ثم سرية غالب بن عبد الله الليثي في صفر إلى بنى الملوح بكديد بين عسفان وقديد.
ثم سرية أيضا في صفر إلى مصاب أصحاب يسير بفدك، وفي هذا الشهر قدم عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص ابن كعب بن لؤيّ بن غالب، وخالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤيّ مهاجرين.
ثم سرية شجاع بن وهب الأسدي في شهر ربيع الأول الى بنى عامر بالسى من ناحية ركبة، مما تلى تربة وركبة وراء معدن بنى سليم من المدينة على خمس ليال.
ثم سرية كعب بن عمير الغفاريّ في هذا الشهر إلى ذات أطلاح، وهي وراء وادي القرى بين تبوك وأذرعات من بلاد دمشق من أرض الشام فقتل أصحابه جميعا وتحامل الى المدينة جريحا.
ثم سرية زيد بن حارثة وجعفر بن أبى طالب وعبد الله بن رواحة الأنصاري من بنى الحارث بن الخزرج في جمادى الأولى لغزو الروم الى مؤتة من ناحية البلقاء من أعمال دمشق من الشأم لقتل شرحبيل بن عمرو الغساني الحارث بن عمير الأزدي رسول رسول الله ﷺ الى صاحب بصرى، ولم يقتل للنّبيّ ﷺ رسول غيره وكانوا في نحو من ثلاثة آلاف فلقيهم جموع الروم في مائة ألف أنفذهم هرقل للقائهم وهو يومئذ مقيم بأنطاكيّة وعلى الروم تيادوقس البطريق، وعلى متنصرة العرب من غسان وقضاعة وغيرهم شرحبيل بن عمرو
[ ٢٣٠ ]
الغساني، فقتل زيد بن حارثة وجعفر بن أبى طالب بعد أن عرقب فرسه، وهو أول فرس عرقبت في الإسلام وجرح نيفا وتسعين جراحة كلها في مقادمه، وعبد الله ابن رواحة ورجع خالد بن الوليد بالناس.
ثم سرية عمرو بن العاص في جمادى الآخرة الى ذات السلاسل وراء وادي القرى بينها وبين المدينة عشرة أيام، فلقيه جموع الروم ومنتصرة العرب فاستمد النبيّ ﷺ فأمده بسرية فيها أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح ﵃، وكان لعمرو في هذه السرية أفعال أنكرت عليه منها صلاته بالناس جنبا، ومنعه إيقاد النار مع حاجتهم اليها لشدة القر وكثرة الجراح وغير ذلك، وبلغ النبي ﷺ ما فعل فأجازه لما ذكر فيه من المصلحة للجيش.
ثم سرية أبى عبيدة بن الجراح في رجب الى أرض جهينة بناحية البحر بينها وبين المدينة خمس ليال.
ثم سرية أبى قتادة النعمان بن ربعي الأنصاري ثم الخزرجي في شعبان الى خضرة أرض محارب بنجد.
ثم سرية أبى قتادة أيضا في هذا الشهر الى بطن إضم بين ذي خشب وذي المروة بينها وبين المدينة ثلاثة برد ثم غزوة رسول الله ﷺ مكة وهي غزوة الفتح سار اليها لثلاث ليال خلون من شهر رمضان في عشرة آلاف من المسلمين فدخلها، وكان استخلف على المدينة أبارهم الغفاريّ.
قال المسعودي: وتنوزع في دخوله أصلحا كان أم عنوة فقال أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي من الأوزاع من حمير في آخرين من أهل الشأم وأهل العراق وغيرهم من أهل الظاهر كأبى سليمان داود بن على الأصبهاني وغيره
[ ٢٣١ ]
فتح رسول الله ﷺ مكة عنوة فخلى بين المهاجرين وأرضهم ودورهم بمكة ولم يجعلها فيئا واحتجوا بقول النبي ﷺ ألا إن الله حبس الفيل عن مكة وسلط عليهم رسوله والمؤمنين ألا انها لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي وبقوله أترون أوباش قريش أنى لقيتموهم فاحصدوهم حصدا وأمره بقتل ابن خطل وعبد الله بن سعد بن أبى سرح ومقيس بن حبابة وغيرهم، وغير ذلك من الحجاج فقال أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعيّ وموافقته: لم يدخلها رسول الله ﷺ عنوة وانما دخلها صلحا، وقد تقدم لهم أمان بقوله من دخل داره فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ودليل قول الله ﷿:
وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ من بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ٤٨: ٢٤.
