وبويع المعتصم محمد بن هارون الرشيد، ويكنى أبا إسحاق، وأمه أم ولد تسمى ماردة- في الوقت الّذي توفى فيه المأمون.
وكان قدومه الى مدينة السلام، غرة شهر رمضان سنة ٢١٨، وبعث بالأفشين، وغيره من الأمراء، وقواد العساكر، لحرب بابك الخرمى بآذربيجان في سنة ٢٢٠.
وكان الفتح قد أسر بابك في شهر رمضان، وقيل شوال سنة ٢٢٢، وحمل الى سرمن رأى، فقتل بها في صفر سنة ٢٢٣.
فكان من أدركه الإحصاء ممن قتله بابك في اثنتين وعشرين سنة، من جيوش المأمون والمعتصم من الأمراء والقواد وغيرهم من سائر طبقات الناس في في القول المقلل خمسمائة ألف، وقيل أكثر من ذلك، وأن الإحصاء لا يحيط به كثرة.
وكان خروجه في سنة ٢٠٠ في خلافة المأمون، وقيل سنة ٢٠١ بجبل البذين
[ ٣٠٥ ]
من بلاد آذربيجان في الجاوذانية أصحاب جاوذان بن شهرك الخرمى صاحب بابك وغيرهم.
قال المسعودي: وقد ذكرنا في كتابنا (في المقالات في أصول الديانات) وفي كتاب (سر الحياة) مذاهب الخرمية الكوذكية منهم والكوذشاهية وغيرهم ومن منهم بنواحي أصبهان والبرج وكرج أبى دلف والزّزّين ززّ معقل وززّ أبى دلف ورستاق الورسنجان وقسم وكوذشت من اعمال الصيمرة من مهرجان قذق وبلاد السيروان وأربوجان من بلاد ماسبذان وهمذان وماه الكوفة وماه البصرة وآذربيجان وأرمينية وقم وقاشان والري وخراسان وسائر أرض الأعاجم وغيرها وما بينهم من التنازع، وما بين الفريقين وبين الحمرة والمزدقية والماهانية وغيرهم من الخلاف، وما جرى لنا من المناظرات مع من شاهدنا منهم في هذه المواطن وما ينتظره الجميع في المستقبل من الزمان الآتي من عود الملك فيهم، ومن خلع في الإسلام منهم وظهر من عهد الهرمزان الّذي قتله عبيد الله بن عمر بن الخطاب عند وفاة أبيه عمر الى وقتنا هذا وغير ذلك، واستقصينا الكلام على هؤلاء وغيرهم من أصحاب الاثنين وجميع من قال بالقدم على تباينهم وسائر من خالف التوحيد وباين ملة الإسلام في كتاب (الابانة في أصول الديانة) وكتابنا هذا كتاب خبر، لا كتاب بحث ونظر وخرج المعتصم الى ارض الروم غازيا فافتتح انقرة ومدينة عمّورية في شهر رمضان سنة ٢٢٣، وكان سخطه على الأفشين خيذر بن كاوس الأشروسني سنة ٢٢٥ وتوفى المعتصم بسر من رأى الخميس يوم لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول سنة ٢٢٧ وله ست وأربعون سنة وعشرة أشهر وكانت خلافته ثماني سنين وثمانية أشهر ويومين، وكان اصهب ابيض حسن الجسم جميل
[ ٣٠٦ ]
الوجه مربوعا، مشربا حمرة عريض الصدر، شديد البدن، طويل اللحية لم يشب، وكان الرجل الّذي لا يقاس به الرجال قوة بدن، وشدة بأس، وشجاعة قلب، وكرم أخلاق، آثر من استحدث من غلمانه الأتراك على المتقدمين من أوليائه ونصحاء آبائه وكان يسمى الخليفة المثمن، لأنه الثامن من خلفاء بنى العباس، وكان مولده سنة ١٧٨ وولى الخلافة سنة ٢١٨ وملك ثماني سنين وثمانية أشهر وثمانية أيام وفي قول بعضهم انه مات عن ثمانية بنين، وثماني بنات وخلف في بيت المال ثمانية آلاف ألف دينار، وثمانية آلاف ألف درهم وكانت له ثمانية فتوح عظام منها أسر بابك والمازيار بن قارن صاحب جبال طبرستان، وقهره المحمرة من الخرمية، وكانوا مائتي ألف، قد غلبوا على بلاد الماهات والجبال، وعظمت شوكتهم، واشتد أمرهم، وأسره البوارج، وهي مراكب الهند.
