قد ذكرنا فيما سلف من كتبنا تواتر النذارات، وما ظهر في العالم من الآيات المؤذنة بمولد نبينا ﷺ ونبوته، وما أيد الله به عند مبعثه من المعجزات والدلائل والعلامات، مثل إنبائه بالكائنات قبل كونها، وإطعامه الخلق الكثير من الزاد القليل، وهطل الغمام، ونطق الذراع، وتحويله الماء المالح عذبا، وإروائه الخلق الكثير من الماء اليسير، وغير ذلك.
وما أتى به من القرآن المعجز الّذي عجز الخلق أن يأتوا بمثله مع تحديه إياهم وتقريعهم بالعجز عنه.
فأغنى ذلك عن إعادة شيء منه في هذا الكتاب لشرطنا فيه على أنفسنا الاختصار والإيجاز، ونحن بادئون بحصر التاريخ من مولده ﷺ كان مولد رسول الله ﷺ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد وإنما لم نتجاوز بنسبه ﷺ معدا لنهيه عن ذلك بقوله كذب النسابون وإذا كان التنازع بين معد وإسماعيل بن إبراهيم يكثر ويختلف، في
[ ١٩٥ ]
العدد والأسماء.
والعمل الموروث الّذي يقطع عليه ولا ينازع فيه، اتصال نسبه الى معد بن عدنان وقد استقصينا شرح ذلك، وما قيل فيه من الوجوه في كتاب (الاستذكار، لما جرى في سالف الأعصار) وأتينا فيما سلف من هذا الكتاب على ما اشتهر واستفاض من اتصال معد بإسماعيل بن إبراهيم، وما بين إبراهيم وآدم من الآباء، على ما ذكره أهل الكتاب وأهل النسب ويكنى أبا القاسم، وأمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب- عام الفيل، لثمان خلون من شهر ربيع الأول وقيل لعشر، وهو اليوم الثامن من دى ماه سنة ١٣١٧ من بدء ملك نصر. واليوم العشرون من نيسان سنة ٨٨٢ للإسكندر بن فيلبس الملك، وسنة ٣٩ من ملك أنوشروان خسرو بن قباذ بن فيروز، وذلك بعد قدوم أصحاب الفيل مكة بخمسة وستين يوما، وقيل أقل من ذلك. وكان قدومهم مكة يوم الأحد لخمس ليال خلون من المحرم.
وتوفى أبوه عبد الله بن عبد المطلب وهو ﵊ حمل. وقيل بل مات بعد مولده بشهر، وقيل بل في السنة الثانية من مولده، وقيل بعد ثمانية وعشرين شهرا من مولده، وأنه كان خرج في تجارة إلى الشام وتوفى بالمدينة وله خمس وعشرون سنة ودفع ﵊ الى حليمة بنت أبى ذؤيب، وهو عبد الله بن الحارث ابن شجنة بن جابر بن رزام بن ناصرة بن قصية بن نصر بن سعد بن بكر ابن هوازن لترضعه فأرضعته بلبن بنيها عبد الله والشيماء وأنيسة بنى الحارث بن عبد العزى بن رفاعة بن ملان بن ناصرة بن قصية بن نصر بن سعد بن بكر والشيماء التي كان النبي ﷺ عضها على كتفها، وهي تحمله في حال صباه، فلما هزمت هوازن بحنين، واحتوى رسول الله ﷺ
[ ١٩٦ ]
على أموالهم وذراريهم سارت اليه الشيماء، فاستعطفته وذكرته وأرته أثر العضة فعرفها ﵊ وكان ذلك أحد أسباب رد رسول الله ﷺ وسائر بنى هاشم وبنى عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ما صار إليهم من ذلك السبي، ورد أصحابه ما صار إليهم منه حين رأوا ذلك منه ﵊.
