وبويع المأمون عبد الله بن هارون، ويكنى أبا جعفر، وامه أم ولد باذغيسية تسمى مراجل- البيعة العامة بعد قتل المخلوع يوم الأحد لخمس ليال بقين من المحرم سنة ١٩٨ وبايع للرضا على بن موسى بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين ابن على بن أبى طالب بالعهد بعده، وأزال لبس السواد ولبس بدله الخضرة وأخذ الناس بذلك فاضطرب من بمدينة السلام من الهاشميين، وعظم ذلك على أهل بغداد عامة وعلى الهاشميين خاصة لزوال الملك عنهم ومصيره الى ولد أبى طالب
[ ٣٠٢ ]
فأخرجوا الحسن بن سهل أخا ذي الرئاستين، وكان خليفة المأمون على العراق وبايعوا المنصور بن المهدي فلم يتم له أمر، وكان مضعفا فبايعوا أخاه إبراهيم ابن المهدي بالخلافة لخمس خلون من المحرم سنة ٢٠٢ ودعي له على المنابر بمدينة السلام وغيرها فوجه الجيوش لمحاربة الحسن بن سهل وهو بناحية المدائن فكانت الحروب بينهم سجالا وسار المأمون عن مرو يريد بغداد ومعه على بن موسى الرضا وزيره القائم بدولته الفضل بن سهل ذو الرئاستين، وقتل الفضل بن سهل غيلة في حمام بسرخس يوم الاثنين لخمس خلون من شعبان من هذه السنة، فقتل الرضا في طوس في أول صفر سنة ٢٠٣ ولما قرب المأمون من بغداد اضطرب على إبراهيم من كان يعتمد على نصرته، وقعد عنه أكثر من بايعه من الهاشميين وغيرهم فاستتر لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة من هذه السنة، وقال معاتبا للعباسيين
فلا جزيت بنو العباس خيرا على رغمى ولا اغتبطت بري
أتونى مهطعين وقد أتاهم بوار الدهر بالخبر الجلي
وقد ذهل الحواضن عن بنيها وصد الثدي عن فم الصبى
وحل عصائب الاملاك منها فشدت في رقاب بنى على
فضجت أن تشد على رءوس تطالبها بميراث النبي
وكانت أيامه منذ بويع الى ان استتر سنة واحدى عشر شهرا وأياما، ودخل المأمون مدينة السلام يوم السبت لثمان عشرة ليلة خلت من صفر سنة ٢٠٤ وأمر بإعادة لبس السواد وتخريق الخضرة بعد ثمانية أيام من قدومه ولم يزل إبراهيم مستقرا منتقلا بمدينة السلام الى أن ظفر به في استتاره ليلة الأحد لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الآخر سنة ٢١٠ فعفا عنه المأمون واعتقل مديدة ثم
[ ٣٠٣ ]
أطلقه ورد عليه نعمته، وإعادة الى رتبته وتوفى المأمون على عين البدندون من أرض الروم مما يلي طرسوس لثلاث عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ٢١٨ وله تسعة وأربعون سنة ودفن بطرسوس فكانت خلافته عشرين سنة وخمسة أشهر وثمانية عشر يوما، وكان أبيض يعلوه صفرة أجنى طويل اللحية ضيق الجبين كاملا عالما، جوادا، عظيم العفو، كريم المقدرة، ميمون النقيبة، حسن التدبير، جليل الصنائع، لا تخدعه الأماني، ولا تجوز عليه الخدائع، علمه بما بعد عنه من ملكه كعلمه بما حضره، وربما حرك منه الغضب فعجل بالعقوبة واستوزر الفضل بن سهل، ثم أخاه الحسن بن سهل. فلما أظهر العجز عن الخدمة لعوارض من العلل، ولزم منزله، عدل المأمون الى استكتاب كتاب لعلمه بكتابتهم وجزالتهم، وأنه ليس في عصرهم من يوازيهم ولا يدانيهم، فاستوزرهم واحدا بعد واحد أولهم أحمد بن أبى خالد الأحول. وكان ينوب عن الحسن بن سهل لما تخلف في منزله، فلما دعاه المأمون الى أن يستوزره قال «يا أمير المؤمنين اجعل بيني وبين الناس منزلة يرجوني لها صديقي، ويخافني بها عدوى، فما بعد الغايات إلا الآفات» ثم أحمد بن يوسف، ثم أبا عباد ثابت بن يحيى، وعمرو ابن مسعدة بن صول. وكان يجرى مجراهم، ولا يعده كثير من الناس في الوزراء ثم استوزر بعد هؤلاء محمد بن يزداد بن سويد. وتوفى المأمون، وهو على وزارته، ولم يملك المأمون بعد الفضل بن سهل كتابه أمره لقيامه بالملك واضطلاعه به، ولم ير أحد أنه مفتقر الى وزير يشركه في تدبيره، ولم يكن يسمى بين يديه أحد من كتابه وزيرا، ولا يكاتب بذلك، فلأجل ذلك ترك كثير من الناس، أن يعد من ذكرنا في الوزراء، ورأيت من صنف كتابا
[ ٣٠٤ ]
في أخبار الوزراء والكتاب، كأبى عبد الله محمد بن داود بن الجراح، ومحمد ابن يحيى الصولي الجليس، ومحمد بن عبدوس الجهشيارى، والمعروف بابن الماشطة الكاتب منهم من عدهم في الوزراء، ومنهم من لم يعدهم للسبب الّذي بينا.
وكان نقش خاتمه «الله ثقة عبد الله، وبه يؤمن» وقاضيه محمد بن عمر الواقدي، ويحيى بن أكثم وحجابه شبيب بن حميد بن قحطبة، ثم على بن صالح صاحب المصلّى، ثم محمد بن حماد بن دنقش.