البحر الحبشي هو بحر الصين والسند والهند والزنج والبصرة والأبلة وفارس وكرمان وعمان والبحرين والشحر واليمن وأيلة والقلزم من بلاد مصر والحبشة وليس في المعمور بحر أعظم منه وهو مساو في الطول لخط الاستواء آخذ من أقصى بلاد الحبشان التي في المغرب الى أقصى بلاد الهند والصين في المشرق وطوله على هذا السمت فيما ذكر من عنى بمساحة الأرض وتصويرها على مواضعها من العروض والاطوال الفلكية ثمانية آلاف ميل وعرضه في الشمال ألفان وسبعمائة وقيل ألف وتسعمائة ميل وممن ذهب الى هذا القول ابطلميوس وغيره ممن تقدم عصره وتأخر عنه، وآخر من ذهب الى ذلك في الإسلام يعقوب بن إسحاق الكندي في رسالة له في البحار والمد والجزر وغير ذلك، وتلميذه أحمد بن الطبيب في رسالة له أيضا في منافع البحار والجبال والأنهار وادخل ابطلميوس هذا البحر في حد المعمور وذكر انه ينتهى الى ارض من الجنوب مجهولة، وذهب آخرون الى ان طوله اربعة آلاف وخمسمائة فرسخ في مثلها فرد ذلك عليهم أصحاب القول الأول وأنكروه لأن اربعة آلاف فرسخ وخمسمائة فرسخ ثمانية عشر ألف ميل إذ كان الفرسخ اربعة أميال بميل ثلاثة آلاف ذراع فيصير طول هذا البحر ثلاثة أرباع منطقة الأرض وهي اربعة وعشرون ألف ميل وعرضه ثلاثة أرباع ويصير الباقي من كرة الأرض المنكشف من ماء هذا البحر جزءا يسيرا إذا أضيف الى هذا البحر وليس الوجود كذلك والقول الأول أصح وعليه المعول لما بينا
[ ٤٦ ]
ومما يصب اليه من الأنهار العظام المشهورة الفرات ومخرجه من الإقليم السادس من ناحية قاليقلا وكانت من ثغور ارمينية من تحت جبل هنالك يدعى افردخمش ويقطع بلاد الروم ويمر بالقرب من ملطية وسميساط وبالس والرقة والرحبة وهيت والأنبار ويأخذ منه نهر عيسى الّذي ينتهى الى مدينة السلام وكان يسمى نهر الرّفيل والصراة ونهر صرصر وجميعها تصب الى دجلة ثم ينقسم الفرات الى جهتين قسم منهما يتوجه يسيرا نحو المغرب يسمى العلقميّ يمر بالكوفة وغيرها والقسم الآخر يسمى سورا يمر بمدينة سورا الى النيل والطفوف ويسقى كثيرا من اعمال السواد ثم ينتهى جميع ذلك الى بطيحة البصرة وواسط التي ينتهى منها الى هذا البحر في دجلة العوراء التي تدعى بالفارسية بهمنشير وهي دجلة المفتح والأبلة وعبّادان فمسافته من ابتدائه الى انتهائه خمسمائة فرسخ وقيل ستمائة فرسخ ودجلة ومخرجها من الإقليم الخامس من عيون بناحية آمد من الموضع المعروف بحصن ذي القرنين وتمر بجزيرة ابن عمر وباسورين وقبر سابور من بلاد قردى وبازبدى وباهدرا وبلد والموصل ويصب فيها الزاب الأكبر فوق العمر؟
المعروف بعمر بارقانا من كورة المرج وذلك بين الموصل والحديثة من الجانب الشرقي على فرسخ من الحديثة ومبدأ هذا النهر من بلاد مشنكهر حده بين آذربيجان وبابغيش ما بين ارض قطينا والموصل من عين في رأس جبل هنالك ينحدر، وهو شديد الحمرة ويجرى في جبال واودية وحزونة ويصفو من حمرته، ويمر بباشزّى وأرض حفتون الى أن يصب في دجلة على ما ذكرنا فتكون مسافته الى أن يصب اليها نحوا من عشرة أيام والزاب الأصغر فوق السن على ميل منها في الموضع المعروف بدير ابن كامش، ومخرجه من الموضع المعروف بدينور، والجبال المعروفة بسلق من رساتيق آذربيجان مما يلي شهرزور ومسافة جريانه إلى أن يصب في دجلة نحو من
[ ٤٧ ]
