وبويع الأمين محمد بن هارون الرشيد ويكنى أبا موسى وامه زبيدة أم جعفر ابنة جعفر بن أبى جعفر المنصور يوم السبت للنصف من جمادى الآخرة سنة ١٩٣، وبايع له المأمون بخراسان، وكتب اليه بالطاعة والخضوع وامتثال أمره ونهيه، انقيادا الى ما تقدم به العهد فعمل الأمين في خلعه والاحتيال لذلك وكتب إليه بأمره بتسليم بعض اعماله الى من يرسم له، فامتنع من ذلك، فكتب اليه يأمره بالمصير اليه لمعاونته على تدبير ملكه، فاعتل بأمور ذكرها، فوجه اليه يسأله تقديم ابنه عليه بولاية العهد، ويرغبه في ذلك ويرهبه، فأبى وقوّى الفضل بن سهل ذو الرئاستين عزمه على محاربته.
فلما عادت الرسل الى الأمين بذلك بايع لابنه موسى «ولقبه الناطق بالحق» وهو يومئذ صبي صغير وسرح على بن عيسى بن ماهان في خمسين ألفا بأعظم ما يكون من القوة والعدد ليجيئه بالمأمون، فندب المأمون للقائه طاهر بن الحسين ابن مصعب بن زريق بن حمزة الرستمي من ولد رستم بن دستان الشديد وهم موالي خزاعة في الإسلام واليهم ينتمون فنزل الري وسار على بن عيسى حتى قرب منهما فالتقيا فاقتتلا قتالا شديدا، فقتل على بن عيسى وفضت جموعه واحتوى على عسكره وذلك لعشر خلون من شعبان سنة ١٩٥ فحينئذ سلّم على المأمون بإمرة المؤمنين وسمى طاهر ذا اليمينين، وسار طاهر يفتح بلدا بلدا ويكسر من تلقاءه
[ ٣٠٠ ]
الجيوش إلا أن نزل حلوان فلحق به هرثمة بن أعين في جيش كثيف، وكتب اليه المأمون ان يخلى بين هرثمة وبين المسير الى مدينة السلام ويسير هو اليها على طريق الأهواز فسار هرثمة حتى نزل طاهر الجانب الشرقي من مدينة السلام وسار طاهر فافتتح الأهواز وواسط والمدائن واحتوى على الكوفة والبصرة ونزل بظاهر الجانب الغربي من مدينة السلام وذلك في سنة ١٩٦ فحاصرها وغادوهم القتال وراوحوهم وقد كان الحسين بن على بن عيسى بن ماهان قدم من الرقة قبل وصول طاهر وهرثمة مدينة السلام في جيش كثيف، وكان مع عبد الملك بن صالح ابن على بن عبد الله بن العباس، فلما مات عبد الملك سار الى مدينة السلام لثلاث خلون من رجب من هذه السنة فخلع محمدا ودعا الى المأمون، فأجابه الناس الى ذلك وسجن محمدا وأمه وولده في مدينة أبى جعفر، وطلب منه الجند أرزاقهم فلم يكن عنده ما يعطيهم ومناهم قدوم هرثمة فأخرجوا محمدا بعد حبس يومين وأعادوه الى حاله وجددوا له البيعة يوم الجمعة لست عشرة ليلة خلت من رجب من هذه السنة وجاءوه بالحسين بن على فصفح عنه وولاه امره ودفع اليه خاتمه فغدر وهرب يريد هرثمة فلحق فقتل على فرسخ من بغداد على طريق النهروان وأتى محمد برأسه ودخل هرثمة الجانب الشرقي وطاهر الجانب الغربي في المحرم سنة ١٩٨ وجد طاهر في القتال الى ان استولى على أكثر الجانب الغربي وحصر محمدا بمدينة أبى جعفر المنصور.
فراسل الأمين هرثمة خفية في المصير اليه، وكان أوثق عنده من طاهر، فتأهب هرثمة لذلك، وصار في حراقة له إلى بعض الشارع، وركب معه الأمين وعلم طاهر بذلك، فوجه بعده من خاصته، فرجموا الحرافة، ونجا محمد الأمين سباحة الى الشط، وصار في يد بعض أصحاب طاهر، فقبض عليه، وعرف ظاهر
[ ٣٠١ ]
خبره، فوجه من قتله، وجاءوه برأسه، فأنفذه الى المأمون الى خراسان.
وكان مقتله ليلة الأحد لخمس ليال بقين من المحرم من هذه السنة، وهي سنة ١٩٨، وله ثلاث وثلاثون سنة.
وكانت خلافته أربع سنين وسبعة أشهر وعشرة أيام، وكان حسن الوجه، تام القامة، أبيض مسمنا، صغير العينين، بعيد ما بين المنكبين، شديدا في بدنه، باسطا يده بالعطاء، قبيح السيرة، ضعيف الرأى، سفاكا للدماء، يركب هواه ويهمل أمره، ويتكل في جليلات الخطوب على غيره، ويثق بمن لا ينصحه، واستوزر الفضل بن الربيع الى أن استتر الفضل لما تبين من اختلال أمر محمد، ووهاء أمره، فقام بوزارته من حضر من كتابه، كإسماعيل بن صبيح، وغلب عليه عدة من الأولياء، منهم محمد بن عيسى بن نهيك، والسندي بن شاهك، وسليمان بن أبى جعفر المنصور.
وكان نقش خاتمه «نعم القادر الله»، وقيل «سائل الله لا يخيب»، وقضاته محمد بن سماعة، ومحمد بن حبيب، وإسماعيل بن حماد بن أبى حنيفة، وأبو البختري وهب بن وهب القرشي، وحاجبه العباس بن الفضل بن الربيع.