فيها كان توجيه رسول الله ﷺ عمرو بن العاص الى جيفر وعبادا بنى الجلندي بن مسعود الأزديين صاحبي عمان يدعوهما الى الإسلام فأسلما، وفي هذه السنة قوى أمر الأسود العنسيّ الكذاب المتنبي باليمن وهو عبهلة بن كعب بن الحارث بن عمرو بن عبد الله بن سعد بن عنس بن مذحج وهو مالك بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبإ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وكان بدء أمره بالموضع المعروف بكهف خبان وكان يدعى ذا الحمار، لحمار كان معه قد راضه وعلمه يقول له اسجد فيسجد ويقول له اجث فيجثو، وغير ذلك من أمور كان يدعيها ومخاريق كان يأتى بها يجتذب بها قلوب متبعيه
[ ٢٤٠ ]
وقتل باذان رئيس الأبناء الذين شخصوا مع وهرز الى اليمن، وكانوا أسلموا وتزوج امرأته، فوثب عليه فيروز بن الديلميّ من الأبناء، وعاضده في ذلك داذويه، وقيس بن مكشوح المرادي.
وكان النبي ﷺ كاتبهم فقتلوه فأخبر النبي ﷺ أصحابه بقتله، وقيل إن رأسه حمل المدينة، وقد قبض رسول الله ﷺ، وتنوزع هل كان مقتله في حياته أم بعد وفاته؟
ثم وثب قيس بن مكشوح المرادي على داذويه فقتله منقربا بذلك الى قوم ذي الحمار من عنس، وقال في ذلك.
قد علم الأحياء من مذحج ما قتل الأسود إلا أنا
طلبت ثأرا كان لي عنده بقتلة الأسود مستمكنا
في كلمة له طويلة أولها:
ألمم بسلمى قبل أن تظعنا إن بنا من حبها ديدنا
ثم ندب رسول الله ﷺ أسامة بن زبد في صفر إلى بلاد البلقاء وأذرعات ومؤتة من أرض دمشق من الشأم ثائرا بأبيه، ولأسامة يومئذ ثماني عشرة سنة.
وكان في بعثه عمر بن الخطاب والزبير وأبو عبيدة بن الجراح، وتنوزع في أبى بكر، أكان في هذا البعث أم لا؟ فأقاموا يتجهزون إلى أن توفى رسول الله ﷺ، وكان يقول في علته جهزوا جيش أسامة.
قال المسعودي: وكانت غزوات رسول الله ﷺ التي غزاها بنفسه سبعا وعشرين غزوة، ومن الناس من يذهب الى أنها ثمان وعشرون، فالذين ذهبوا الى أنها سبع وعشرون، جعلوا منصرف النبي ﷺ من خيبر إلى وادي القرى غزوة واحدة، والذين رووا أنها ثمان وعشرون جعلوا
[ ٢٤١ ]
غزاة خيبر مفردة، ووادي القرى غزوة أخرى، قاتل منها في تسع، أولها بدر وأحد، والخندق، وقريظة، والمصطلق، وخيبر، والفتح، وحنين، والطائف هذا قول محمد بن إسحاق في آخرين، ووافق الواقدي ابن إسحاق في أن النبي ﷺ قاتل في هذه التسع غزوات وذكر أنه قاتل في غزاة وادي القرى، وفي يوم الغابة فقتاله في التسع اتفاق.
وزاد الواقدي ما ذكرنا وإنما حكينا تنازع هذين لأنهما قدوة في حملة المغازي والسير وإليهما يرجع في ذلك.
وكانت سراياه وسواربه وبعوثه على ما رتبنا في هذا الكتاب ثلاثا وسبعين وتنازع مصنفو الكتب في التواريخ والسير في ذلك، فذهب قوم منهم إلى أن سراياه وسواربه ست وستون. وقال آخرون نيف وخمسون.
وقال محمد بن إسحاق في عدة من أصحاب السير والمغازي، بل ذلك خمس وثلاثون.
وقال محمد بن عمر الواقدي في آخرين من أصحاب المغازي والسير انما كانت السرايا والسوارب ثمانيا وأربعين.
