاق أقطارهما ومراكزهما والأرض في وسط الجميع مركز له كالنقطة في وسط الدائرة والفلك متجاف
[ ٨ ]
عنها من حيث ما أحاط بها بميل ما نحو [١] وجهها الّذي يكون عليها حيثما كانت وهو أعلى الفلك على سمت رأسك فذلك نصف قطر الفلك الأعلى [٢] أخذ منه نصف قطر الأرض، وهو يدور عليها من المشرق إلى المغرب، على أوسع موضع فيه على نقطتين وهميتين متقابلتين في جنبي كرته.
إحداهما القطب الشمالي وهو على شمال مستقبل المشرق، والثانية القطب الجنوبي، وهو على يمين مستدبر المغرب، ويسميان المحورين تشبيها بقطب الرحى ولهذا الفلك نطاق يفصل كرته في متوسط ما بين قطبيه، ويفصل محاذاته كرة الأرض بنصفين. وهذا النطاق يسمي فلك معدل النهار، لاستواء الليل والنهار فيه، ويسمى الفلك المستقيم لاستواء مطالعه ومغاربه، واستقامة مدرجة في أرباع الفلك وما بينها على نظام واحد، وكل جزء من أجزاء هذا النطاق وإن اتسع فإنه كيفما انحدر في بسيطى الكرة إلى المحورين قل عرضه ودق حتى تجتمع أجزاء الفلك كلها من فوق الأرض وتحتها في نقطة المحور.
ومن كان تحت هذا النطاق فإنه ينظر المحورين يطوفان على أفق المواضع والفلك يدور منتصبا فوق رأسه.
وأكثر هذه الأفلاك مسيرها من المشرق إلى المغرب موافقة في مسيرها لمسير الفلك الأعلى. ومنها ما يكون مسيره موافقا لمسير الكواكب من المغرب إلى المشرق، فما كان من الفلك آخذا من الشمال إلى الجنوب سمي العرض، وما كان آخذا من المغرب إلى المشرق سمى الطول.
والأرض من الفلك بمنزلة النقطة من الدائرة بعدها من كل نقطة من النقط
_________________
(١) في الاروبية بمثل ما كان وجهها، والتصحيح بحسب المعنى.
(٢) في الاروبية إلا ما، وهو غير واضح
[ ٩ ]
الأربع التي ينقسم الفلك عليها بعد واحد، ومن مركزها إلى كل نقطة تسعون درجة، وقطر الدائرة مائة وثمانون درجة وهي تنقسم في نفسها مثل هذه الأربع نقط من الشمال والجنوب والمشرق والمغرب، إلا أنها غير ذات نسبة من الفلك كما أن الفلك لا نسبة له من الدائرة والجرم الّذي من نهاية حضيض فلك القمر إلى نهاية العالم في العلو طبيعة خامسة ليست بحارة ولا باردة ولا رطبة ولا يابسة ولا مركبة من شيء من هذه الطبائع الأربع. وهذا الجسم هو الجسم الفلكي، ونهايته مما يلينا أعنى كصورة باطن كرة والعناصر أربعة نار وهواء وماء وأرض، فاثنان من هذه العناصر حاران وهما النار والهواء، وهما يتحركان بطبعهما صعدا إلا أن أسبقهما إلى العلو النار، فهي طافية على الهواء، والنار يابسة والهواء رطب واثنان باردان وهما الماء والأرض وهما يتحركان بطبعهما سفلا عند حركتهما، إلا أن أسبقهما إلى السفل الأرض، والأرض يابسة، والماء رطب.
فقد حصل بما ذكرنا أن الحرارة تفعل الحركة صعدا، وأن البرد يفعل الحركة سفلا، وأن اليبس يفعل السبق إلى الموضع الأخص بكل واحد منهما وأن الرطوبة تفعل الثقل في الحركة، فما كانت حركته صعدا سموه خفيفا، وما كانت حركته سفلا سموه ثقيلا.