وكان مقامه ﷺ مسترضعا فيهم أربع سنين، فلما كان في السنة الخامسة ردته حليمة الى أمه آمنة، فلما كان في السنة السابعة من مولده أخرجته أمه إلى أخوال جده عبد المطلب بن هاشم من بنى عدي بن النجار بالمدينة يزورهم، وأم عبد المطلب سلمى ابنة زيد بن عمرو بن لبيد بن حرام ابن خداش بن جندب بن عدي بن النجار، فتوفيت أمه ﵊ بالأبواء، وقدمت به أم أيمن وهي أم أسامة بن زيد بن حارثة إلى مكة وفي السنة الثامنة من مولده توفى جده عبد المطلب، فضمه أبو طالب إليه فكان في حجره حتى بلغ ثلاث عشرة سنة، فخرج معه في تجارة إلى الشام، فنظر إليه بحيرا الراهب، فبشر بنبوته، وأخبر بعلاماته وحضر ﷺ حرب الفجار، وحلف الفضول، على ما قدمنا فيما سلف هذا الكتاب وله عشرون سنة ولما كمل خمسا وعشرين سنة خرج في تجارة لخديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، إلى الشأم مع غلامها ميسرة، فنظر نسطور الراهب الى إظلال الغمامة إياه، وظهور الآيات فيه فبشر بنبوته، ولما عاد الغلام أخبر خديجة بذلك، فأرسلت اليه في تزويجها فتزوجها فلما كمل خمسا وثلاثين سنة شهد بنيان الكعبة، وتراضت به قريش في وضع الحجر الأسود، حين كثر من قبائلهم التنازع في ذلك، فوضعه رسول الله
[ ١٩٧ ]
ﷺ في موضعه فلما بلغ أربعين سنة بعثه الله ﷿ الى الناس كافة يوم الاثنين لعشر خلون من شهر ربيع الأول، وهو اليوم الثالث والعشرون من آبان ماه سنة ١٣٥٧ من ملك نصر، واليوم الثامن من شباط سنة ٩٢١ للإسكندر الملك، وله ﷺ يومئذ أربعون سنة وتنوزع في أول من آمن به من الذكور، بعد إجماعهم على أن أول من آمن به من الإناث خديجة. فقال فريق منهم أول ذكر آمن به على بن أبى طالب- هذا قول أهل البيت وشيعتهم، وروى ذلك عبد الله بن عباس بن عبد المطلب وجابر بن عبد الله الأنصاري، وزيد بن أرقم في آخرين وتنوزع في سنه يوم أسلم فقال فرقة كانت سنة يومئذ خمس عشرة سنة، وقال آخرون ثلاث عشرة سنة، وقيل إحدى عشرة سنة، وقيل تسع، وقيل ثمان، وقيل سبع، وقيل ست، وقيل خمس وهذا قول من قصد الى إزالة فضائله، ودفع مناقبه ليجعل إسلامه إسلام طفل صغير، وصبي غرير، لا يفرق بين الفضل والنقصان، ولا يميز بين الشك واليقين، ولا يعرف حقا فيطلبه، ولا باطلا فيجتنبه وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب، عند ذكرنا خلافته ووفاته جملا مما قيل في ذلك، وإن كنا قد ذكرناه فيما سلف من كتبنا مفسرا مشروحا وأتينا على قول كل فريق من هؤلاء، وما احتج به لمذهبه، وصحح به قوله، والكلام بين متكلمي العثمانية والزيدية من معتزلة البغداديين القائلين بامامة المفضول، وغيرهم من البترية، وفرق الزيدية والقطعية بالإمامة الاثنا عشرية منهم الذين أصلهم في حصر العدد ما ذكره سليم بن قيس الهلالي في كتابه، الّذي رواه عنه أبان بن أبى عياش أن النبي صلّى
[ ١٩٨ ]
الله عليه وسلّم قال لأمير المؤمنين على بن أبى طالب ﵇ أنت واثنا عشر من ولدك أئمة الحق ولم يرو هذا الخبر غير سليم بن قيس وأن إمامهم المنتظر ظهوره في وقتنا هذا المؤرخ به كتابنا: محمد بن الحسن بن على بن محمد بن على بن موسى بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين ابن على بن أبى طالب رضوان الله عليهم أجمعين وأصحاب النسق منهم القائلون بأن الله ﷿ لا يخلى كل عصر من إمام قائم للَّه بحق ظاهر أم باطن. ولم يقطعوا على عدد محصور، ولا وقت معين مفهوم. وأن ذاك نص من الله ورسوله على اسم كل امام وعينه، الى أن يفنى الله ﷿ الأرض ومن عليها.
وإنما سموا القطعية لقطعهم على وفاة موسى بن جعفر وتركهم الوقوف عليه.
