وبويع المقتدر جعفر بن أحمد المعتضد، ويكنى أبا الفضل، وقيل إن اسمه إسحاق، وإنه إنما اشتهر بجعفر لشبهة بالمتوكل، وأمه أم ولد رومية، تسمى شغب- يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة ٢٩٥ ولأربعة أشهر من خلافته أجمع جماعة من قواده وكتابه، فيهم الحسين بن حمدان بن حمدون التغلبي ووصيف بن صوارتكين الخزري، ومحمد بن داود بن الجراح، وعلى بن عيسى وغيرهم من رؤساء الأجناد، ووجوه
[ ٣٢٦ ]
الكتاب على خلعه، والبيعة لعبد الله بن المعتز.
ففتك الحسين بن حمدان بالعباس بن الحسن، وقتل معه فاتك المعتضدي لمنعه عنه، وخلعوا المقتدر، وبايعوا ابن المعتز، يوم السبت للنصف من شهر ربيع الأول سنة ٢٩٦، وأقاموا على ذلك يوما وليلة، ولم يزل المقتدر عن سرير ملكه، ولا أخرج من دار الخلافة.
ثم أناب عدة من خواص الغلمان، فحاربوا شيعة ابن المعتز، فشتتوهم وهربوا على وجوههم، وقتل منهم جمع كثير، وقبض على ابن المعتز، فقتل.
وصفا الأمر للمقتدر، ثم خلع بعد ذلك، وأزيل عن سرير ملكه، وأخرج عن دار الخلافة للنصف من المحرم سنة ٣١٧.
وبويع أخوه القاهر، وجلس على سرير الملك، وسلم عليه بالخلافة.
وكان من الذين سعوا في خلعه أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان بن حمدون ونازوك المعتضدي، وغيرهما من رؤساء القواد، ووجوه الأجناد، وأدخلوا معهم في الأمر مؤنسا الخادم المظفر على كره منه، ثم أناب عدة من الرجال، ففتكوا بنازوك في الدار، ونادوا باسم المقتدر، وقتل أبو الهيجاء، وتبايع أشياع المقتدر وخواصه، فأعيد إلى سرير ملكه، وجددت له البيعة، وصفا له الأمر، وذلك في يوم الاثنين، لسبع عشرة ليلة خلت من المحرم من هذه السنة.
ثم فسدت الحال بينه وبين مؤنس الخادم، فخرج مؤنس الى الموصل، ولحقه أكثر الجيش، فعاد الى مدينة السلام.
وخرج المقتدر فيمن بايعه من الجيوش للقائه، فقتل بظاهر مدينة السلام، مما يلي الشماسية، يوم الأربعاء لثلاث ليال بقين من شوال سنة ٣٢٠، وله ثمان وثلاثون سنة وشهر وسبعة عشر يوما.
[ ٣٢٧ ]
وكان ربع القامة الى القصر ما هو، دري اللون، صغير العينين، أحور حسن الوجه واللحية أصهبها، أفضت الخلافة اليه، وهو صفير، غرّ ترف، لم يعان الأمور، ولا وقف على أحوال الملك. فكان الأمراء والوزراء والكتاب، يدبرون الأمور، ليس له في ذلك حل ولا عقد، ولا يوصف بتدبير ولا سياسة وغلب على الأمر النساء والخدم وغيرهم، فذهب ما كان في خزائن الخلافة من الأموال والعدد بسوء التدبير الواقع في المملكة، فأداه ذلك الى سفك دمه، واضطربت الأمور بعده، وزال كثير من رسوم الخلافة.