وأنه لا فراغ في جرم العالم، وأن الأجسام إذا حميت احتاجت إلى مواضع أوسع من المواضع التي كانت فيها، فما تحدثه الحرارة فيها من تباعد نهاياتها عن مركزها، وأنها إذا بردت صارت بضد ذلك لأن البرد يفعل تقارب نهايات الأجسام من مركزها، فتحتاج الى مواضع أصغر من مواضعها وأن الحرارة والبرودة تتبادل المواضع فإذا كان ظاهر الأرض حارا كان
[ ١٠ ]
باطنها باردا، على ما تكون عليه السراديب وغيرها من أعماق الأرض وأعوارها في نهار الصيف من البرد، وإذا كان ظاهرها باردا كان باطنها حارا على ما عليه السراديب وغيرها في ليالي الشتاء، وأن الحرارة ترفع من كل جسم رطب لطيفه ولا أولا حتى تجف أرضيته فيتحجر أو تفنى جملته وأن الشمس إذا كان مسيرها في الميل الشمالي عن معدل النهار حمى الهواء في ناحية الشمال وبرد الهواء الجنوبي، فيجب من ذلك أن ينقبض الهواء الجنوبي ويحتاج الى موضع أصغر، ويتسع الهواء الشمالي، ويحتاج الى موضع أوسع، إذ لا فراغ في العالم، فبالواجب ان يكون أكثر رياح الصيف عند من هو في ناحية الشمال شمالية لأن الهواء من عندهم يتحرك إلى ناحية الجنوب، إذ ليس الريح شيئا غير حركة الهواء وتموجه، وكذلك يجب أن يكون أكثر رياح الشتاء جنوبية لتحرك الهواء إلى ناحية الشمال لمسير الشمس في الشتاء في الميل الجنوبي وما أبين للحس من مسير الشمس في الشتاء في الجنوب وفي الصيف في الشمال، لما نراه في الشتاء من طول ظلال المظلات، وبعد جرم الشمس في سمت رءوسنا من خط نصف النهار قال المسعودي: وفيما ذكرنا من قسمة الأفلاك وتراكيبها وما يلينا من الكواكب- النيرين والخمسة- تنازع بين الاسلاف والأخلاف.
من ذلك ما ذكره ابطلميوس القلوذى في كتاب المجسطي، وفي كتابه في الهيئة أنه لم يظهر له أن الزهرة وعطارد فوق الشمس أو دونها.
وحكى يحيى النحويّ وهو المعروف بالحريص الإسكندراني في كتابه الّذي دل فيه على أن العالم محدث ونقضه لكتاب پرقلس في قدمه ورده على أفلاطون وأرسطاطاليس وأفلوطرخس وغيرهم من القائلين بقدمه أن أفلاطون كان يزعم أن
[ ١١ ]
فلك القمر أدنى الأفلاك إلينا وفلك الشمس يليه ثم فلك عطارد ثم فلك الزهرة ثم كذلك على ما رتبها الباقون.
وقد ذكرنا فيما سلف من كتبنا السالفة تنازع الفلاسفة وغيرهم من حكماء الأمم في هيئة الأفلاك وتراكيبها والنجوم وتأثيراتها في هذا العالم الأرضى وما يمين العالم وما شماله، وما خلفه وأمامه وتحته وفوقه.
وما ذكره أرسطاطاليس في المقالة الثانية من كتاب السماء والعالم عن شيعة فيثاغورث في ذلك وما ذهب إليه من أن للسماء يمينا وشمالا، وأماما وخلفا، وفوقا وأسفل.
فيمنة السماء الجهة المشرقية، ويسرتها المغربية، وأعلاها القطب الجنوبي وهو فوق القطب الشمالي وهو أسفل وما اتصل بذلك.
قال المسعودي: وأكثر من نشاهده من فلكية زماننا ومنجمى عصرنا مقتصرون على معرفة الأحكام- تاركون للنظر في علم الهيئة، ذاهبون عنها- وصناعة التنجيم التي هي جزء من أجزاء الرياضات، وتسمى باليونانية (الاصطرونوميا) تنقسم قسمة أولية على قسمين (أحدهما) العلم بهيئة الأفلاك وتراكيبها ونصبها وتأليفها (والثاني) العلم بما يتأثر عن الفلك فليس العلم الثاني وهو العلم بتأثيرات الفلك وما يوجب من الأحكام بمستغن عن العلم الأول، الّذي هو علم الهيئة إذ التأثيرات واقعة بالحركات وتبدل الأحوال، وإذا وقع الجهل بالحركات وقع الجهل بالتأثيرات فاذ ذكرنا جملا وجوامع من علوم هيئة الأفلاك والنجوم، فلنذكر الآن الكلام في جمل من قسام الزمان وفصوله والسنين والشهور والأيام وطباعها والاصطقصات ومرور الشمس في فلكها، وقطعها لبروجها، وما تحدثه في كل
[ ١٢ ]
فصل، وما لحق بذلك.