قال المسعودي: وأرى أن السبب الّذي أوجب هذا التنازع المتفاوت في اعداد هذه السرايا، أن منهم من يعتد بسرايا لا يعتد بها آخرون، وذلك أنه كانت سرايا في جملة مغاز، فأفردها بعضهم واعتد بها، وبعض جعلها في جملة تلك المغازي، لأن رسول الله ﷺ، قد وجه في كثير من غزواته سرايا الى ما يلي البلاد التي حلها بعد هزيمة المشركين بخيبر في الطلب على ما قدمنا، ووجه بعد فتح مكة سرايا لهدم الأصنام التي حول مكة، فوقع التنازع لأجل ذلك، فجمعنا في كتابنا هذا جميع ذلك ولم نأل جهدا في حصره وترتيبه، ولم نخله من ذكر خلاف أصحاب السير في ذلك ليكون أعم لفائدته وأجزل لعائدته،
[ ٢٤٢ ]
على أنا لم نجد أحدا حصل ذلك تحصيلنا، ولا رتبه ترتيبنا، فمن أراد علم ذلك فليتصفح كتب من عنى بهذا الشأن من الأسلاف والأخلاف يقف على حقيقة ما قلنا وفضيلة ما أتينا، ففهم ذلك بعد الكفاية يسير، ومطلبه قبل الكفاية عسير. وقد ذكرنا ذلك على الشرح والإيضاح، وما فيه من التنازع في كتاب (فنون المعارف، وما جرى في الدهور السوالف) وفي كتاب (الاستذكار، لما جرى في سوالف الاعصار) الّذي كتابنا هذا تال له ومبنى عليه، وإنما حذفنا من كتابنا هذا الأسانيد ليخف تحمله، ويقرب متناوله.
قال المسعودي: وقد ذكر عدة من ذوى المعرفة بسياسة الحروب وتدبير العساكر والجيوش ومقاديرها وسماتها، أن السرايا ما بين الثلاث نفر الى الخمسمائة، وهي التي تخرج بالليل، فأما التي تخرج بالنهار فتسمى السوارب، وذلك قوله ﷿ وَمن هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ ١٣: ١٠ وما زاد على الخمسمائة الى دون الثمانمائة فهي المناسر، وما بلغ الثمانمائة فهو جيش، وهو أقل الجيوش وما زاد على الثمانمائة الى دون الألف فهو الخشخاش، وما بلغ الألف فهو الجيش الأزلم، وما بلغ الأربعة آلاف، فهو الجيش الجحفل، وما بلغ اثنى عشر ألفا، فهو الجيش الجرار، وإذا افترقت السرايا والسوارب بعد خروجها، فما كان دون الأربعين، فهي الجرائد، وما كان من الأربعين الى دون الثلاثمائة فهي المقانب، وما كان من الثلاثمائة الى دون الخمسمائة فهي الجمرات، وكانوا يسمون الأربعين رجلا إذا وجهوا العصبة، ويقولون خير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يؤتى اثنا عشر ألفا من قلة.
وقد رأى قوم أن المقنب مثل المنسر، وأن كل واحد منهما ما بين الثلاثين رجلا الى الأربعين، واستشهدوا على تقاربهما بقول الشاعر:
وإذا تواكلت المقانب لم يزل بالثغر منا منسر وعظيم
[ ٢٤٣ ]
وأن الكتيبة ما جمع فلم ينتشر، وأن الحضيرة النفر الذين يغزى بهم العشرة فمن دونهم، والنفيضة جماعة يغزى بهم وليسوا بجيش كثير، وان الأرعن الجيش الكبير الّذي له مثل رعن الجبل، والخميس الجيش العظيم، والجرار الّذي لا يسير إلا زحفا لكثرته، والجرار أكثر ما يكون من الجيوش العظمى. ويقول الناس فيما ذكرنا كلاما كثيرا، وقد ذكرنا من ذلك أفضل ما قيل فيه وأوجزه.
وتنوزع في أي يوم من شهر ربيع الأول كانت وفاته ﵊ بعد إجماعهم على أن وفاته يوم الاثنين في شهر ربيع الأول، فقال الأكثرون كانت وفاته لاثنتي عشرة ليلة خلت من هذا الشهر.
وقال آخرون بل ذلك لليلتين خلتا منه، وقال آخرون لتسع خلون منه وكان ذلك اليوم السادس عشر من شهر اسفندار ماه من شهور الفرس، سنة ١٣٨٠ لبخت نصّر، وهو اليوم الثالث من حزيران سنة ٩٤٣ للإسكندر بن فيلبس الملك، وسنة ١٠٠ من ملك كسرى أنوشروان بن قباذ، وكانت شكاته أربعة عشر يوما وقيل دون ذلك وكان الذين تولوا غسله ﷺ على بن أبى طالب والعباس بن عبد المطلب وابناه الفضل وقثم وأسامة بن زيد وشقران مولى رسول الله ﷺ وتنوزع فيما كفن به رسول الله ﷺ فروى جعفر بن محمد بن أبيه محمد بن على عن أبيه على بن الحسين قال لما فرغ من غسل رسول الله ﷺ كفن في ثلاثة أثواب ثوبين صحاريين وقيل سحوليين وبرد حبرة أدرج فيها إدراجا.