قال المسعودي: ولم يتقلد الخلافة من أمية وبنى العباس الى وقتنا هذا وهو سنة ٣٤٥ في خلافة المطيع من اسمه جعفر إلا جعفر المتوكل وجعفر المقتدر، وكان مقتلهما جميعا في شوال قتل المتوكل على ما قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب ليلة الأربعاء لثلاث ليال خلون من شوال سنة ٢٤٧ ولم يهج لأجل ذلك فتنة ولا شهر لأجله سيف وقتل المقتدر بين خاصة وضائعه دون سائر من كان معه يوم الأربعاء لثلاث بقين من شوال على ما ذكرنا وتولى قتل المقتدر موالي أبيه المعتضد وكانت فيه وفي أيامه أمور لم يكن مثلها في الإسلام منها أنه ولى الخلافة، ولم يل أحد قبله من الخلفاء وملوك الإسلام في مثل سنه، لأن الأمر افضى اليه وله ثلاث عشرة سنة وشهران وثلاثة أيام ومنها انه ملك خمسا وعشرين سنة إلا خمسة عشر يوما، ولم يملك هذا أحد من الخلفاء وملوك الإسلام قبله ومنها انه استوزر اثنى عشر وزيرا فيهم من وزر له المرتين والثلاث، ولم يعرف فيما قبله انه استوزر هذه العدة ومنها غلبة النساء على الملك والتدبير حتى أن جارية لأمه تعرف بثمل القهرمانة كانت تجلس للنظر في مظالم الخاصة والعامة ويحضرها الوزير والكاتب والقضاة،
[ ٣٢٨ ]
وأهل العلم ومنها ان الحج بطل فلم يحج في سنة ٣١٧ لدخول ابى طاهر سليمان بن حسن ابن بهرام الجنابي القرمطى صاحب البحرين مكة، وكان دخوله إياها يوم الاثنين لسبع خلون من ذي الحجة، ولم يبطل الحج منذ كان الإسلام غير تلك السنة، وغير ذلك من الأحوال التي كانت في أيامه واستوزر العباس بن الحسن على ما كان عليه في أيام المكتفي فلما قتل العباس استوزر على بن محمد بن موسى بن الفرات، ثم محمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان الملقب بدق صدره، ثم على بن عيسى بن داود بن الجراح، ثم على بن محمد بن الفرات الوزارة الثانية، ثم حامد بن العباس ثم على بن محمد بن الفرات الوزارة الثالثة، ثم عبد الله بن محمد بن عبيد الله الخاقانيّ وزر وأبوه محمد بن عبيد الله حي، وكانت وفاته بعد وزارة ابنه باثني عشر يوما، وذلك يوم الاثنين وقت العصر لثمان بقين من شهر ربيع الآخر، وقيل الأول سنة ٣١٢ وكان آخر من وزر وأبوه حي الى وقتنا هذا وقد ذكرنا فيما سلف من هذا الكتاب من وزر وأبوه حي مثل أبى سلمة حفص بن سليمان الخلال، وعبيد الله بن يحيى بن خاقان، والعباس بن الحسن ابن أيوب، ثم استوزر احمد بن عبيد الله الخصيبى، ثم على بن عيسى الوزارة الثانية ثم أبا على محمد بن على بن مقلد، ثم سليمان بن الحسن بن مخلد بن الجراح، وهو ابن عم على ابن عيسى، ثم عبيد الله بن محمد الكلواذاني، ثم الحسين بن القاسم ابن عبيد الله بن سليمان بن وهب، ثم الفضل بن جعفر بن موسى بن الفرات وكان نقش خاتمه المقتدر باللَّه، وقاضيه محمد بن يوسف بن يعقوب على الجانب الشرقي والكرخ، وقلد قضاء القضاة الى أن توفى فقلد ابنه عمر بن محمد بن يوسف الجانب الشرقي والكرخ، وعلى مدينة المنصور واعمالها عبد
[ ٣٢٩ ]
الله بن على بن أبى الشوارب، وبعده ابنه محمد بن عبد الله وبعده عمر بن الحسن المعروف بالأشناني، وانتقض وبعده الحسن بن عبد الله بن أبى الشوارب، وبعده عمر بن محمد بن يوسف وحجبه سوسن مولاه، ثم نصر القشوري، ثم ياقوت وإبراهيم ومحمد ابنا رائق قال المسعودي: ومن الكوائن العظيمة والانباء الجليلة التي كانت في أيامه ما لم يتقدم مثلها في الإسلام مسير أبى طاهر سليمان بن الحسن بن بهرام الجنابي صاحب البحرين من الإحساء من بلاد البحرين الى البصرة في أربعمائة فارس على أربع مائة حجرة لا حصان فيها وخمسمائة راجل ودخولهم إياها ليلا وقتلهم سبكا المفلحي، ومن قدروا عليه من أصحابه، ومن ظهر لهم من الرعية، وذلك في ليلة الخميس لثلاث وقيل لخمس بقين من شهر ربيع الآخر سنة ٣١١ وقيل بل ليلة الاثنين لست بقين منه، وكان مسيرهم من الإحساء