وكان فيها منهم عسكر عظيم، قد غلبوا على ساحل فارس وعمان وناحية البصرة، ثم إخلاؤه الزط عن البطائح، وما كانوا غلبوا عليه مما دون البصرة ومما بين البصرة وواسط، وقطعهم السبيل، وسفكهم الدماء.
وكانوا خلقا عظيما كثيرا ناقلة عن ناحية الهند لغلاء وقع هناك، فتنقلوا في بلاد كرمان وفارس وكور الأهواز الى أن صاروا الى هذه المواضع، فسكنوها، وغلبوا عليها، وعظم أمرهم، واشتد بأسهم، فأنزلهم بلاد خانقين وجلولاء من طريق خراسان وبلاد عين زربة من الثغر الشأمى، ومذ يومئذ صارت الجواميس بالشأم ولم تكن تعرف هنالك.
وقيل إن بدء الجواميس بالثغر الشأم وسواحل الشأم من جواميس كانت
[ ٣٠٧ ]
لآل المهلب ببلاد البصرة والبطائح والطفوف، فلما قتل يزيد بن المهلب نقل يزيد بن عبد الملك بن مروان كثيرا منها إلى هذه النواحي، ثم قتله جعفر بن مهر جيش الكردي.
وكان ذا عدة عظيمة بين الموصل وآذربيجان وارمينية، قد تغلب على البلاد وأخاف السبيل، وبسط يده في القتل. ثم هزيمة الأفشين لتوفي ملك الروم، ثم فتحه عمّورية، وأسره ياطس بطريقها وهي أعظم مدنهم بعد القسطنطينية، وقد أتينا على شرح هذه الحروب والوقائع في كتابنا (في اخبار الزمان ومن أباده الحدثان من الاسم الماضية والأجيال الخالية والممالك الدائرة) واستوزر الفضل بن مروان، وكان كاتبه قبل الخلافة، ثم أحمد بن عمار ابن شاذى البصري، وقيل بل كان خاصا به يتولى عرض الكتب عليه، ولم يكن وزيرا، واستوزر محمد بن عبد الملك الزيات.
وكان نقش خاتمه «الحمد للَّه الّذي ليس كمثله شيء، وهو خالق كل شيء» وقضاته جعفر بن عيسى الحسنى من ولد الحسن بن أبى الحسن البصري، وشعيب ابن سهل، ومحمد بن سماعة، وقاضى القضاة أحمد بن ابى دؤاد الأيادي.
وكان يذهب في الفقه مذاهب البصريين، وهي طريقة الحسن البصري وعبيد الله بن الحسن العنبري، وعثمان البتي والأصم وغيرهم، وتخلفه أبو الوليد ابنه وحاجباه محمد بن حماد بن دنقش، وبغا الكبير.
وهو أول خليفة من خلفاء بنى العباس انتقل عن مدينة السلام منذ بناها المنصور.
