وبويع الراضي محمد بن جعفر المقتدر ويكنى أبا العباس، وأمه أم ولد تسمى ظلوم، يوم الخميس لست ليال خلون من جمادى الاولى سنة ٣٢٢، وتوفى بمدينة السلام يوم السبت لست عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول
[ ٣٣٦ ]
سنة ٣٢٩ وله اثنتان وثلاثون سنة وأشهر، وكانت خلافته ست سنين وعشرة أشهر وعشرة أيام. وكان أسمر، أعين، مسنون الوجه، خفيف العارضين، دحداحا، نحيفا، جوادا، محبا للأدب، حسن الشعر، شديد التضريب بين أوليائه، لاستبدادهم بالأمور دونه، وقصور يده عن تغيير ذلك. فاستوزر محمد ابن على بن مقلة، وولده أبا الحسين على بن محمد وكانا يخاطبان بالوزارة وتخرج الكتب بأسمائهما.
ثم استوزر أبا على عبد الرحمن بن عيسى بن داود بن الجراح، ثم أبا جعفر محمد بن القاسم الكرخي، ثم ابا القاسم سليمان بن الحسن بن مخلد بن الجراح، ثم أبا الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات، ثم أبا عبد الله احمد بن محمد البريدي، ثم سليمان بن الحسن بن مخلد.
وكان نقش خاتمه «الراضي باللَّه» وقاضيه عمر بن محمد بن يوسف، ثم ابناه يوسف، والحسن وحاجباه محمد بن ياقوت، ثم مولاه ذكي ومما ذكر في أيامه من الحوادث العظيمة مسير القرمطى سليمان بن الحسن صاحب البحرين عن الإحساء لاعتراض الحاج في بدأتهم لموسم سنة ٣٢٣ خرج لست بقين من شوال في تسعمائة فارس وتسعمائة راجل، وقسم العسكر نصفين من الجابرية وهي من الإحساء على ثلاثة أيام، فجعل على أحد النصفين أبا عبد الله الحسين بن على بن سنبر ومعاذا الكلابي فساروا قاصدين طريق مكة لطلب أول الحاج وقصد القرمطى القادسية لاستقبال قافلة الشمسية مع لؤلؤ غلام المتهشم، فوقع ابن سنبر بالخوارزمية وغيرهم، وكان رؤساءهم شاذان وابن حاتم وغيرهما بناحية زبالة والعقبة، فأسرهما وغيرهما من أهل القوافل وقتل، وذلك لسبع عشرة ليلة خلت من ذي القعدة من هذه السنة، وانهزم الباقون راجعين يريدون العذيب، ولا علم عندهم أن القرمطى أمامهم،
[ ٣٣٧ ]
وسار لؤلؤ غلام المتهشم بالناس، ولقيه القرمطى بالقادسية يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة من هذه السنة.
فقاتل لؤلؤ إلى أن نالته جراحات، وانكشف أصحابه عنه، وطرح نفسه بين القتلى. ودخل الكوفة في الليل مستخفيا، واستولى أبو طاهر على تلك القافلة بأسرها وكان من انقضاض الكواكب ليلة الأربعاء التي كانت الوقعة في صبيحتها ما لم ير مثله في الإسلام، والقرمطى حينئذ سائر من خفان يريد القادسية وبينهما ستة أميال.
ورجع القرمطي مستقبلا للمنهزمين من ابن سنبر الراجعين يريدون الكوفة فلقيهم بالعذيب. فاستأمنه قرة لقافلته، وبذل عنها مالا فأطلقه، ولم يعرض له، وأوقع بالباقين، فقتل وسبى، وصار إليه من صنوف الأموال والأمتعة ما لا يوقف على تحديده ولا يحاط بمبلغه.
وكانت له بعد ذلك سريتان الى الكوفة وناحية واسط في أيام الراضي أيضا لم يلق فيهما حربا أثر تأثيرا يذكر، ولم يزل مقيما بالأحساء من بلاد البحرين الى أن توفى يوم الاثنين لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة ٣٣٢، وله ثمان وثلاثون سنة، لأن مولده في شهر رمضان سنة ٩٤.
