ثم غزوة رسول الله ﷺ في المحرم خيبر، وهي على ثمانية برد من المدينة في ألف وأربعمائة راجل، والخيل مائتا فرس، فحاربه بعض أهل الحصون، فافتتحها عنوة، وبعضهم جنح إلى الصلح فأجلاهم ثم سألوه أن يقر الأرض في أيديهم على أن يعتملوها ولهم شطر الثمرة فأجابهم إلى ذلك، فكان يبعث عبد الله ابن رواحة الأنصاري في كل سنة، فيخرص عليهم، فلما قتل بمؤتة وجه مكانه جبار بن صخر، فكانوا على ذلك إلى أيام عمر بن الخطاب، فأخرجهم من الحجاز لأنه بلغه رسول الله ﷺ قال في مرضه الّذي مات فيه لا يجتمع دينان في جزيرة العرب على ما في هذا الخبر من التنازع بين فقهاء الأمصار في المساقاة واصطفى رسول الله ﷺ من سبى حصن القموص صفية بنت حيي بن أخطب من النضير، وكانت عند كنانة بن أبى الحقيق فأعتقها رسول الله ﷺ وجعل عتقها صداقها
[ ٢٢٢ ]
كذلك ذكر عبد العزيز بن صهيب، وثابت البناني، وشعيب بن الحبحاب عن أنس بن مالك على ما في ذلك من التنازع في معنى هذا الخبر، وهل ذلك خاصا للنّبيّ ﷺ، أم لأمته التأسي به فيه وفي هذه الغزاة قدم جعفر بن أبى طالب ﵁ ومن معه، من أرض الحبشة، ومعهم أم حبيبة رملة بنت أبى سفيان صخر بن حرب، وكان النجاشي ملك الحبشة زوّجها من النبي ﷺ وأدى عنه المهر، وكانت عند عبد الله بن جحش بن رئاب من بنى غنم بن دودان ابن أسد بن خزيمة بن مدركة ابن الياس بن مضر، وكان هاجر إلى أرض الحبشة وهي معه فتنصر، ففارقته.
وقال رسول الله ﷺ عند قدوم جعفر ما أدرى بأيهما أنا أبشر، بفتح خيبر، أم بقدوم جعفر وفي هذه الغزاة سم النبي ﷺ في ذراع شاة أهدتها له زينب بنت الحارث اليهودية امرأة سلام بن مشكم اليهودي، وكانت سألت: أي عضو من الشاة أحب الى رسول الله ﷺ؟ فقيل لها الذراع، فأكثرت فيها السم، وسمت سائر الشاة ثم جاءت بها فلما وضعتها بين يدي رسول الله ﷺ تناول الذراع فلاك منها مضغة فلم يسغها، ومعه بشر بن البراء ابن معرور الأنصاري من بنى سلمة من الخزرج قد أخذ منها كما أخذ رسول الله ﷺ، فأما بشر فأساغها، وأما رسول الله ﷺ فلفظها ثم قال إن هذا العظم ليخبرني انه مسموم ودعا بها فاعترفت، فقال ما حملك على ذلك؟ قالت بلغت من قومي ما لم يخف عليك، فقلت إن كان نبيا فسيخبر، وإن كان ملكا استرحت منه وقومي، فتجاوز عنها رسول الله ﷺ ومات بشر من أكلته التي أكل فقتلها رسول الله ﷺ حينئذ
[ ٢٢٣ ]
وقال رسول الله ﷺ في مرضه الّذي توفى فيه ودخلت عليه أم بشر ابن البراء تعوده، فقال يا أم بشر إن هذا الأوان وجدت انقطاع أبهرى من الأكلة التي أكلت مع ابنك بخيبر وكان المسلمون يرون أن رسول الله ﷺ قد مات شهيدا، مع ما أكرمه الله به من النبوة- كذلك ذكر سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق عن مروان بن عثمان بن أبى سعيد بن المعلى قال المسعودي: وذكر أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب غريب الحديث أنه قال ﷺ ما زالت أكلة خيبر تعادّنى في كل عام فهذا أوان قطعت أبهرى قال أبو عبيد مفسرا لذلك: تعادّنى من العداد وهو الشيء الّذي يأتيك لوقت معلوم مثل الحمى الربع والسم الّذي يقتل لوقت فإنه يعادّ صاحبه لأيام حتى يأتى وقته الّذي يقتل فيه، وأصله من العدد، والأبهر عرق مستبطن الصلب، والقلب متصل به، فإذا انقطع لم يكن معه حياة.
ولما سمع أهل فدك بما نال أهل خيبر، ومن صالح رسول الله ﷺ منهم، ومساقاته إياهم بعثوا إليه يسألونه أن يحقن دماءهم ويخلوا له الأموال ففعل فكانت فدك خالصة لرسول الله ﷺ لأن المسلمين لم يوجفوا عليها بخيل ولا ركاب.
