والبحر الخزري هو بحر الخزر والباب والأبواب وأرمينية وآذربيجان وموقان والجيل والديلم وآبسكون وهي ساحل جرجان وطبرستان وخوارزم وغير ذلك من دور الأعاجم ومساكنهم المطيفة به طوله ثمانمائة ميل وعرضه ستمائة ميل وقيل أكثر من ذلك وهو مصرانى الشكل الى الطول ما هو، ومن الناس من يسميه البحر الخراساني لاتصاله ببلاد خوارزم من أرض خراسان وعليه كثير من بوادي الغزّية من الترك في مفاوز هنالك، وعليه أيضا الموضع المعروف بباكه وهي النفّاطة من مملكة شروان مما يلي الباب والأبواب، ومن هناك يحمل النفط الأبيض وهناك آطام وهي عيون النيران تظهر من الأرض، وفيه جزائر مقابل النفاطة فيها عيون للنيران كبيرة، ترى في الليل على مسافة نائية وقد ذكرنا في كتاب (مروج الذهب ومعادن الجوهر) اخبار سائر الآطام مما في المعمور من الأرض كأطمة صقلّيّة المقدم ذكرها وأطمة وادي برهوت من
[ ٥٣ ]
بلاد الشحر وحضرموت وآطام البحر الخزري والباب والأبواب وأطمة آسك من بلاد الهنديجان وذلك بين بلاد فارس والأهواز، ترى بالليل من مسيرة أكثر من أربعين فرسخا وأمرها أشهر لكثرة السفر في ذلك الطريق واطمة اربوجان مما يلي السيروان من بلاد ماسبذان وهي المعروفة بحمة تومان مما يلي منجلان وذلك يرى على أربعين فرسخا من بغداد على طريق البندنيجين وأبراز الروز وكالاطمة العظيمة التي في مملكة المهراج ملك جزائر الزابج وغيرها في البحر الصيني منها كله وسربزة والمهراج سمة لكل من ملكها وملكه لا يضبط كثرة ولا تحصى جنوده، ولا يستطيع أحد من الناس ان يطوف في أسرع ما يكون من المراكب بجزائره في سنتين جميعها عامر قد حاز هذا الملك أنواع الطيب والافاويه فليس لأحد من الملوك ما له ومما يجهز من أرضه من ذلك الكافور والعود والقرنفل والصندل والجوزبوا والقاقلة والكبابة وغير ذلك وهذه الأطمة في جبال في اطراف جزائره فهي بالنهار سوداء لغلبة ضوء الشمس وبالليل حمراء يلحق لهبها بأعنان السماء لعلوها وذهابها في الجو ويظهر منها كأشد ما يكون من أصوات الرعود والصواعق وربما يظهر منها صوت عجيب مفزع يسمع على المسافة النائية ينذر بموت بعض ملوكهم وربما يكون اخفض من ذلك فينذر بموت بعض رؤسائهم فقد عرف بما ينذر من ذلك موت الملوك من غيرهم بطول العادات والتجارب على قديم الزمان، وان ذلك غير متخلف وتلى هذه الجبال الجزيرة التي يسمع منها على دوام الأوقات كأصوات العيدان والسرنايات والطبول وسائر أنواع الملاهي المطربة وكأنواع الرقص والتصفيق يميز السامع لذلك بين صوت كل نوع منها والبحريون من أهل سيراف وعمان وغيرهم ممن اجتاز بتلك النواحي يزعمون ان الدجال في
[ ٥٤ ]