وغيرهم من فرق الشيعة وسائر من قال باختيار الامام وأن ذلك الى الأمة أو الى بعضها- من المعتزلة والمرجئة وفرق الخوارج من الازارقة والاباضية والصفرية والنجدات وسائر فرق الخوارج الى هذه الأصناف يرجعون وعنهم يتفرقون والنابتة والحشوية وغيرهم من فقهاء الأمصار وقال آخرون: إن أول من آمن به ﵊ من الرجال أبو بكر الصديق ﵇، روى ذلك عن عمرو بن عبسة، وجبير بن نفير، وإبراهيم النخعي في آخرين وقال آخرون: إن أول من آمن به زيد بن حارثة الكلبي مولاه، روى ذلك عن الزهري، وعروة بن الزبير، وسليمان بن يسار في آخرين وقال آخرون: أولهم إسلاما خباب بن الأرت من بنى سعد بن زيد مناة بن تميم وقال آخرون بلال بن حمامة وكان مقام رسول الله ﷺ بمكة بعد مبعثه ثلاث عشرة سنة وتوفى عمه أبو طالب وله بضع وثمانون سنة، وزوجته خديجة بنت خويلد ولها خمس
[ ١٩٩ ]
وستون سنة، في السنة العاشرة من مبعثه بينهما ثلاثة أيام وقيل أكثر من ذلك وذلك بعد إبطال الصحيفة وخروج بنى هاشم بن عبد المطلب من الحصار في الشعب بسنة وستة أشهر وكان مدة مقامهم في الحصار ثلاث سنين، وقيل سنتين ونصفا، وقيل سنتين على ما في ذلك من التنازع وفي هذه السنة وهي سنة خمسين من مولده كان خروجه الى الطائف، وفي سنة إحدى وخمسين كان المسرى على ما في ذلك من التنازع بين فرق الأمة في كيفيته ثم هاجر ﷺ الى المدينة فدخلها يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، وله ثلاث وخمسون سنة، وذلك في سنة أربع وثلاثين من ملك كسرى أبرويز وأمر عليا ﵁ بالتخلف بعده ليؤدى عنه ودائع كانت للناس عنده، فتخلف بعد خروجه ثلاثة أيام، الى أن أدى ما كان عنده من الودائع، ثم لحق به وقد كان رسول الله ﷺ أمر أصحابه قبل هجرته بالهجرة الى المدينة، فخرجوا أرسالا، فكان أولهم اليها قدوما أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد ابن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وعامر بن ربيعة، وعبد الله بن جحش الأسدي، وعمر بن الخطاب، وعياش بن أبى ربيعة وكان أول لواء عقده رسول الله ﷺ بعد قدومه المدينة لحمزة بن عبد المطلب في شهر رمضان لسبعة أشهر من قدومه إياها، في ثلاثين راكبا من المهاجرين، الى العيص من بلاد جهينة يعترض عيرا لقريش جاءت من الشام تريد مكة، فلقى أبا جهل عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة ابن مرة بن كعب بن لؤيّ بن غالب، وهو في ثلاثمائة رجل من أهل مكة، فتحاجزوا من غير قتال، وفي ذلك يقول حمزة:
[ ٢٠٠ ]
بأمر رسول الله أول خافق عليه لواء لم يكن لاح من قبلي
ثم سرية عبيدة بن الحارث الى رابغ، وهي على عشرة أميال من الجحفة لمن أراد من المدينة قديدا، وذلك في شوال لثمانية أشهر من قدومه المدينة، فلقى أبا سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف على الماء المعروف بأحياء. وكان أبو سفيان في مائتين، وعبيدة في ستين راكبا من المهاجرين. وكان بينهم رمى من غير سل السيوف وكان أول من رمى بسهم في الإسلام سعد بن أبى وقاص مالك بن وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب في هذه السرية، وفي ذلك يقول سعد:
ألا هل أتى رسول الله أنى حميت صحابتي بصدور نبلى
فما يعتد رام في معد بسهم يا رسول الله قبلي
وبنى رسول الله ﷺ بعائشة ابنة أبى بكر في شوال، وهي بنت سنين، وقيل دون ذلك، وكان تزوجها بمكة وهي ابنة سبع وقيل ست ثم سرية سعد بن أبى وقاص في ذي القعدة على تسعة أشهر من مهاجرته في عشرين رجلا الى الخرار، وهو من الجحفة قريب من خم، يعترض عيرا لقريش فوافى الموضع وقد سبقه العير.
وفي هذه السنة ولد عبد الله بن الزبير بن العوام، وكان أول مولود ولد في دار الهجرة للمهاجرين، والنعمان بن بشير الأنصار، وهو أيضا أول مولود ولد للأنصار بعد الهجرة.
وفيها كانت وفاة أبى أمامة أسعد بن زرارة الخزرجي من بنى غنم بن مالك ابن النجار في شوال وفيها كان إسلام عبد الله بن سلام.
[ ٢٠١ ]