تنازع الناس في الرياح الأربع ومهابها وطباعها، فقال فريق منهم الرياح اربع شمال وجنوب وصبا ودبور، الصبا من المشرق والدبور من المغرب والشمال من تحت جدي الفرقدين، والجنوب من تحت جدي سهيل فالشمال باردة يابسة وهي ما هب من ناحية الجرّبى وهو الشمال وأشكالها من البروج والكواكب والأمهات وما يشاكل ذلك ويضاف الى البرد واليبس، والجنوب حارة رطبة وهي التي تهب من القبلة وأشكالها كما وصفت مما يضاف الى الحرارة والرطوبة، والدبور باردة رطبة وهي التي تهب من المغرب وكذلك أشكالها، والصبا حارة يابسة وهي التي تهب من المشرق وأشكالها مما هو مضاف الى الحرارة واليبوسة قال المسعودي: وذهب فريق آخر من حكماء الأمم من العرب وغيرهم الى ان الصبا هي القبول وهي ما هب من مطلع الشمس، والدبور التي تهب من المغرب من دبر من استقبل المشرق، فلذلك سميت الدبور، والشمال التي تهب عن شمالك إذا استقبلت المشرق والجنوب التي تهب عن يمينك إذا استقبلت المشرق، وقد ذكرت العرب ذلك في اشعارها قال ابو صخر الهذلي
إذا قلت هذا حين أسلو يهبجنى نسيم الصبا من حيث يطلع الفجر
[ ١٦ ]
وقال هدبة العذري وهو يومئذ بالمدينة مسجونا
ألا ليت الرياح مسخرات بحاجتنا تباكر أو تؤوب
فتخبرنا الشمال إذا أتتنا وتخبر أهلنا عنا الجنوب
وقال آخر
أتانى نسيم من صبا بتحية فحملت مثليها نسيم دبور
قال المسعودي: والرياح محدودة بحسب الآفاق تكون الآفاق اثنى عشرة أفقا والرياح كذلك فالشمال بالحقيقة هي التي تجيء من القطب الظاهر والجنوب من القطب الخفى والصبا من مشرق الاعتدال والدبور من مغرب الاعتدال الا ان الناس لما لم يبن لهم في رأى العين تحديد هذه نسبوا كل ريح تأتى من ناحية المشرق سواء كان من مشرق الاعتدال أو من مشرق الصيفي أو الشتوي أو ما بينهما بعد ان تكون من المشرق الى الصبا وكذلك فعلوا في الدبور واحتذوا ذلك في الشمال. فسموا كل ريح تأتى من جانب القطب الظاهر وما يليه من جانبيه الشمال وكذلك فعلوا بالجنوب أيضا فاما الريح التي تسمي ببلاد مصر المريسية مضافة الى بلاد مريس من أوائل ارض النوبة في أعالى النيل وهو صعيد مصر فهي باردة تقطع الغيوم وتصفي الهواء وتقوى حرارة الأبدان، وما يهب من أسفل النيل من الريح ويسمي أسفل الأرض فهي شمال وتفعل أضداد هذه الأفعال من تختير الأبدان وأهل مصر يسمونها البحرية وتداومها في الصيف يطيب هواءهم ويبرد ماءهم في الليل والنهار فقد تفعل ذلك الريح الغربية في هذا الفصل إلا ان الأغلب في ذلك الشمال، ويقع الوباء إذا دامت المريسية بمصر، كما يقع الوباء بالعراق إذا دامت الريح في أيام البوارح والشمال عندنا ببغداد تهب من اعالى دجلة مما يلى سرمن رأى وتكريت وبلاد الموصل فنقطع السحاب وأيام هبوب المريسية بمصر مقابلة لايام البوارح
[ ١٧ ]
ببغداد، لأن المريسية تهب بمصر في كانون الأول وهو كيهك بالقبطية والبوارح بالعراق تهب في حزيران والجنوب ببغداد تهب من أسفل دجلة مما يلي بلاد واسط والبصرة فتثور دجلة وتكثر الغيوم والأمطار والبوارح تدوم أربعين يوما والمريسية أربعين والهرمان العظيمان اللذان في الجانب الغربي من فسطاط مصر، وهما من عجائب بنيان العالم، كل واحد منهما أربعمائة ذراع في سمك مثل ذلك، مبنيان بالحجر العظيم على الرياح الأربع كل ركن من أركانهما يقابل ريحا منها، فأعظمها فيهما تأثيرا الجنوب وهي المريسي، بتشقيقها الركن المقابل لها منهما، وأحد هذين الهرمين قبر اغاثديمون والآخر قبل هرمس وبينهما نحو من ألف سنة- اغاثديمون المنقدم- وكان سكان مصر وهم الاقباط يعتقدون نبوتهما قبل ظهور النصرانية فيهم، على ما يوجبه رأى الصابئين في النبوات لا على طريق الوحي، بل هم عندهم نفوس طاهرة صفت وتهذبت من أدناس هذا العالم فاتحدت بهم مواد علوية فأخبروا عن الكائنات قبل كونها وعن سرائر العالم وغير ذلك مما يطول وصفه ولا تحتمل كثير من النفوس شرحه، وفي العرب من اليمانية من يرى انهما قبر شداد بن عاد وغيره من ملوكهم السالفة الذين غلبوا على بلاد مصر في قديم الدهر، وهم العرب العاربة من العماليق وغيرهم وقد أتينا في كتاب (فنون المعارف وما جرى في الدهور السوالف) على اخبار سائر اهرام مصر، وهي عند من ذكرنا من الصابئين قبور أجساد طاهرة وأخبار البرابي التي بسائر بلاد مصر وهي بيوت عبادتهم الكواكب السبعة النيرين والخمسة وغيرها من الجواهر العقلية والأجسام السمائية التي هي وسائط بين العلة الاولى وبين الخلق وغير ذلك من أخبار مصر وعجائبها وما خصت به من الفضائل التي لا يشرك أهلها فيها غيرهم من أهل البلدان، وهي محدودة على تخوم إفريقية
