ثم غزوته ﷺ لعشر خلون من المحرم في ثمانمائة إلى الموضع المعروف بذات الرقاع، وهو جبل قريب من النخيل مما يلي السعد والشقرة مختلفة ألوانه فيه بقع حمر وبيض وسود- وقيل إنها انما سميت غزوة ذات الرقاع لكثرة الرقاع في الرايات، فأجفلت العرب من بين يديه، ولحقوا برءوس الجبال وبطون الأودية قال المسعودي: وفي هذه الغزاة صلّى رسول الله ﷺ صلاة الخوف لقرب العدو منهم، وإشرافهم عليه على ما في ذلك من تنازع في وصفها وكيفيتها بين فقهاء الأمصار وغيرهم، من السلف.
وعاد إلى المدينة وكان استخلف عليها عثمان بن عفان، وكانت غيبته خمس عشرة ليلة ثم غزوته ﷺ دومة الجندل، وهي أول غزواته للروم، وبين
[ ٢١٤ ]
دومة الجندل وبين دمشق خمس ليال، وبينها وبين المدينة خمس عشرة ليلة، وقيل ثلاث عشرة وكان صاحبها- أكيدر بن عبد الملك الكندي- يدين بالنصرانية، وهو في طاعة هرقل ملك الروم، وكان يعترض سفر المدينة وتجارهم، فبلغ أكيدر مسيره فهرب، وتفرق أهل دومة الجندل وصار إليها فلم يجد بها أحدا، فأقام أياما وعاد إلى المدينة، وكان استخلف عليها ابن أم مكتوم وفي هذه السنة وادع رسول الله ﷺ عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري ثم غزوته ﷺ لليلتين خلتا من شعبان، بنى المصطلق بن سعد بن عمرو- وهو خزاعة ومنه تفرقت بطونهم- ابن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر، وإنما سموا خزاعة بانخزاعهم من جملة الأزد إلى بطن مر عند مسيرهم من مأرب، وفي ذلك يقول شاعرهم:
ولما هبطنا مر تخزعت خزاعة منا في حلول كراكر
وكانوا على ماء لهم يعرف بالمريسيع بطريق الفرع، والفرع على ثمانية برد من المدينة فناجزهم فانهزموا، فقتل وأسر وسبى الذراري والأموال، فكان في السبي جويرية بنت الحارث بن أبى ضرار رئيس بنى المصطلق، وكانت صارت لبعض الأنصار فكاتبها، فأدى رسول الله ﷺ كتابتها وتزوجها، فعتق الناس بقية السبي ببركتها، وعاد إلى المدينة، وكان قد استخلف عليها زيد بن حارثة مولاه. وكانت غيبته ثمانية عشر يوما.
وفي هذه الغزاة فقد عقد عائشة، وقال فيها أهل الافك ما قالوا وهم: مسطح ابن أثاثة بن عباد بن المطلب بن عبد مناف، وهو ابن خالة أبى بكر، وكان في عياله- وحسان بن ثابت بن المنذر بن حرم بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن
[ ٢١٥ ]
عمرو بن مالك بن النجار- وهو تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج- وعبد الله بن أبى بن سلول، وهو الّذي تولى كبره منهم، وحمنة ابنة جحش ابن رئاب.
والّذي ذكروه صفوان بن المعطل السلمي، وكان صاحب الساقة في تلك الغزاة، فلما أنزلت براءتها جلدهم رسول الله ﷺ ثمانين جلدة، إلا عبد الله بن أبى بن سلول فإنه لم يجلده، وفي ذلك يقول عبد الله بن رواحة، وقيل كعب بن مالك
لقد ذاق حسان الّذي هو أهله وحمنة إذ قالوا هجيرا ومسطح
تعاطوا برجم الغيب زوج نبيهم وسخطة ذي العرش الكريم فأبرحوا
وفيها نزلت آية التيمم على ما في ذلك من التنازع بين الأسلاف والأخلاف في كيفية التيمم ثم غزوته ﷺ الخندق، وهي غزوة الأحزاب، سارت إليه قريش وغطفان وسليم وأسد وأشجع وقريظة والنضير وغيرهم من اليهود، فكان عدة الجميع أربعة وعشرين ألفا، منها قريش وأتباعها أربعة آلاف، معهم ثلاثمائة فرس، وألف وأربعمائة بعير قائدهم أبو سفيان صخر بن حرب، والمسلمون نحو من ثلاثة آلاف، وذلك في شوال، وقيل في ذي القعدة فأشار سلمان الفارسي على رسول الله ﷺ بالخندق، فخندق وأقاموا محاصرين للمدينة يتناوشون ثم نصر الله رسوله، وهزم الأحزاب، وردهم بغيظهم لم ينالوا خيرا، واستخلف رسول الله ﷺ على المدينة ابن أم مكتوم وقد تنوزع في مدة إقامتهم على الخندق، فمنهم من قال شهر، ومنهم من قال خمسة عشر يوما، وقيل غير ذلك
[ ٢١٦ ]
ثم غزوته ﷺ قريظة من اليهود لمظاهرتهم قريشا عليه، سار إليهم عند منصرفه من الخندق، وذلك لسبع بقين من ذي القعدة، وكانوا على بعض يوم من المدينة، فحصرهم خمسة عشر يوما وقيل أكثر من ذلك، ثم نزلوا على حكم سيد الأوس سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس بن زيد ابن عبد الأشهل فحكم بقتل مقاتلهم وسبى ذراريهم، وكان سعد رمى يوم الخندق بسهم فقطع أكحله فكان لمآبه، فقتل من قريظة سبعمائة وخمسين رجلا صبرا.
وعاد إلى المدينة، وكان استخلف عليها أبارهم الغفاريّ كلثوم بن الحصين، وتوفى سعد بن معاذ بعد رجوع رسول الله ﷺ إلى المدينة وفي هذه السنة تزوج رسول الله ﷺ زينب ابنة جحش بن رئاب الأسدية، أسد بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر، وهي ابنة عمته أميمة بنت عبد المطلب ثم سرية أبى عبيدة بن الجراح الفهري فهر قريش، وهو عامر بن عبد الله ابن الجراح بن هلال بن وهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر بن مالك بن النضر ابن كنانة في ذي الحجة إلى سيف البحر
[ ٢١٧ ]