والبحر الثاني وهو الرومي هو بحر الروم والشأم ومصر والمغرب والأندلس والافرنجة والصقالبة ورومية وغيرهم من الأمم، طوله خمسة آلاف ميل وعرضه مختلف فمنه ثمانمائة ميل ومنه سبعمائة ميل ومنه ستمائة وأقل من ذلك وأكثر على حسب مضايقة البر للبحر والبحر للبر على مرور الأزمان وذهب قوم الى أن طوله ستة آلاف ميل، وأعرض موضع فيه أربعمائة ميل، ومبدؤه خليج آخذ من بحر أوقيانوس المحيط يعرف بالزّقاق معترض بين طنجة وسبتة من سواحل افريقية وبين سواحل جزيرة أم حكيم وغيرها من سواحل جزيرة الأندلس، عرضه هنالك نحو من عشرة أميال، وجريته بينة تكون من مبدئه الى أن يتسع ويعظم نحوا من ثلاثة أيام ومما يصب الى هذا البحر من الأنهار العظام المشهورة النيل ومبدؤه من عين
[ ٥٠ ]
تخرج من جبل القمر وراء خط الاستواء بسبع درج ونصف، وذلك مائة فرسخ وأحد وأربعون فرسخا وثلثا فرسخ، يكون أميالا أربعمائة ميل وخمسة وعشرين ميلا ثم يتشعب من هذه العين عشرة أنهار تصب كل خمسة منها في بطيحة من بطيحتين في الناحية الجنوبية وراء خط الاستواء ثم يتشعب من كل بطيحة منها ثلاثة أنهار تجتمع جميعا الى بطبحة في الإقليم الأول فيخرج من هذه البطيحة نيل مصر فيقطع بلاد السودان ويمر بمدينة علوة دار مملكة النوبة، ثم بمدينة دنقلة لهم أيضا ويخرج عن الإقليم الأول حتى ينتهى الى الإقليم الثاني ويصير الى مدينة أسوان من صعيد مصر، وهي أول مدن الإسلام مما يلي النوبة ثم يقطع صعيد مصر ويمر بفسطاطها الى أن يصب في البحر الرومي من مصاب كثيرة وذلك في الإقليم الثالث ومن خط الاستواء الى مدينة الاسكندرية التي اليها ينتهى أحد مصبات النيل على شاطئ البحر ثلاثون درجة تكون من الأميال ألف ميل وثمانمائة ميل وعشرين ميلا يكون فراسخ ستمائة فرسخ وستة فراسخ وثلثي فرسخ فيكون من مبدئه من جبل القمر الى منتهاه في البحر الرومي سبعمائة فرسخ وثمانية وأربعين فرسخا وثلثي فرسخ، تكون أميالا ألفين ومائتين وخمسة وأربعين ميلا ومن الناس من يرى أن من مبدئه الى مصبه ألف فرسخ ومائة فرسخ ونيفا وثلاثين فرسخا ويقرب من جبل القمر هذا كثير من أحواز الزنج ومساكنهم الى أن يتصل ذلك ببلاد سفالة الزنج وجزيرة قنبلو وأهلها مسلمون وبلاد بربرا وحفونى وقد ذكرنا فيما سلف من كتبنا العلة في نسبة هذا الجبل الى القمر وما يظهر فيه من التأثيرات البينة العجيبة عند زيادة القمر ونقصانه، وما قالته الفلاسفة في ذلك وأصحاب الاثنين من المانوية وغيرهم ومنها نهر سيحان وهو نهر أذنة من الثغر الشأمى ومخرجه من مدينة سبحان
[ ٥١ ]
من ناحية ملطية من الثغر الجزري وان كان قد غلب على أكثره في وقتنا هذا الروم والأرمن ونهر جيحان وهو نهر المصيصة من الثغر الشأمى أيضا ومخرجه من الإقليم السابع من عيون وراء بلاد مرعش وبردان نهر طرسوس من الثغر الشأمى ومخرجه من عيون تحت العقبة المعروفة بعقبة الاكواخ من جبل ترابي أحمر مما يلي هرقلة من بند القبادق فإذا جرى نحوا من ميل انقسم قسمين قسم يمضى الى هرقلة وقسم يصير الى طرسوس فإذا صار على بريدين منهما الى الموضع المعروف بالقطالية صب اليه نهر يعرف بالفاتر غزير الماء مخرجه من عقبة تحت العقبة المعروفة بعقبة البراذع يكون جريانه الى أن يصب الى بردان نحو يوم وليلة، وانما سمي الفاتر بالضد لشدة برودته ثم يشق بردان مدينة طرسوس ويصب الى البحر الرومي على ستة أميال منها والأرنط نهر حمص وحماة وشيزر وانطاكية الخارج من القرية المعروفة باللبوة بين حمص ودمشق يشق بحيرة قدس وبحيرة فامية ويصب اليه بالقرب من انطاكية نهر الرقيا الخارج من بحيرة جندارس وغير ذلك من الأنهار العظيمة التي تصب الى هذا البحر من بلاد الأندلس والافرنجة وبلاد الصقالبة ورومية وسائر بلاد الروم واليه ينحلب كثير من مياه الشمال من خليج القسطنطنية الآخذ من بحيرة ما يطس على ما نذكره فيما يرد من هذا الكتاب، وقد ذكرنا فيما سلف من كتبنا العلة في ارتفاع الشمال على الجنوب وكثرة مياهه وقلتها في الجنوب وما قالته الفلاسفة وأصحاب الاثنين وغيرهم من الحكماء في ذلك، وما في هذا البحر من الجزائر العظام كجزيرة قبرس وجزيرة أقريطش وجزيرة صقلّيّة وما يليها من جبل البركان، ومنه تخرج عين النار التي تعرف بأطمة صقلّيّة يستضيء بضوء نارها السفر على أكثر من مائة
[ ٥٢ ]
فرسخ برا وبحرا في الليل، ويرى في شراره إذا علا لهبه في الجو جثث كأبدان الناس وتنعكس الى البحر وتطفو فوق الماء فهو الحجر الأبيض الخفيف الّذي يحك به الكتابة من الدفاتر والرقوق وغيرها ويعرف بالفنسك ويسمى أيضا القيشورا، وقد يوجد بنواحي هذه الاطمة الحجر المعروف بالشب النافع لأوجاع البطن والمعدة إذا علق عليها وللماء الأصفر وقد يفعل ذلك الحجر المعروف بالبسّد وهو أصل المرجان وهو من هذا البحر يخرج، وفي هذه الأطمة هلك فرفوريوس صاحب كتاب ايساغوجى وهو المدخل الى كتب أرسطاطاليس في المنطق، وقد ذكر ذلك غير واحد ممن تقدم وتأخر منهم يعقوب بن إسحاق الكندي واحمد بن الطيب في أول مختصره لكتب المنطق