اليها في ست ليال وتهارب الناس منهم الى الأبلة والمفتح والشطوط والأنهار والجزائر، وغير ذلك وأقاموا في البلد سبعة عشر يوما، ثم رحلوا عنها منقلبين بما احتملوا منها الى بلدهم، ثم اعتراضه الحاج في منصرفهم عن مكة بنواحي الهبير، مما يلي الثعلبية وهو في خمسمائة فارس وستمائة راجل وقتله من قتل من القواد وسائر الأولياء وغيرهم، واسره أبا الهيجاء عبد الله بن حمادان بن حمدون أميرهم، واحمد بن بدر العم، واحمد بن محمد بن كشمرد، وغيرهم من الوجوه وسائر طبقات الناس من النساء والرجال، وأخذهم الشمسية وغيرها من صنوف الأموال التي لا يوقف على تحديدها ومبلغها، وذلك يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة بقيت من المحرم سنة ٣١٢، ثم اعتراضه الحاج في بدأتهم سنة ٣١٣ في خمسمائة فارس وستمائة راجل أيضا وظفره ببعضهم ورجوع الباقين الى الكوفة ومدينة السلام، ومصيره الى الكوفة وموافقته من كان بها من الأولياء الذين جردوا من الحضرة للقائه وهم جعفر بن
[ ٣٣٠ ]
ورقاء الشيباني، وجنى الصفواني الخادم مولى ابن صفوان العقيلي، وثمل الخادم الدلفى، صاحب انطاكية والثغور الشامية، وطريف السبكري الخادم وإسحاق بن شروين السبكري وغيرهم من رؤساء الأجناد وهزيمته إياهم وقتله من قتل منهم واسره جنيا الصفواني وغيره، وذلك يوم الأحد لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة من هذه السنة، ثم مسيره عن الكوفة الى الإحساء بالذرية والثقلة وتسليمه البلد الى إسماعيل بن يوسف بن محمد بن يوسف المعروف بالأخيضر صاحب اليمامة بن إبراهيم بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب ومسير أبى القاسم يوسف بن أبى الساج عن واسط في عساكره للقائه، وكان السلطان أشخصه عما كان يليه من الأعمال من بلاد آذربيجان وارمينية وأران والبيلقان وغيرها ليستعد من واسط وينفذ الى بلاد البحرين، وكان مقيما بواسط، مستعدا الى أن جاءه الخبر بمسير صاحب البحرين الى الكوفة، فخرج مبادرا له مسبقه أبو طاهر اليها ونزل الموضع المعروف بالخورنق وحازاها ونزل ابن أبى الساج في اليوم الثاني بالقرب منه في الموضع المعروف بين النهرين مما يلي القرية المعروفة بحروراء واليها أضيفت الحرورية من الخوارج، وابو طاهر بينه وبين الكوفة فكانت الوقعة بينهم يوم السبت لتسع خلون من شوال سنة ٣١٥ فأسر ابن أبى الساج واصطلم عسكره وأتى على أكثر من ثلاثين ألف فارس وراجل مع تفرق كثير من أصحابه عنه في الطريق وتأخرهم عنه، وصاحب البحرين في نحو من الفين من المقاتلة أكثرهم رجالة، ثم مسيره عن الكوفة حتى جاز الأنبار وقطع عدة من أصحابه الفرات الى الجانب الشرقي، فقتلوا من كان بالأنبار من القواد منهم المعروف بالحارثى، وبرغوث وابن بلال ومحمد بن يوسف الخزري وغيرهم من الأولياء، وذلك يوم الثلاثاء لثلاث خلون من ذي العقدة من هذه السنة، وعقد على الفرات جسرا، وخلف السواد والذرية، وعبر في جريدة خيل من
[ ٣٣١ ]
أصحابه الى الأنبار، وسار عنها يريد الحضرة، حتى انتهى الى النهير المعروف بزبارا فوق التل المعروف بعقرقوف بفرسخ وذلك على بعض يوم من مدينة السلام وكان مؤنس الخادم نصر، ونصر الحاجب المعروف بالقشورى، وأبو الهيجاء عبد الله بن حمدان، وقد كان أطلقه وغيره ممن سمينا أنه أسر معه قبل رحيله لمواقعة ابن ابى الساج وسائر من كان بالحضرة من عساكر السلطان معسكرين على هذا النهر، فلما أحسوا بدنوه قطعوا القنطرة التي عليها وصار النهر حاجزا بين الفريقين فشرع قوم من رجالته فرموا بالنشاب، وذلك في اليوم الثاني عشر والثالث عشر من ذي القعدة من هذه السنة ورجع يريد الأنبار وبعث مؤنس غلامه يلبق في نحو من ثلاثة، وقيل من سبعة آلاف على طريق قصر بن هبيرة من طريق الكوفة فعبروا على جسر الفرات المعروف بجسر سورا وساروا في البر ليخالفوه الى سواده.