وقد روي ان هذه الآية نزلت في غزوة الحديبيّة كذلك حدثنا ابو جعفر محمد بن جرير الطبري عن بشر بن معاذ عن يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة وذهب أبو عبد الله مالك بن أنس الأصبحي من ذي أصبح بن مالك من حمير وغيره من أهل المدينة إلى مثل ذلك فإنهم لما أومنوا على أنفسهم كانت أموالهم تبعا لهم، وقال آخرون منهم ابو عبيد القاسم بن سلام افتتح رسول الله ﷺ مكة ومن على أهلها فردها عليهم ولم يقسمها ولا جعلها فيئا وغير ذلك من الحجاج، وأمر رسول الله ﷺ بقتل عدة، منهم عبد الله بن سعد بن أبى سرح بن حبيب بن جذيمة بن نصر بن مالك بن حسل ابن عامر بن لؤيّ وكان أخا عثمان بن عفان لأمه وأحد من كتب الوحي فارتد مشركا ولحق بمكة، فلما أمر النبي ﷺ بقتله أخفاه عثمان ثم أتى به النبي ﷺ سائلا فيه فصمت النبي ﷺ طويلا
[ ٢٣٢ ]
ثم قال «نعم» فلما انصرف به عثمان قال رسول الله ﷺ لمن حضره من أصحابه أما والله لقد صمت ليقوم اليه بعضكم فيضرب عنقه فقال رجل من الأنصار: فهلا أومأت يا رسول الله؟ فقال إن النبي لا يقتل بالإشارة ومنهم عبد الله بن خطل من بنى تيم بن غالب بن فهر بن مالك، وقيل إن اسمه هلال بن خطل، وابن خطل هو عبد الله وكان رسول الله ﷺ أمره مصدقا وكان معه رجل من الأنصار وغلام له فقتل الغلام لخلاف كان منه عليه وارتد مشركا وكانت له قينتان تغنيان بهجاء النبي ﷺ، فأمر بقتلهما معه، ومقيس بن حبابة من بنى كلب بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر وكان قتل رجلا من الأنصار قتل أخا له خطأ وكان رجع إلى مكة مرتدا، وعكرمة ابن أبى جهل المخزومي، والحويرث بن نقيذ بن وهب بن عبد بن قصي وكان ممن يؤذبه بمكة فقتله على بن أبى طالب ﵇، وسارة مولاة كانت لبني عبد المطلب وكانت ممن يؤذيه بمكة أيضا وبث رسول الله ﷺ السرايا حول مكة وكان أولها سرية خالد بن الوليد في شهر رمضان الى نخلة اليمانية لهدم العزى فهدمها.
ثم سرية عمرو بن العاص في شهر رمضان الى سواع برهاط فهدمه.
ثم سرية سعد بن زيد الأشهلي من الأوس في هذا الشهر إلى مناة بالمشلل فهدمه.
ثم سرية خالد بن سعيد بن العاص الى عرنة.
ثم سرية هشام بن سعيد بن العاص الى يلملم.
ثم سرية الطفيل بن عمرو الدوسيّ في شوال الى ذي الكفين صنم عمرو بن حممة الدوسيّ فهدمه.
[ ٢٣٣ ]
ثم سرية خالد بن الوليد الى بنى جذيمة بن عامر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة وكانوا بأسفل مكة على ليلة منها نحو يلملم، بعثه رسول الله ﷺ داعيا، ولم يأمره بالقتال فقتلهم بالغميصاء، فوداهم رسول الله ﷺ.