تلك الجزيرة وأمرها مشتهر، وغير ذلك من الآطام ومما يصب الى هذا البحر من الأنهار العظام المشهورة نهر ارتيش الأسود ونهر ارتيش الأبيض وهما عظيمان يزيد كل واحد منهما على دجلة والفرات وبين مصبيهما نحو من عشرة أيام وعليهما مشتى ومصيف الكيماكية والغزية من الترك ونهر الكر الّذي يجتار ببلاد تفليس ومدينة صغدبيل من ارض جرزان ثم ببلاد برذعة ويجتمع مع نهر الرس الّذي هو نهر ورثان فيصبان جميعا فيه ونهر اسبيذروذ ومخرجه من ناحية سيسر وشاه روذ وهما يجتازان ببلاد آذربيجان والديلم ونهر الخزر الّذي يمر بمدينة اتل دار مملكة الخزر في هذا الوقت وكانت دار مملكتهم قبل ذلك مدينة بلنجر. واليه يصب نهر برطاس، وبرطاس امة عظيمة من الترك بين بلاد خوارزم ومملكة الخزر الا انها مضافة الى الخزر تجرى في هذا النهر السفن العظام بالتجارات وأنواع الأمتعة من بلاد خوارزم وغيرها، ومن بلاد برطاس تحمل جلود الثعالب السود، وهي أكرم الأوبار وأكثرها ثمنا، ومنها الأحمر والأبيض الّذي لا يفضل بينه وبين الفنك والخلنجي وشرها النوع المعروف بالأعرابي وليس يوجد الأسود منها في العالم الا في هذا الصقع وما قرب منه، ويتباهى ملوك الأمم من الأعاجم بلبس هذه الجلود ويتخذ منها القلانس والفراء ويبلغ الأسود منها الثمن الكثير، وقد يحمل منه الى ناحية الباب والأبواب وبرذعة وغير ذلك من بلاد خراسان، وربما يحمل الى بلاد الجربي من أرض الصقالبة لاتصالها بالجربى، ثم الى بلاد الافرنجة والأندلس ويصار بهذه الجلود من السود والحمر الى بلاد المغرب فيتوهم المتوهم أنها من بلاد الأندلس وما اتصل بها من ديار الافرنجة والصقالبة، وطبعها حار
[ ٥٥ ]
يابس شديد الحرارة يدل على ذلك مرارة لحمه، وجلده أشد حرا من جلود سائر الأوبار وهو يشبه في مزاجه بالنار لغلبة الحرارة واليبس عليه يصلح لبسه للمرطوبين والشيوخ، وقد كان المهدي في مقامه بالري أحبّ امتحان اى الأوبار أشد حرارة، فعمد الى عدة قوارير فملأها ماء وشد رءوسها بأنواع من الأوبار، وكان ذلك في سنة شديدة البرد كثيرة الثلج، ثم دعا بها حين أصبح فوجدها جامدة إلا ما شد رأسه بجلد الثعلب الأسود فإنه لم يجمد، فعلم انه أشدها حرا ويبسا ومنها نهر الخزر، المعروف بأوم، وهو من أعظم دجلة والفرات والنهر العظيم المعروف بكرك روذ تفسير ذلك نهر الذئب وتنحلب اليه المياه من جبل القبق ومصبه هذا الى البحر مما يلي الباب والأبواب، وعليه هناك قنطرة عظيمة عجيبة البناء نحو من قنطرة سنجة وقنطرة سنجة احدى عجائب العالم وهي بناحية سميساط من الثغور الجزرية وسنجة نهر تعرف القنطرة به يصب الى الفرات ومنها نهر كالف وهو جيحون نهر بلخ والترمذ وخوارزم مبدؤه من عيون في الإقليم الخامس وراء الرباط المعروف ببدخشان، وهو على نحو عشرين يوما من مدينة بلخ، وآخر اعمالها من ذلك الوجه وهذا الرباط ثغر بإزاء أجناس من الترك يقال لهم أوخان وتبت وأيغان حضر وبدو ويعرف هذا النهر هناك بهذا الجنس أيغان وتصب اليه انهار كثيره وينحلب اليه مياه عظيمة فيكمل هذا النهر فوق مدينة الترمذ بفرسخين ويدعى هذا الموضع ما له ويعظم ماؤه وبكثر ويستبحر ويأتى الترمذ وهي عالية راكبة عليه من الجانب الشرقي مقابلة لرباط لبلخ من الجانب الغربي على اثنى عشر فرسخا من بلخ وهذا الموضع أضيق أعبار هذا النهر وأغزرها ماء عرضه نحو من ميلين وقد ينبسط في غير هذا العبر كعبر زمّ وهو أسفل من عبر الترمذ بنحو من أربعين فرسخا، وزم مدينة