وقتل أبوه أبو سعيد الجنابي سنة ٣٠٠، وله يومئذ ست سنين، وبقي العسكر تسع سنين الى أن تسلمه أبو طاهر في شهر رمضان سنة ٣١٠.
قال المسعودي: وقد أتينا فيما سلف من كتبنا على شرح هذه الحروب والوقائع وما كان من أخباره فيها وأخبار القرامطة البقلية بسواد الكوفة وغلبتهم عليها، وذلك في سنة ٣١٦، والعلة في تسميتهم البقلية، وهو اسم دياني عندهم، وكان رؤساءهم مسعود بن حريث وعيسى بن موسى بن أخت عبدان بن الربيط
[ ٣٣٨ ]
الملقب قرميط والمعروف بابن أبى السيد وابن الأعمى، وأبو الذر والجوهري وغيرهم.
وكان جمهورهم بنو ذهل وبنو رفاعة وإيقاعهم ببني بن نفيس بناحية الطفوف، وجنبلاء، وتل فخار، وهزيمتهم إياه واحتوائهم على عسكره، ومواقعة هارون بن غريب الخال، وصافى غلام نصر القشوري إياهم، ومن قتل منهم وأسر، ومن انضاف منهم الى سليمان بن الحسن عند رجوعه من هيت الى بلد البحرين، وكانوا يعرفون في عسكره بالأجميين، لسكنى أكثرهم الآجام والطفوف من أعمال الكوفة وأخبار الغلام المعروف بالذكرى من أبناء ملوك الأعاجم من بلاد أصبهان، ووروده اليهم في سنة ٣١٦، وتسليم أبى طاهر الأمر اليه في سنة ٣١٩ وإجماعهم عليه، وما رسم من الرسوم والمذاهب التي أخذهم بها، وقتله لأبي حفص بن زرقان زوج أخت أبى طاهر.
وكان يدعى الشريك، وكان أكملهم عقلا، وأوسعهم علما، وأحسنهم أدبا، وبنى سلمان وغيرهم من وجوه العسكر، وهم نحو من سبعمائة رجل، وما أظهر في العسكر من المذاهب الشنيعة، والسير القبيحة، التي لم تعهد، ولا عرفت في عسكر هؤلاء القوم منذ استولى أبو سعيد على هذه البلاد وولده وزوالها بزواله ورجوعهم عنها، واعتذارهم عنها، وما وقع عليها من التدبير الى أن قتل فيما قيل.
وعاد الأمر الى أبى طاهر، وغير ذلك من أخبار أصحاب الغرب وحروبهم ومن كان منهم باليمن واتفاق جميع من ذكرنا على سبب واحد وانقيادهم إليه، وقولهم به وانتظارهم له، وأخبار أبى سعيد الحسن بن بهرام الجنابي، ونسبته واتصاله بملوك فارس، ومكانه من هذه الدعوة، وكيفية دخوله البحرين، وما كان من أمره بالقطيف مع بنى مسمار، واتصاله ببادية بنى كلاب، وكان أبو زكريا
[ ٣٣٩ ]
البحراني دعاهم، وما كان بين أبى سعيد وبين أبى زكريا، وقبض أبى سعيد عليه وهلاكه في يده وفتحه سائر مدن البحرين، وكان أهلها في نهاية العدة والقوة كالقطيف، وكان بها على بن مسمار وإخوته، وهم من عبد القيس، وقتله عليا والزارة، وكان بها الحسن بن العوام من الأزد وصفوان، وكان بها بنو حفص، وهم من عبد القيس أيضا والظهران والإحساء، وكان بها بنو سعد من تميم وجواثا، وكان بها العريان بن الهيثم الربعي، وقد ذكره على بن محمد المنتمي الى أبى طالب صاحب الزنج الناجم بالبصرة عند ظهوره بالبحرين في تميم وكلاب ونمير وغيرهم، وذلك قبل مصيره الى البصرة، وكان العريان أوقع بهم في عبد القيس، وبنى عامر بن صعصعة، ومحارب بن خصفة بن قيس ابن عيلان وغيرهم وقعات متتابعات، فأخرجه عن البحرين ونواحيها، وقتل من أصحابه خلقا كثيرا، فلما وقع طرفه بالصمان على الطائر المعروف بالمكاء، قال كلمته التي أولها:
ايا طائر الصمان مالك مفردا تأسيت بى أم عاق إلفك عائق