وقد كان قوم من الأولياء، شرعوا في الماء، فأحرقوا الجسر الّذي عقده، فحصل في الجانب الشرقي وسواده في الجانب الغربي.
وقيل إنه قطع الجسر عند عبوره، وتأدى اليه خبر يلبق فعبر الفرات في زورق عشرة عشرة من أصحابه، فيهم ثلاثة إخوة له، وعبر خلق سباحة فسبق الى سواده. وقتل أخواه أبو العباس الفضل وأبو يعقوب يوسف، وكانا في السواد بن أبى الساج حين بلغهما قرب يلبق منهم، فلقى يلبق. فأتى على أكثر من كان معه ونجا يلبق منكسرا. وذلك يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة من هذه السنة.
وسار الى مدينة هيت في ثقلته فنزل عليها وحصرها- وأنا يومئذ بها منحدرا من الشأم أريد مدينة السلام- وعبر أصحابه الذين كانوا في جانب الأنبار على أطواف اتخذوها في الموضع المعروف بفم بقة أسفل هيت، فاجتمعوا منه فواقع.
[ ٣٣٢ ]
أهل هيت يوم الأحد لثمان خلون من ذي الحجة من هذه السنة.
وكان عبر اليها من المساء هارون بن غريب الخال، وأبو العلاء سعيد بن حمدان، ويونس غلام الأصمعي وغيرهم من الأولياء فكان القتال بينهم فوق السور واحترقت له عدة دبابات.
وعاد الى معسكره وارتحل عنها يوم الاثنين صبيحة الوقعة الى ناحية رحبة مالك بن طوق وارتفعت من معسكره نار عظيمة عند السحر قبل رحيله فظننا انه يريد معاودة الحرب وإذا هو قد ضرب ثقلته بالنار لكثرة الذرية والثقلة وقلة الظهر، وصار الى الرحبة وعليها يومئذ ابو جعفر محمد بن عمرون التغلبي فافتتحها عنوة ونزلها وهي من الجانب الشأمى، وقرقيسيا وهي من الجانب الجزري، وبث منها السوارب إلى النواحي، منها سرية الى كفرتوثا ورأس العين ونصيبين عليها الحسين بن على بن سنبر الثقفي، ومعاذ الأعرابي الكلابي، فأوقعوا بالاعراب من تغلب والنمر وغيرهم من الحاضرة.
وقد كان أنفذ سليمان الجلي قبل ذلك الى كفرتوثا لحمل الزاد والميرة الى معسكره، وكان من ذوى النسك منهم والدراية بمذهبهم، وقد كلمت غير واحد من دعاتهم، وذوى المعرفة منهم، فلم أر مثله دراية وتحصيلا وتدينا بما هو عليه، وحسن إتقان للسياسة التي تكون مع الدعاة.
وكان أولا مع أبى زكريا البحراني، ثم صار مع أبى سعيد الجنابي وولده، ووجه بسرية له في نحو الفين، وقيل دون ذلك الى الرقة، وهي على ثلاثين فرسخا من الرحبة.
وكان على السرية الحسين بن على بن سنبر ومعاذ الكلابي أيضا، وكان نزولهما عليها يوم الأحد، لثمان بقين من جمادى الاولى سنة ٣١٦، وأميرها نجم غلام جنى الصفواني، فكان القتال بينهم يوم الثلاثاء والأربعاء، لخمس بقين من
[ ٣٣٣ ]
هذا الشهر، وانصرفوا في آخر يوم الأربعاء، وقد أصيب عدة من الفريقين، الأكثر منهم من السرية، راجعين الى الرحبة.