وكان السبب في ذلك، أن أهلها كرهوه وتأذوا بجواره حين كثر عبيده الأتراك، وغيرهم من الأعاجم، لما كانوا يلقون منهم ومن غلظتهم، وربما وثبت العامة على بعضهم، فقتلوه لصدمهم إياهم في حال ركضهم، فأحب التنحي
[ ٣٠٨ ]
بهم، والانفراد عن مدينة السلام، فخرج في آخر سنة ٢٢٠ الى ناحية القاطول، فنزل قصرا كان للرشيد هنالك، وهمّ أن يبنى في ذلك الموضع مدينة، ثم بدا له ولم يزل ينتقل في تلك النواحي حتى وقع اختياره على موضع سامرا، وهو في بلاد كورة الطيرهان، فابتدأ ببنائها في سنة ٢٢١، وسماها سرمن رأى، وكملت في أسرع مدة وعظمت عمائرها، واتصلت أسواقها وقصورها، ونقلت اليها الدواوين والعمال وبيوت الأموال، وقصدها الناس لنزول الخليفة بها وطيبها وحسن موقعها وعمارتها وصنوف مكاسبهم.
وقد ذكر أنها كانت قديمة مسماة بهذا الاسم، سميت بسام بن نوح، وأنها كانت آهلة عظيمة عامرة، فلم تزل تتناقص على مر الزمان وكان آخر خرابها في أيام فتنة الأمين والمأمون، وأن موضع قصر المعتصم، كان ديرا للنصارى وأراضى، فابتاعها منهم، وسرمن رأى آخر المدن العظيمة، التي أحدثت في الإسلام، وهي سبع ونحن ذاكروها في هذا الموضع لما تقتضيه الحال من ذكرها وحسن موقعها عند جمعها واتصال نظمها.
فالأولى منها البصرة، وكان تمصير عتبة بن غزوان أحد بنى مازن بن منصور إخوة سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر البصرة في المحرم سنة ١٧ للهجرة، وبنى مسجدها.
ومن الناس من يرى أنها مصرت في أحد شهري ربيع سنة ١٦، وأن عتبة ابن غزوان، إنما خرج إليها من المدائن بعد فراغ سعد بن أبى وقاص من حرب الفرس بجلولاء الوقيعة، وأن عتبة قدم البصرة وهي يومئذ تدعى أرض الهند فيها أحجار بيض فنزل موضع الخريبة وذهب أبو مخنف لوط بن يحيى الغامدي، وأبو الحسن على بن محمد المدائني والهيثم بن عدي وغيرهم، إلى أن نزول عتبة بن غزوان موضع البصرة كان في
[ ٣٠٩ ]
سنة ١٤. وأن عمر كان أنفذ عتبة إلى ما هنالك، لقطع مواد الفرس عن المدائن وما حولها.
قال المسعودي: ومن هاهنا أغفل من ذهب إلى أن البصرة مصرت في هذه السنة.
والثانية الكوفة، تنوزع في تمصير سعد بن أبى وقاص الكوفة، فمنهم من قال كان ذلك في سنة ١٧ أيضا، والى هذا ذهب الواقدي في آخرين، وذهب آخرون إلى أنها مصرت سنة ١٥.
وأن عبد المسيح بن بقيلة الغساني دل سعدا على موضعها، وقال أدلك على أرض ارتفعت عن البق وانحدرت عن الفلاة.
ولا خلاف بينهم جميعا أن البصرة والكوفة بنيتا بعد فتح المدائن، دار مملكة فارس، وخروج الملك يزدجرد بن شهريار بن كسرى أبرويز عنها الى حلوان ووقعة جلولاء الوقيعة.
والثالثة فسطاط مصر، كان تمصير عمرو بن العاص فسطاط مصر سنة ٢٠ وكان مسيره اليها وحروبه مع أهلها سنة ١٩ على ما في ذلك من التنازع.