[ ١٨ ]
وأرض السودان وبحر الحجاز وبحر الشام وهي البرزخ بين البحرين المذكورين في القرآن: لأن من الفرما التي على ساحل بحر الروم الى القلزم التي هي ساحل بحر الصين مسيرة ليلة يحمل اليها من جميع الممالك المحيطة بهذين البحرين من أنواع الأمتعة والطرائف والتحف من الطيب والأفاويه والعقاقير والجوهر والرقيق وغير ذلك من صنوف المآكل والمشارب والملابس، فجميع البلدان تحمل اليها وتفرغ فيها، ونيلها العجيب أمره الشريف قدره، يمد إذا حسرت مياه الامطار ويحسر إذا مدت، يأتيها في وقت الحاجة الى منفعته فيبدأ مخضرا ثم محمرا ثم كدرا ثم يتدافع بأمواجه ويترامى بسبوله، فتكون زيادته في اليوم الإصبع والإصبعين وأكثر فإذا تناهى مده يغشى الأرض وصارت القرى كالنجوم فوق الروابي والتلال، والمراكب تجرى بأهلها في حاجاتهم من بعض الى بعض قد أعدوا قبل ذلك من أقواتهم وعلوفة حيوانهم ما يكفيهم الى حسوره عنهم وإبان زراعتهم، فدهرها من أربع صفات، فضة بيضاء أو مسكة سوداء أو زبرجدة خضراء أو ذهبة صفراء وذلك أن نيلها يطبقها فتصير كأنها فضة بيضاء، ثم ينضب عنها فتصير مسكة سوداء، ثم تزدرع فيصير زرعها زبرجدة خضراء، ثم يستحصد زرعها ويصفر فتصير ذهبة صفراء وكورها نيف وثمانون كورة ليس منها كورة الا وفيها طريفة أو عجيبة لا تكون في غيرها تنسب الى تلك الكورة وتعرف بها لكل كورة منها مدينة وقد ورد التنزيل بذلك بقوله ﷿ عند ذكره قصة موسى وفرعون (أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ في الْمَدائِنِ حاشِرِينَ) ٧: ١١١ لا مدينة منها الا وفيها عجائب البنيان بالصخور والمرمر والبلاط وعمد الرخام التي لا يوجد مثلها في غيرها من البلدان، تؤتى هذه المدن والكور كلها في الماء ويحمل ما يكون بها
[ ١٩ ]
من الطعام والأمتعة الى فسطاطها، تحمل السفينة الواحدة حمل مائة بعير وأقل وأكثر وهي حجازية شأمية جبلية أما صعيدها وهو أعلاها فأرض حجازية حرها كحر الحجاز تنبت أنواع النخيل الكبير والأراك والدوم والقرظ والهليلج والفلفل والخيار شنبر وأما أسفلها فشأمى يمطر وينبت ثمار الشأم من الكروم واللوز والجوز وسائر الفواكه والبقول والرياحين وأما ناحية الاسكندرية ولوبية والمراقية فبرارى وجبال وغياض وزيتون وكروم جبلية بحرية بلاد عسل لبن ويذكر أهلها انهم أكثر الناس قندا وشهدا وعبدا ونقدا وصوفا بغالا وحميرا وخيلا عاقا ونبيذ العسل الّذي لا يفى به شراب ودقّ تنّيس ودمياط الّذي لا يضاهيه دق ومعدن التبر والزمرد الثمين الّذي لا يوجد الا بها والقراطيس ودهن البلسان وزيت الفجل والقمح اليوسفى وهو أعظم القمح حبا وأطوله شكلا وأثقله وزنا وطرز البهنسا وأسيوط واخميم، ومن نواحي معادنها تحمل الزرافة والكركدن وعناق الأرض، وأن وفاء خراجهاست عشرة ذراعا فان زاد في النيل ذراعا زاد في الخراج مائة ألف دينار بما يروى من الأعالي فان زاد ذراعا أخرى نقص من الخراج مثلها لما يستبحر من البطون والأسافل، والمعمول عليه في وقتنا هذا وهو سنة ٣٤٥ انه ان زاد على الست عشرة ذراعا أو نقص عنها نقص من خراج السلطان قالوا وجميع البلدان في سائر النواحي والآفاق انما تعيش بالامطار وتهلك بإبطائها عنها ومصر مستغنية عن المطر غير مرتاحة ولا محتاجة اليه وسائر أنواع الفواكه والثمار وكثير من الحيوان والألبان لها في جميع البلاد أزمنة وأوقات لا توجد الا فيها ولا تكون الا معها وذلك بمصر موجود غير معدوم في سائر فصول السنة وغير ذلك من فضائلها وخصائصها
[ ٢٠ ]
فاذ قد ذكرنا الرياح ومهابها وما اتصل بذلك فلنذكر الأرض وشكلها ومساحتها والنواحي والآفاق وغير ذلك