[ ٥٦ ]
من الجانب الغربي بالقرب من هذا العبر بين رمال ودهاس وما قابلها من المشرق فلا عمارة فيها وهي صحراء تؤدى الى بلاد نخشب وسمرقند وغيرها وعبر آموا وهو أسفل من عبر زم بنحو خمسين فرسخا وآموا مدينة في الجانب الغربي على نحو اربعة أميال من النهر يقابلها من الجانب الشرقي منه مدينة يقال لها فربر على ميلين من هذا النهر ومن فربر الى بخارى دار مملكة آل إسماعيل بن احمد بن أسد بن احمد ابن سامان خداه صاحب خراسان ثمانية عشر فرسخا منها خمسة عشر الى السور الأعظم المحيط ببخارى وعمائرها، ومن باب السور الى مدينة بخارى ثلاثة فراسخ بنى هذا السور ملك من ملوك الصغد في سالف الدهر مانعا لغارات أجناس الترك ودافعا لأذيتهم، وجدد في أيام المهدي وقد كان تهدم على يدي ابى العباس الطوسي أمير خراسان على ما ذكر سلمويه في كتابه في الدولة العباسية وأمراء خراسان وعبر خوارزم وهو أسفل من عبر آموا بنحو سبعين فرسخا، يقال إن الإسكندر بن فيلبس الملك قطع عبر الترمذ في خمسة أشهر بجسر عقده من خمسمائة سفينة لكثرة جنوده واتباعه ثم يأتى هذا النهر بلاد خوارزم ويصب في البحيرة المعروفة بالجرجانية والجرجانية مدينة بالقرب من هذا المصب وهي من أعظم البحيرات في المعمور مسافتها نحو من أربعين يوما في مثلها ويخرج من هذه البحيرة انهار عظيمة تصب في البحر الخزري، الى هذه البحيرة يصب نهر الشاش وهو مغيض وجوب لا يسقى بلاد الشاش وإنما سقيهم وشربهم من نهر عظيم يعرف بترك يصب في النهر هو ونهر فرغانة ونهر خجندة أيضا ويمر ببلاد الفاراب وقد عظم واستبحر وتجرى فيه السفن إلى هذه البحيرة بأنواع الأمتعة حتى تخرج إلى بلاد
[ ٥٧ ]
خوارزم من مصب جيحون وهذا النهر يتبحر في إبان زيادته وذلك من أول كانون الثاني فيركب الأرض من الجهة المقابلة لبلاد فاراب لانخفاضها أكثر من ثلاثين فرسخا عرضا والقرى والضياع على رءوس التلال والروابي كالقلاع، لا سبيل لبعضهم الى بعض إلا في الزواريق وسبيل هذا الموضع في الشرب سبيل نيل مصر في الزيادة الا أن أوقاتها مختلفة فيركب الأرض وينبسط عليها ما لا يركبه نيل مصر، لأن أكثر ما يركب نيل مصر الأرض من جانبيه نحو من فرسخين سيحا وفي خلجان وقد قيل إن نهر جيحون ينتهى الى آجام وبطائح فيغور فيها وقد قيل إنه يصب في بحر الهند مما يلي كرمان وقد دخلنا بلاد فارس وكرمان وسجستان صرودها وجرومها فلم نجد لذلك حقيقة لأن الأنهار التي تصب ببلاد كرمان إلى البحر من ناحية هرموز ساحل كرمان وغيرها معروفة، فيكون مسافة جريان جيحون على وجه الأرض من مبدئه إلى مصبه في هذه البحيرة نحوا من أربعمائة فرسخ وقيل أكثر من ذلك وقيل أقل منه