قال المسعودي: والثياب الصحارية مضافة إلى صحار وهي قصبة عمان والسحولية ثياب بيض من قطن تعمل بموضع من اليمن يعرف بسحولا. والى
[ ٢٤٤ ]
هذه الرواية يذهب أهل البيت وشيعتهم وبذلك كفن أمير المؤمنين على بن أبى طالب ﵇ غير أنه عمم بعمامة لأجل الضربة، فصارت عندهم سنة مأثورة معمولا بها.
وليس تعد العمامة والمئزر من الكفن المفروض والكفن المفروض عندهم ثوب واحد إذا لم يوجد غيره وثلاثة وخمسة لمن وجد سعة، وروى بعضهم ما زاد على خمسة فبدعة يشق أحد هذه الأثواب في وسطه ويقمص به من غير خياطة فيسمى القميص لذلك وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كفن في ثلاثة أثواب كرسف ليس فيها قميص ولا عمامة وعنها في رواية أخرى أنه ﷺ كفن في ثلاثة أثواب سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة، وحكي عن إبراهيم قال كفن النبي ﷺ في حلة يمانية وقميص ثم صلّى عليه الناس أفواجا بغير إمام ودفن من الغد يوم الثلاثاء في حجرة عائشة وقيل ليلة الأربعاء وقيل إنه دفن بعد وفاته بثلاثة أيام، وكان الذين نزلوا قبره على بن ابى طالب والفضل وقثم ابنا العباس وشقران ممن سمينا.
كتاب من حضر من الكتاب
وكان خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف يكتب بين يديه في سائر ما يعرض من أموره، والمغيرة بن شعبة الثقفي، والحصين ابن نمير يكتبان أيضا فيما يعرض من حوائجه، وعبد الله بن الأرقم بن عبد يغوث الزهري، والعلاء بن عقبة يكتبان بين الناس المداينات وسائر العقود والمعاملات، والزبير بن العوام، وجهيم بن الصلت يكتبان أموال الصدقات، وحذيفة بن اليمان يكتب خرص الحجاز، ومعيقيب بن أبى فاطمة الدوسيّ دوس
[ ٢٤٥ ]
ابن عدثان بن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله ابن مالك بن نصر بن الأزد وكان حليفا لبني أسد يكتب مغانم رسول الله ﷺ وكان عليها من قبله وزيد بن ثابت الأنصاري ثم الخزرجي من بنى غنم بن مالك بن النجار يكتب إلى الملوك ويجيب بحضرة النبي ﷺ وكان يترجم للنّبيّ ﷺ بالفارسية والروميّة والقبطية والحبشية، تعلم ذلك بالمدينة من أهل هذه الألسن، وكان حنظلة بن الربيع بن صيفي الأسيدي التميمي يكتب بين يديه ﷺ في هذه الأمور إذا غاب من سمينا من سائر الكتاب ينوب عنهم في سائر ما ينفرد به كل واحد منهم، وكان يدعى حنظلة الكاتب، وكانت وفاته في خلافة عمر بن الخطاب بعد أن فتح الله على المسلمين البلاد وتفرقوا فيها فصار إلى الرها من بلاد ديار مضر
فمات هناك فرثته امرأة من قومه فقالت
يا عجب الدهر لمحزونة تبكى على ذي شيبة شاحب
إن تسألينى الدهر ما شفنى أخبرك قيلا ليس بالكاذب
إن سواد الرأس أودى به حزني على حنظلة الكاتب
وكتب له عبد الله بن سعد بن أبى سرح من بنى عامر بن لؤيّ بن غالب ثم لحق بالمشركين بمكة مرتدا، وكتب له شرحبيل به حسنة الطابخى من خندف حليف قريش، ويقال بل هو كندى، وكان أبان بن سعيد، والعلاء بن الحضرميّ ربما كتبا بين يديه، وكتب له معاوية قبل وفاته بأشهر، وإنما ذكرنا من أسماء كتابه ﷺ من ثبت على كتابته واتصلت أيامه فيها وطالت مدته وصحت الرواية على ذلك من أمره دون من كتب الكتاب والكتابين والثلاثة إذ كان لا يستحق بذلك أن يسمى كاتبا ويضاف إلى جملة كتابه
[ ٢٤٦ ]