وما لكل فصل من المنازل، والتنازع في المبتدإ به منها والاصطقصات، وما اتصل بذلك الازمنة أربعة: الربيع، والصيف، والخريف، والشتاء، فالزمان الأول الربيع وهو طبيعة الدم حار رطب، مدته ثلاثة وتسعون يوما وثلاث وعشرون ساعة وربع ساعة، وذلك من عشر تبقى من أذار إلى ثلاثة وعشرين يوما تخلو من حزيران، وهو من نزول الشمس أول دقيقة من الحمل، وهو الاستواء الربيعيّ إلى دخولها أول دقيقة من السرطان، وهو المنقلب الصيفي والزمان الثاني: الصيف وهو حار يابس، سلطانه المرة الصفراء، مدته اثنان وتسعون يوما وثلاث وعشرون ساعة وثلث ساعة، وذلك من ثلاثة وعشرين يوما تمضى من حزيران الى أربعة وعشرين تمضي من أيلول، وهو من دخول الشمس أول دقيقة من السرطان إلى دخولها أول دقيقة من الميزان والزمان الثالث: الخريف، وهو بارد يابس، سلطانه المرة السوداء مدته ثمانية وثمانون يوما، وسبع عشرة ساعة، وثلث خمس ساعة. وذلك من أربعة وعشرين يوما تمضى من أيلول إلى اثنين وعشرين يوما تخلو من كانون الأول وذلك من نزول الشمس أول دقيقة من الميزان، وهو الاستواء الخريفي الى نزولها أول دقيقة من الجدي، وهو المنقلب الشتوي والزمان الرابع: الشتاء، وهو بارد رطب سلطانه البلغم، مدته تسعة وثمانون
[ ١٣ ]
يوما وأربع عشرة ساعة من تسع تبقى من كانون الأول إلى أحد وعشرين يوما تخلو من أذار، وذلك من دخول الشمس أول دقيقة من الجدي الى نزولها أول دقيقة من الحمل.
فانقسام فصول السنة بالأزمان الأربعة إنما هو بحركة الشمس في الجملة قال المسعودي: فقد تبين بما ذكرنا أن مدة زمان الربيع مسير الشمس في ثلاثة أبراج وهي الحمل والثور والجوزاء. ومدة زمان الصيف مسير الشمس في ثلاثة أبراج هي السرطان والأسد والسنبلة، ومدة زمان الخريف مسير الشمس في ثلاثة أبراج هي الميزان والعقرب والقوس، ومدة زمان الشتاء مسير الشمس في ثلاثة أبراج وهي الجدي والدلو والحوت فما أعجب واتقن اشتباك أمر العالم بعضه ببعض ونظمه! إنا إذا خرجنا من ربع الصيف الى ربع الخريف، فانا نخرج من ربع حار يابس إلى ربع بارد يابس فاختلف الربعان في الحر والبرد، واتفقا في اليبس. وإذا خرجنا من ربع الخريف الى ربع الشتاء خرجنا من ربع بارد يابس إلى ربع بارد رطب، فاختلفا في اليبس واتفقا في البرد. وإذا خرجنا من ربع الشتاء الى ربع الربيع خرجنا من ربع بارد رطب الى ربع حار رطب فاختلفا في الحر واتفقا في الرطوبة فقد تبين انا لم نخرج من ربع حار رطب الى ربع بارد يابس ولا من ربع بارد رطب الى ربع حار يابس فتأمل حكمة البارئ جل وعز في نظمه الاستقصات الأربعة في العالم السفلى اعنى الأرض والماء والهواء والنار فإنك تجدها على هذا الترتيب مؤلفة تجد الأرض وهي باردة يابسة ثم الماء وهو بارد رطب ثم الهواء وهو حار رطب ثم النار وهي حارة يابسة، فالماء الّذي يلي الأرض يوافقها في البرودة ويختلفان في
[ ١٤ ]
الرطوبة واليبس، والهواء الّذي يلي الماء يوافقه في الرطوبة ويختلفان في الحر والبرد، والنار التي تلى الهواء توافقه في الحر ويختلفان في اليبس والرطوبة وكذلك أيضا الزمان فإنه مقسوم بأربعة أقسام فقسم ربيعي دموى هوائي، وقسم صيفي صفراوى ناري، وقسم خريفي سوداوى ارضى، وقسم شتائى بلغمي مائي فسبحان من دبر الأمور بحكمته وأتقنها بقدرته فلا يوجد فيها خلل، ولا يبين فيها زلل. إذ كان الإهمال لا يأتى بالصواب والتضاد لا يأتى بالنظام.
وقد شبه ابطلميوس فصل الربيع بفصل الطفولية وفصل الصيف بالشباب والخريف بالكهولة والشتاء بالشيخوخة وقد تنازع من تقدم وتأخر من حكماء الأمم وفلاسفتهم في المبتدإ به من فصول السنة ومداخلها وأوائلها ومددها، فمنهم من اختار تقديم الفصل الربيعيّ وصيره أول السنة لأنه الوقت الّذي يبتدئ النهار فيه بالزيادة وأنه مع ذلك رطب والرطوبة ولية بان تكون ابتداء الأشياء الكائنة ومنهم من اختار تقديم الانقلاب الصيفي لأنه الوقت الّذي فيه كمال طول النهار وأن مد النيل بمصر فيه يكون وفيه تطلع الشعرى اليمانية التي تقطع السماء عرضا ومنهم من اختار تقديم الاعتدال الخريفي لأن جميع الثمار فيه تستكمل والبذور فيه تبذر وانما سمى الخريف لان الثمار تخترف فيه اى تجتنى والعرب تسميه الوسمي بالمطر الّذي يكون فيه وذلك ان أول المطر يقع على الأرض وهي بعيدة العهد بالرطوبة وقد يبست بالصيف فتسميه بهذا الاسم لانه يسم الأرض، وهم يبتدءون من الأزمان بهذا الفصل لأن المطر الّذي به عيشهم فيه يبتدئ، ومنهم من اختار تقديم الانقلاب الشتوي لأن النهار فيه يبتدئ باسترداد ما نقص منه والازدياد في طوله وقد ذكر ذلك ابطلميوس القلوذى في كتابه المعروف
[ ١٥ ]
بالأربع مقالات. وفي كتابه في الأنواء الّذي ذكر فيه أحوال أيام السنة كلها وما يحدث فيها من طلوع الكواكب وغروبها، فاذ ذكرنا الأخبار عن قسمة الازمنة وفصول السنة وما اتصل بذلك فلنذكر الرياح ومهابها وما لحق بذلك