فقال فيها:
عدمت عتاق الخيل إن لم أزر بها عليها الكماة الدارعون البطارق
عليها رجال من تميم وقصرها كليب بن يربوع الكرام المصادق
وجثوتها سعد وفي جنباتها نمير وبيض من كلاب عواتق
وإن لم أصبح عامرا ومحاربا بخطة خسف أو تعقنى العوائق
أيحسبني العريان أنسى فوارسى غداة نزال الردم والموت عالق
وقال في كلمة أخرى يذكر عبد القيس:
أتحسب عبد القيس أتى نسبتها ولست بناسيها ولا تاركا تبلى
وهجر وكانت أعظم مدن البحر، وكان بها عياش المحاربي، وكان أعظمهم
[ ٣٤٠ ]
عدة، وأشدهم شوكة، ومواقعة أبى سعيد العباس بن عمرو الغنوي، وقد جرده المعتضد للقائه من البصرة في السبخة المعروفة بافان، وأفان ماء ونخل أراد العباس نزولها، وذلك عند ارتحاله من الماء المعروف بالإعياء، فسبقه أبو سعيد الى الماء، وطول هذه السبخة سبعة أميال، وبينها وبين البصرة سبعة أيام، وهي على يومين من ساحل البحر، وهي القطيف وبين القطيف وبين البحر ميل، ولها مدينة على الساحل، يقال لها عنك وفيها يقول الراجز:
طعن غلام لم يجئك بالسمك ولم يعلل بخياشيم عنك
فلما توسط العباس السبخة بعث أبا سعيد فغور. ما وراء، من المياه، وكانت في أعلى السبخة، وهو طريق ضيق وأبو سعيد في سبعمائة فارس وراجل من كلاب وعقيل وبحرانيين والعباس في سبعة آلاف من الجند، ومطوعة البصرة والبحرانيين، الذين كانوا خلوا عن البحرين وغيرهم.
فأسر العباس وأتى على أكثر من كان معه ولم ينج إلا الشريد، وذلك في رجب من سنة ٢٨٧.
وما كان من سريته الى صحار وهي قصبة عمان مرة بعد أخرى، ودخوله إياها عنوة وبين البحرين وعمان مسيرة عشرة أيام رمال ودهاس، وفي بعض المواضع ماء مالح، والى بلاد الفلج وهي على ثلاثة أيام من اليمامة، والى يبرين وهي من اليمامة على مثل ذلك أيضا، فأباد أهلها وكانت من أطيب بلاد الله وكثرها أهلا، وعمائر ونخلا وشجرا، فلا أنيس بها الى هذا الوقت وفيها يقول جرير
فقلت للركب إذ جد المسير بنا يا بعد يبرين من باب الفراديس
وسبب فتك الخادمين الصقلبيين الّذي كان أخذهما حين واقع بدر المحلى، وكان جاء من عمان في البحر لقتاله، وكان اصطنعهما فقتلاه في الحمام في ذي القعدة
[ ٣٤١ ]
سنة ٣٠٠ وعدة من خواص أصحابه من القطيفين معه وهم حمدان وعلى ابنا سنبر، وبشر، وابو جعفر ابنا نصير، وهما خالا ولد ابى سعيد المعروف بابن جنان ومحمد بن إسحاق وكانت مدة أبى سعيد مذ ظهرت دعوته بالقطيف وافتتح سائر مدن البحرين وآخرتها هجر إلى ان قتل سبعا وعشرين سنة وقد ذكرنا في كتاب خزائن الدين، وسر العالمين، عند ذكرنا أرباب النحل ورؤساء الملل وما أحدثوه عن الآراء والمذاهب ما ذكره من خالف هذه الطائفة ورد عليهم وحكى عنهم وان هذه الدعوة أحدثت بأصبهان سنة ٣٦٠ وما الغرض بها والمقصد منها وتسليمهم ظاهر الشريعة، وقولهم في تأويل معانيها، وأمرهم المدعو عند أخذ العهد عليه بستر ما يكشفونه له من تأويل كتاب الله، ومنهم من يقول للمدعو عند ذلك استر ما أكشفه لك من تأويل كتاب الله وتأويل التأويل وتبليغه الى مراتب ينتهون به اليها يسمونها البلاغ، وغير ذلك من دعواتهم ووجوه سياساتهم وأسرارهم في ذلك ورموزهم.