وأقام صاحب البحرين بالرحبة يروّى في نزول مدينة الرملة من بلاد فلسطين أو مدينة دمشق فيما حكى، ثم عمل على الرجوع الى بلده لأمور قد ذكرناها في غير هذا الموضع من أخبارهم، فسار عن الرحبة في أول شعبان سنة ٣١٦ في البر والماء منحدرا في الفرات.
وكان مقامه بالرحبة، الى أن خرج عنها نحوا من سبعة أشهر، فنزل على هيت ثانية فقاتلهم قتلا شديدا في الماء والبر، ولم يكن معه في الاولى سفن، ثم انحدر عنهم، وسار الى ناحية الكوفة والقادسية. وامتار واجتاز بظاهر البصرة وعاد الى البحرين. وذلك في آخر المحرم وأول صفر سنة ٣١٧.
ثم سار الى مكة فدخلها يوم الاثنين لسمع خلون من ذي الحجة من هذه السنة في ستمائة فارس وتسعمائة راجل، وأميرها يومئذ محمد بن إسماعيل المعروف بابن مخلب بعد أن كان من بها من الأولياء وغيرهم من عوام الناس من الحاج وغيرهم صافوه ثم انكشفوا من بين يديه عند قتل نطيف غلام ابن حاج. وكان من شحنة مكة وممن يعول عليه وأخذ الناس السيف وعاذوا بالمسجد والبيت.
فاستحر القتل فيهم وعمهم. وقد تنوزع في عدة من قتل من الناس من أهل البلد وغيرهم من سائر الأمصار فمكثر ومقلل، فمنهم من يقول ثلاثين الفا ومنهم من يقول دون ذلك وأكثر. وكل ذلك ظن وحسبان إذ كان لا يضبط وهلك في بطون الأودية ورءوس الجبال والبراري عطشا وضرا ما لا يدركه الإحصاء واقتلع باب البيت الحرام.
وكان مصفحا بالذهب وأخذ جميع ما كان من البيت من المحاريب الفضة والجزع وغيره ومعاليق وما يزين به البيت من مناصق ذهب وانازيرات ذهب
[ ٣٣٤ ]
وفضة وقلع الحجر الأسود ومقدار موضعه ما يدخل فيه اليد إلى أقل من المرفق.
وجرد البيت مما كان عليه من الكسوة. وحمل ذلك على خمسين جملا إلا ما أصابه الدم عند عوذ الناس به فإنه ترك. وذلك يوم السبت لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة ٣١٧.
وكان مقامهم بمكة ثمانية أيام يدخلونها غدوة ويخرجون منها عشيا يقتلون وينهبون، ورحل عنها يوم السبت من هذا الشهر، وعرضت له هذيل بن مدركة ابن الياس بن مضر وهم رجالة في المضايق والشعاب والجبال وحاربوه حربا شديدا بالنبل والخناجر ومنعوه من المسير واشتبهت عليهم الطرق فأقاموا بذلك ثلاثة أيام حائرين بين الجبال والاودية.
وتخلص كثير من النساء والرجال المأسورين واقتطعت هذيل مما كان معهم ألوفا كثيرة من الإبل والثقلة. وكانت ثقلته على نحو مائة ألف بعير عليها أصناف المال والأمتعة الى أن دله عبد أسود من عبيد هذيل يقال له زياد استأمن اليه على طريق سلكه فخرج عن المضايق وسار راجعا الى بلده.
قال المسعودي: ونحن نذكر في أخبار الراضي فيما يرد من هذا الكتاب ما كان له من السرايا في أيامه وغير ذلك من أحواله.
وكان مقتل الحسين بن منصور المعروف بالحلاج من أهل مدينة البيضاء من أرض فارس لست بقين من ذي القعدة سنة ٣٠٩ ضرب ألف سوط وقطعت يداه ورجلاه، وضربت عنقه وأحرقت جثته، وذلك في مجلس الشرط على سور السجن المعروف بالمترف من هذا الجانب، وكان يوما عظيما لمقالات حكيت عنه في الديانة كثر متبعوه عليها والمنقادون اليها، وكان يظهر التصوف والتأله، وقد ذكرنا فيما سلف من كتبنا ما صح عندنا من مذهبه، وذكره في
[ ٣٣٥ ]
كتبه عند ذكرنا مقالات أرباب النحل ورؤساء الملل