ثم غزوة رسول الله ﷺ هوازن وهي غزوة حنين قال المسعودي: وحنين واد الى جانب ذي المجاز بينه وبين مكة ثلاث ليال، وكان خروجه ﷺ في اثنى عشر ألفا من أهل مكة والخيل مائتا فرس وقيل أكثر من ذلك وطلب ﷺ من صفوان بن أمية عارية أدراعا كانت عنده وصفوان يومئذ مشرك قد استأجل النبي ﷺ بإسلامه شهرين فقال أغصبا يا محمد؟ فقال بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك فأعطاه مائة درع بما يصلحها من السلاح على ما في هذا الخبر من اختلاف الألفاظ واضطراب الأسانيد وتنازع الناس في العارية مضمنة هي كما قال الشافعيّ وغيره واشترط ذلك المعير أم لم يشترط، وهو قول يعزى الى ابن عباس وأبى هريرة وغيرهما أم غير مضمنة كما قال أبو حنيفة النعمان بن ثابت وصاحباه وسفيان الثوري وأهل الطاهر، ويعزى ذلك الى أمير المؤمنين على بن أبى طالب ﵇ وعبد الله بن مسعود أم تكون مضمنة إذا اشترط ضمانها كما قال قتادة وغيره، أو كما قال مالك ما كان من ذلك ظاهرا مثل الرقيق وغيره من الحيوان أو الربع فلم يبعد ذلك لم يكن ضامنا، وما كان من العروض والحلي وغير ذلك فهو ضامن إلا أن يصيبه أمر من أمر الله تعالى يعذر به أو يقوم له بينة فلا يضمن وغير ذلك من الأقاويل مع اتفاق الجميع على أن المستعير لا يملك بالعارية واتفاقهم على أن له الشيء المستعار فيما أذن له مالكه أن يستعمله فيه، واتفاقهم على أن المستعير إذا أتلف الشيء المستعار أن
[ ٢٣٤ ]
عليه ضمانه فلقى رسول الله ﷺ هوازن بأوطاس عليهم مالك بن عوف النصري نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة ابن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار ودريد بن الصمة الجشمي جشم بن بكر ابن هوازن وكان أحد فرسان العرب وشجعانهم وهو يومئذ شيخ كبير ضرير، قيل قد جاوز المائتي سنة ليس فيه الا التيمن برأيه وكان من حضر ذلك اليوم من هوازن نصر وجشم أبناء معاوية بن بكر بن هوازن وسعد بن بكر بن هوازن ونفر من بنى هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن ولم يحضرها أحد من بنى نمير ولد عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر ابن هوازن، ولا من كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، ولا من ولد كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة وهم عقيل والحريش وقشير وجعدة وعبد الله وحبيب بنو كعب فهزمهم الله وغنم رسوله أموالهم وذراريهم، وقتل دريد بن الصمة يومئذ في نحو من مائة وخمسين رجلا من هوازن، وهرب مالك بن عوف.
ثم غزوة رسول الله ﷺ في رجب تبوك مما يلي دمشق من أرض الشأم، وبين تبوك والمدينة تسعون فرسخا، وذلك مسيرة اثنتي عشرة ليلة وكان معه في هذه الغزاة ثلاثون ألفا، الخيل عشرة آلاف، والإبل اثنا عشر ألف بعير، ويسمي جيش العسرة لأنهم أمروا بالخروج لما طابت الثمار واشتد الحر وطاب لهم الظلال، وشق عليهم الخروج لبعد المسافة، وعسرة من الماء، وعسرة من النفقة والظهر، وحث رسول الله ﷺ الأغنياء على النفقة والحملان، فصار إلى تبوك، فأقام بها بضع عشرة ليلة، وقيل عشرين، يصلّى ركعتين ركعتين، وعاد إلى المدينة وكان استخلف عليها على بن أبى طالب وقد ذهب قوم إلى أنه استخلف عليها أبا رهم الغفاريّ وعلى أهله على بن أبى طالب، وقيل بل استخلف عليها بن أم مكتوم، وقيل محمد بن مسلمة، وقيل سباع
[ ٢٣٥ ]