وسار رسول الله ﷺ عن خيبر الى وادي القرى، فحصرهم أياما حتى افتتحها عنوة وكان أهل تيماء أعداء لرسول الله ﷺ، ورؤساؤهم آل السموأل ابن عاديا بن حيّا بن رفاعة بن الحارث بن ثعلبة بن كعب بن عمرو مزيقياء بن
[ ٢٢٤ ]
عامر، والسموأل أحد أوفياء العرب، وهو صاحب الحصن المعروف بالأبلق الفرد، وقد ذكره أعشى بنى قيس بن ثعلبة في مديحه لشريح بن السموأل فقال:
بالأبلق الفرد من تيماء منزله حصن حصين وجار غير غدار
فلما بلغهم ما نزل بأهل وادي القرى صالحوا رسول الله ﷺ على أداء الجزية، ورجع رسول الله ﷺ الى المدينة وكان استخلف عليها سباع بن عرفطة الأنصاري واتخذ رسول الله ﷺ الخاتم في المحرم، ونقش عليه محمد رسول الله، وكاتب الملوك في شهر ربيع الأول ونفذت كتبه ورسله اليهم يدعوهم الى الإسلام، وافتتح كتبه اليهم بسم الله الرحمن الرحيم وكان ﷺ أولا يكتب كما تكتب قريش «باسمك اللَّهمّ» حتى نزل عليه ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ الله مَجْراها ١١: ٤١ فكتب بذلك الى أن نزل عليه قُلِ ادْعُوا الله أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى ١٧: ١١٠ فكتب «بسم الله الرحمن» حتى نزل عليه إِنَّهُ من سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ٢٧: ٣٠ فكتب بذلك وقد أتينا على السبب في كتبة قريش «باسمك اللَّهمّ» في أخبار أمية بن أبى الصلت الثقفي من الأخبار المسعوديات المنسوبة إلينا.
فبعث عبد الله بن حذافة السهمي الى كسرى أبرويز بن هرمز ملك فارس، وهو يومئذ بالمدائن من ارض العراق، فمزق كتاب رسول الله ﷺ، وكتب الى باذام عامله على اليمن أن يشخصه اليه فبعث اليه اسوارين في عدة، وهما فيروز بن الديلميّ وخرخسرو، وقيل بابويه، وقال تأتونى به، فقدما المدينة على النبي ﷺ فأخبرها ان شيرويه بن أبرويز ملكهم قد قتل إياه في تلك الليلة، فرجعا الى باذام فأخبراه، فكان الأمر كما ذكر ﷺ
[ ٢٢٥ ]
فأسلما وأسلّم باذام والأبناء بصنعاء، وهم الذين ساروا الى اليمن مع خرزاد بن نرسى بن جاماسب أخى قباذ بن فيروز الملك.
وكان أنوشروان سمى مرتبته وهرز حين أنفذه مع سيف بن ذي يزن الحميري منجدا له على الحبشة حين غلبت على اليمن، فقتلوا مسروق بن أبرهة الأشرم آخر ملوك الحبشة باليمن وأقاموا بها.
وكان جميع من ملك اليمن من الحبشة أربعة أولهم أرياط، وقيل أبرهة الاشرم ثم أبرهة وهو السائر إلى البيت الحرام بالفيل المذكور في القرآن، ثم يكسوم ابنه، ثم مسروق ابنه أيضا، ومدة ما ملكوا من السنين نيف وسبعون سنة، وكان قطعهم البحر من ساحل الحبشة الى ساحل اليمن من الموضع المعروف بالمندب وهما جبلان، وهذا الموضع أضيق أعبار هذا البحر، وإنما عرضه نحو من ميل ويتصل به من ساحل اليمن ساحل المخا وهي متصلة بغلافقة ساحل زبيد من أعمال ابن زياد في هذا الوقت ومن الناس من يسمى وهرز الديلميّ لأنه ولى مرزبة الديلم والجيل لا أنه كان ديلميا.
وبعث رسول الله ﷺ دحية بن خليفة الكلبي وهو دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة بن زيد بن امرئ القيس بن الخزج والخزج العظم وهو زيد مناة بن عامر بن بكر بن عامر الأكبر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب. الى هرقل ملك الروم، وعمرو بن أمية الضمريّ إلى النجاشي اصحمة بن بحر ملك الحبشة، والعلاء بن الحضرميّ الى المنذر ابن ساوى أحد بنى عبد القيس صاحب البحرين، وسليط بن عمرو العامري الى هوذة بن على الحنفي صاحب اليمامة، وشجاع بن وهب الأسدي إلى الحارث بن
[ ٢٢٦ ]
أبي شمر الغساني عامل هرقل ملك الروم على دمشق وأعمالها، وكان ينزل الجولان ومرج الصّفر، وحاطب بن أبى بلتعة اللخمي وقيل العبسيّ حليف بنى أسد بن عبد العزى الى المقوقس المقرقب النونى بالنون عظيم القبط ببلاد الاسكندرية ومصر، والنون هو قبيل من القبط.
قال المسعودي: وقد أتينا على أخبار هؤلاء الرسل مع من أرسلوا إليه ورسل من كان بعد النبي ﷺ من الخلفاء والملوك ووفودهم إلى سائر الملوك والأمم إلى هذا الوقت وهو سنة ٣٤٥ في خلافة المطيع في كتاب (فنون المعارف وما جرى في الدهور السوالف) وقيل ان بعثة الرسل الى هؤلاء الملوك كان في السنة السادسة من الهجرة قبل فتحه خيبر.