وقد صنف متكلمو فرق الإسلام من المعتزلة والشيعة والمرجئة والخوارج والنابتة ممن تقدم كتبا في المقالات وغيرها من الرد على المخالفين، كاليمان بن رئاب الخارجي، وزرقان غلام إبراهيم بن سيار النظام، ومحمد بن شبيب صاحب النظام أيضا، وعباد بن سلمان الصيمري، صاحب هشام بن عمرو الفوطي، صاحب أبى الهذيل محمد بن الهذيل العبديّ العلاف البصري، ومحمد بن عيسى بن غوث، صاحب الحسين بن محمد النجار، وأبى عيسى محمد ابن هارون الوراق، واحمد بن الحسن بن سهل المسمعي المعروف بابن أخى زرقان وغيرهم ممن شاهدناه كأبى على محمد بن عبد الوهاب الجبائي في كتابه في الرد على أصحاب التناسخ والخرمية وغيرهم من أهل الباطن، وأبى القاسم البلخي
[ ٣٤٢ ]
وأبى العباس عبد الله بن محمد الناشي، والحسين بن موسى النوبختيّ في كتابه في الآراء والديانات، وفي كتابه في الرد على الغلاة وغيرهم من الباطنية، وأبى محمد عبد الله بن محمد الخالديّ، وأبى الحسن بن أبى بشر الأشعري البصري الكلابي وغير هؤلاء فلم يعرض أحد منهم بوصف مذاهب هذه الطائفة ورد عليهم آخرون مثل قدامة بن يزيد النعماني، وابن عبدك الجرجاني، وابى الحسن ابن زكريا الجرجاني، وابى عبد الله محمد بن على بن رزام الطائفي الكوفي، وأبى جعفر الكلابي الرازيّ وغيرهم، فكل يصف من مذاهبهم ما لا يحكيه الآخر مع إنكار هذه الطائفة حكاية من ذكرنا وتركهم الاعتراف بها، ونحن فلم نقصد في كتابنا هذا حكاية مذاهبهم ولا الرد عليهم وكان مقتل محمد بن على الشلمغاني الكاتب المعروف بابن أبى العزاقر يوم الثلاثاء غرة ذي القعدة سنة ٣٢٢ فقطعت يداه ورجلاه وضربت عنقه وأحرق في مجلس الشرطة في الجانب الغربي لأمور ديانية أحدثهما ومقالات فيما ذكر ذكرها وأظهرها كثر المستجيبون له اليها وقتل معه رجل من اتباعه يقال له ابن أبى عون ويعرف بابن النجم الكاتب مثل ذلك.
وقد أتينا على ما ظهر من قوله وحكاه من هذا عن نفسه في رسالته المعروفة بالمذهبة وكتابه في الوصية وكتاب الغيبة وكتاب التسليم، وغير ذلك من كتبه في كتابنا في المقالات في أصول الديانات عند ذكرنا مذاهب الشيعة وغلاتهم.
[ ٣٤٣ ]