ابن عرفطة، وتخلف عبد الله بن أبى معسكرا في الموضع المعروف بالجرف في قطعة من الجيش، وفي هذه الغزاة قال رسول الله ﷺ لعلى بن أبى طالب لما خلفه بالمدينة ولم يخلفه قبلها، وقد رأى كراهية على لذلك أفلا ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي والأشهر أن رسول الله ﷺ استخلف عليا على المدينة، ليكون مع من ذكرنا من المتخلفين، وقد ذكرنا السبب الّذي له ومن أجله خلفه، وسبب تخلف عبد الله ابن أبى فيما ذكرنا في كتاب (الاستذكار، لما جرى في سالف الاعصار) الّذي كتابنا هذا تال له، وفيها كانت قصة الثلاثة الذين خلفوا، فأنزل الله ﷿ «وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ» ٩: ١١٨ وهم من الأنصار، كعب بن مالك الخزرجي، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية الأوسيان وقد أتينا على ما كان بينه وبين هرقل، ملك الروم من المراسلات في هذه الغزاة في حال مقامه ﷺ بتبوك، وهرقل يومئذ بحمص، وقيل بدمشق فيما سلف من كتبنا وبعث من هناك خالد بن الوليد المخزومي إلى أكيدر بن عبد الملك الكندي صاحب دومة الجندل، فأخذه أسيرا وفتح الله عليه دومة، وجاءه وهو بتبوك أسقف أيلة يحنة بن روبة فصالحه على أن على كل حالم بها دينارا في السنة، وقدم عليه أهل أذرح فسألوه الصلح على الجزية فقبلها وكتب لهم كتابا، وفي هذه الغزاة نهى عن إخصاء الخيل، وغزوة تبوك آخر غزواته ﷺ وفي انصرافه من هذه الغزاة هم عدة من المنافقين باغتياله ﷺ ليلا وإلقائه في الثنية، وهم المعروفون بأصحاب العقبة، فحال الله بينهم وبين ما أرادوا بنبيه وظهره عليهم، وقد أتينا على شرح خبرهم وسمائهم في كتاب
[ ٢٣٦ ]
(الاستذكار) عند ذكرنا هذه الغزاة، وأمر رسول الله ﷺ بهدم مسجد الضرار وإحراقه، وكان في بنى سالم بن عوف من الأوس، وفيه أنزل الله ﷿ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصادًا لِمَنْ حارَبَ الله وَرَسُولَهُ ٩: ١٠٧.
وتوفيت أم كلثوم ابنة رسول الله ﷺ في شعبان، وفي ذي القعدة من هذه السنة كانت وفاة عبد الله بن أبى بن مالك بن الحارث بن عبيد بن مالك بن الحبلى، وهو سالم بن غنم بن عوف بن الخزرج بن حارثة، وأم أبيه سلول امرأة من خزاعة بها تعرف، وكان أحد المنافقين، وقدم رسول الله ﷺ المدينة مهاجرا، والتاج ينظم له ليملك ومن رسول الله ﷺ في هذه السنة فرائض الصدقات وأوجب في الغلات مما سقى سيحا أو سقته السماء العشر، وما سقى بالنواضح نصف العشر، على ما في ذلك من التنازع بين فقهاء الأمصار في الوسق والحصر وغير ذلك.
ثم وجه ﵊ أبا بكر الصديق ﵁ في ذي الحجة ليحج بالناس ونزلت عليه سورة براءة، فبعث بسبع آيات من صدرها مع على بن أبى طالب، وأمره أن يقوم بها على الناس بمنى إذا اجتمعوا، وقال أذن في الناس أنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان ومن كان له عند رسول الله ﷺ عهد فهو له إلى مدته، وأجل الناس أربعة أشهر من يوم تنادى، ليرجع كل قوم إلى مأمنهم، ثم لا عهد لمشرك ولا ذمة وحمل عليا على ناقة العضباء، على ما في هذا الخبر من التنازع والتأول بين فرق أهل الصلاة من أصحاب النص من الشيعة، وأصحاب الاختيار من المعتزلة والخوارج والمرجئة وفقهاء الأمصار وغيرهم من الحشوية والنابتة، فحج المسلمون وحج المشركون على منازلهم من الشرك، وقام على بمنى على ما أمره
[ ٢٣٧ ]
رسول الله ﷺ، فلم تمض سنة حتى دخلت العرب في الإسلام، وكانوا أكثر من مائة ألف وتعايروا بالشرك بينهم، والمقام عليه.