ثم سرية عمر بن الخطاب في شعبان إلى الموضع المعروف بتربة وتربة ناحية العبلاء، على أربع ليال من مكة وقيل خمس، طريق صنعاء ونجران اليمن ثم سرية أبى بكر في هذا الشهر الى بنى كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة ابن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار، بناحية ضرية، ثم سرية بشير بن سعد الأنصاري، ثم الخزرجي في هذا الشهر أيضا الى بنى مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر بفدك، فأصيب أصحابه وارتث في القتلى.
ثم سرية غالب بن عبد الله الليثي في شهر رمضان الى الميفعة وراء بطن نخل الى ناحية النقرة مما يلي نجدا على ثمانية برد من المدينة، وفيها قتل أسامة ابن زيد بن حارثة الرجل الّذي قال لا إله الا الله فلامه النبي ﷺ على قتله فقال إنما قالها احتجارا فقال «هلا شققت عن قلبه فتعلم أصادق هو أم كاذب؟» فأنزل الله ﷿ في ذلك وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا ٤: ٩٤
[ ٢٢٧ ]
ثم سرية بشير بن سعد الأنصاري في شوال إلى يمن وجبار وهما موضعان نحو الجناب والجناب يعارض خيبر ووادي القرى ثم خرج رسول الله ﷺ عن المدينة يوم الاثنين لست ليال خلون من ذي القعدة لعمرة القضاء التي كان المشركون صدوه عنها بالحديبية فخرج المشركون عن مكة ودخلها رسول الله ﷺ فأقام بها وأصحابه ثلاثا ثم خرج عنها وعاد الى المدينة وكان استخلف عليها سباع بن عرفطة، وفيها تزوج ميمونة الهلالية خالة عبد الله بن العباس على ما في هذا الخبر من التنازع بين فقهاء الأمصار وغيرهم ممن تقدم: أنكحها وهو محل أم محرم؟ وهي ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهزم بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن، وأمها هند بنت عوف بن زهير بن الحارث بن حماطة بن جرش بن حمير وهي العجوز الجرشية أكرم الناس أصهارا كان لها ثماني بنات ميمونة ولبابة الكبرى ولبابة الصغرى وعصماء وعزة بنات الحارث بن حزن وسلمى وأسماء وسلامة بنات عميس بن معد بن الحارث بن تيم ابن كعب بن مالك بن قحافة بن عامر بن ربيعة بن عامر بن معاوية بن زيد بن مالك بن نسر بن وهب الله بن شهران بن عفرس بن أفتل وهم جماعة خثعم بن أنمار على ما في ذلك من التنازع في نسب أنمار ومن ألحقه من نساب النزارية بنزار بن معد بن عدنان ومن ألحقه من نساب القحطانية بأراش بن عمرو بن غوث بن بنت بن زيد بن كهلان بن سبإ بن يعرب بن قحطان.
تزوج رسول الله ﷺ ميمونة على ما وصفنا، وتزوج حمزة بن عبد المطلب سلمى فولدت له أمة الله وقيل أمامة، وتزوج العباس بن عبد المطلب لبابة الكبرى وتكنى أم الفضل فولدت له الفضل لا عقب له وعبد الله أبا الخلفاء
[ ٢٢٨ ]
من بنى العباس وعبيد الله ومعبدا لهما عقب وقثم وعبد الرحمن لا عقب لهما وأم حبيب. ولم يكن اخوة لأم وأب أشرف منهم ولا أبعد قبورا، مات الفضل بالشأم في طاعون عمواس وعبد الرحمن ومعبد بإفريقية وقثم بسمرقند وعبد الله بالطائف وعبيد الله بالمدينة. وتزوج جعفر بن أبى طالب أسماء فولدت له عبد الله وعونا ومحمدا ثم تزوجها أبو بكر فولدت له محمدا ثم تزوجها على بن أبى طالب فولدت له يحيى وعونا لا عقب لهما، وتزوج الوليد بن المغيرة المخزومي لبابة الصغرى فولدت له خالد بن الوليد وباقي البنات عند أزواج شتى ليس لهم من السابقة في الدين والشرف في النسب ما لهؤلاء.
ثم سرية ابن أبى العوجاء السلمي في ذي الحجة الى بنى سليم، فأصيب أصحابه ونجا مكلوما ثم سرية عبد الله بن أبى حدرد الأسلمي في ذي الحجة الى الغابة فقتل رفاعة ابن زيد الجشمي.
ثم سرية محيصة بن مسعود إلى ناحية فدك.
ثم سرية عبد الله بن أبى حدرد الى إضم في ذي الحجة أيضا، وكان فيهم أبو قتادة ومحلم بن جثامة فقتل محلم عامر بن الأضبط الأشجعي لشيء كان بينهما في الجاهلية وقيل بل قتله بعد أن حياه بتحية الإسلام فقيل إن فيه نزل وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا، تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا ٤: ٩٤
[ ٢٢٩ ]