كذلك ذكر أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري في كتابه في فتوح البلدان، وأن اسم الحصن الّذي كان قتالهم عليه وهو وسط مدينة الفسطاط، واليوم يعرف بقصر الشمع بابليون وقيل أليونة، فسماها المسلمون فسطاطا لأنهم قالوا هذا فسطاط القوم ومجمعهم وذكر عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم المصري في كتابه في فتوح مصر والاسكندرية والمغرب والأندلس وأخبارها، أن عمرا أقام محاصرا لهم سبعة أشهر إلى أن افتتحها، وسار الى الاسكندرية، فلما فرغ من فتحها، ورأى منازلها وأبنيتها مفروغا منها همّ أن يسكنها، وقال «مساكن قد كفيناها»
[ ٣١٠ ]
فكتب الى عمر يستأذنه في ذلك، فسأل عمر الرسول «هل يحول بيني وبين المسلمين ماء؟» قال نعم يا أمير المؤمنين النيل، فكتب عمر الى عمرو «إني لا أحب أن ينزل المسلمون منزلا يحول الماء بيني وبينهم في شتاء ولا صيف» فتحول عمرو من الاسكندرية الى الفسطاط.
قال عبد الرحمن وغيره، وإنما سميت الفسطاط لأن عمرو بن العاص لما أراد التوجه الى الاسكندرية لقتال من بها من الروم أمر بنزع فسطاط، فإذا فيه يمام قد فرخ فقال عمرو لقد تحرم بمتحرم، فأمر به فأقر كما هو، وأوصى به صاحب قصر الشمع فلما قفل المسلمون من الاسكندرية قالوا أين ننزل، فقال بعضهم الفسطاط لفسطاط عمرو الّذي كان خلفه، فنزلوا ووضعوا أيديهم في البناء، ولم يزل عمرو قائما حتى وضعوا قبلة المسجد والرابعة الرملة لما ولى الوليد بن عبد الملك أخاه سليمان جند فلسطين نزل لدّ، ثم أحدث مدينة الرملة ومصرها.
وكان أول ما بنى قصره والدار التي تعرف بدار الصباغين الى هذا الوقت وأذن للناس فبنوا واحتفر لهم القناة التي تدعى بردة، وآبارا كثيرة، واخنط للمسجد خطة وبناه، فولى الأمر قبل استتمامه، وبنى قبة في أيامه وأتمه عمر ابن عبد العزيز بعده غير انه نقص من الخطة، وقال «أهل الرملة يكتفون بهذا المقدار الذي اقتصرت عليه» كذلك ذكر أحمد بن يحيى البلاذري.
والخامسة واسط العراق، كان بناء الحجاج مدينة واسط العراق سنة ٨٣ أو ٨٤ فيما ذكر احمد بن يحيى وبنى مسجدها وقصرها والقبة الخضراء بها وكانت أرض قصب، فلذلك سميت واسط القصب، وبينها وبين البصرة والكوفة والأهواز وبغداد مقدار واحد، وهو خمسون فرسخا
[ ٣١١ ]
والسادسة مدينة السلام كان ابتداء ابى جعفر المنصور ببناء مدينته المنسوبة اليه في الجانب الغربي من بغداد سنة ١٤٥ وكان هناك دير عادى مما يلي الصراة وباغ وهو البستان بالفارسية فقيل بغداد لأجل ذلك وقيل إنه كان موضع صنم يقال له باغ، قبل ظهور المجوسية وغلبة فارس على هذا الصقع، والأول أشهر، كذلك ذكر ابن أبى طاهر في كتابه في أخبار بغداد، وغيره من المصنفين فلما ظهر محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن ابى طالب بالمدينة وأخوه إبراهيم بالبصرة شخص المنصور الى الكوفة ولم يزل مقيما بها إلى أن قتلا فعاد الى بغداد سنة ١٤٦ واستتم بناءها، وسماها مدينة السلام، وحول بيوت الأموال والدواوين إليها ثم بنى للمهدي الرصافة في الجانب الشرقي من بغداد، وكان هذا الجانب يدعى عسكر المهدي لمعسكره فيه عند شخوصه إلى الري، فلما عاد نزل الرصافة سنة ١٥١ واتصلت الأبنية في الجانبين جميعا، ويسمى الجانب الغربي من بغداد الزوراء، لازورار الناس في قبلتهم، والجانب الشرقي الروحاء الى وقتنا هذا والسابعة سرمن رأى، على ما قدمنا