خمسة عشر يوما ثم تمر دجلة بمدينة السلام، فإذا خرجت عنها صبت إليها أنهار كثيرة من الجانب الشرقي منها ديالى ونهربين والنهروان، ومخرجه من جبال أرمينية وسيسر من بلاد آذربيجان وشهرزور وبلاد الصامغان، ثم يجتمع وينتهى الى الموضع المعروف بباصلوى. ومما يلي جلولا وخانقين من طريق خراسان فسمى هناك تامرا، ويستمد من القواطيل الآخذة من دجلة ويصير الى الموضع المعروف بباجسرى على فرسخين من دسكرة الملك، وهناك يسمى النهروان ويمر ببلاد بعقوبا ويشق مدينة النهروان وهي جانبان وجسر بوران وعبرتا وبرزاطيا وإسكاف بنى الجنيد ويصب الى دجلة بناحية جرجرايا، ثم تصير دجلة الى واسط حتى تصب في بطيحة البصرة وتنتهي الى البحر وقد ذكرنا (في كتاب الاستذكار) سبب انخراق دجلة وخروجها عن عمودها وذلك في أيام كسرى أبرويز ملك فارس وكان مجراها في جوخى وتغريقها طسوج الثرثور من بلاد كسكر وغيره حتى صارت بطائح على ما قدمنا. وآثار عمود دجلة الى وقتنا هذا بين فم الصّلح وبهندف وبادرايا وباكسايا وفامية العراق الى بلاد باذبين ودبربى وقرقوب والطّيب وشابرزان والدرمكان الى نهرجور والى المذار، وقد يصب في الفرات ودجلة انهار كثيرة مثل سربط وساتيدما وأرسناس والزّرم ونهردوشا- وهو بين جزيرة ابن عمر وباسورين وخابور دجلة ومصبه اليها بين باسورين وقبر سابور ومخرجه من عين تعرف بعين البطريق من ارض الزوزان من بلاد ارمينية ويمر بين الجبل الجودي وجبل التنين وغيره وعليه قصور على بن داود الكردي من الرهزادية وغيره، وسفان ومخرجه من ناحية العمر وقارة والجبل المعروف بعلم الشيطان مما يلي
[ ٤٨ ]
جبل طور عبدين وهو جبل فيه بقايا الارمان من السريانيين وخابور الفرات ومخرجه من رأس العين وكانت تسمى عين الوردة ومصبه الى الفرات بناحية قرقيسيا، وغير ذلك من الأنهار فمقدار مسافة دجلة من ابتدائها الى انتهائها نحو من أربعمائة فرسخ وقيل أكثر من ذلك ومنها نهر مهران السند، ومخرجه من الإقليم الخامس من عيون في اعالى السند وجبالها من ارض قنّوج من مملكة بوورة وارض قشمير والقندهار والطافي حتى ينتهى الى مدينة المولتان، وتفسير المولتان فرج الذهب. وهناك يسمى مهران ثم ينتهي الى بلاد المنصورة ويصب في البحر على نحو من فرسخين من مدينة الديبل من ساحل السند وبين المنصورة وبين البحر نحو من سبعة أيام وفيه السوسمار وهو التمساح على حسب ما يكون في نيل مصر وزيادته في وقت زيادته وله بطائح وآجام عظيمة من القنا والقصب نحو من ثلاثمائة فرسخ فيه جنس من السند يقال لهم الميد وهم خلق عظيم حزب لأهل المنصورة، ولهم بوارج في البحر تقطع على مراكب المسلمين المجتازة الى ارض الهند والصين وجدة والقلزم وغيرها كالشوانى في بحر الروم وقد ذكر ابو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ في كتابه في الاخبار عن الأمصار وعجائب البلدان: ان مخرج مهران السند والنيل من موضع واحد، واستدل على ذلك باتفاق زيادتهما وكون التمساح فيهما وان سبيل زراعتهم في البلدين واحد، ولا أدرى كيف ذلك وقع له وقد توجد التماسيح في أكثر اخوار الهند وهي الخلجانات كخور صند ابور وخلجان الزابج وغيرها وتلحق الناس وسائر الحيوانات منها الاذية على حسب ما يلحق أهل مصر وحيواناتهم وقد يتشعب من مهران هذا نهر آخر يسمى مهران الصغير فمقدار مسافة مهران الكبير من ابتدائه الى انتهائه نحو من خمسمائة فرسخ وقيل أكثر من ذلك
[ ٤٩ ]
ومنها نهر الهند العظيم المعروف بجنجس وهو أعظم من مهران وعليه مساكن كثير من الأمم من أصناف الهند وغيرهم، ومخرجه من جبل بناحية التبت لا عمارة بينه وبين التبت الى ان يصب في هذا البحر مما يلي الجزيرة المعروفة بجزيرة العراة من جزائر الهند، فمسافته من ابتدائه الى انتهائه اربعمائة فرسخ وقيل خمسمائة فرسخ. وعلى هذا النهر كان التقاء الإسكندر بن فيلبس وفور ملك الهند، لا تناكر بين الهند في ذلك وغير ذلك من الأنهار العظام كأنهار بلاد الأهواز، المشرقان، ودجيل، وغيرهما وأنهار فارس وكرمان والهيرمند، نهر سجستان، وغزنين، والدّوار، وغير ذلك من بلاد زابلستان وكابل وتيز مكران والسند والهند والصين وجبال الصغد وفرغانة وغير ذلك مما أحاط به من الممالك