وبويع المكتفي على بن احمد المعتضد، ويكنى أبا محمد وأمه أم ولد يقال لها خاضع وتلقب جيجق في الوقت الّذي توفى فيه المعتضد، وتوفى بمدينة السلام ليلة الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة ٢٩٥ وله احدى وثلاثون سنة وستة أشهر، وقيل أكثر من ذلك، وكانت خلافته ست سنين وتسعة عشر يوما وكان دقيقا أسمر اللون أعين قصيرا حسن الشعر واللحية كبيرهما، حسن الوجه والبدن، أفضى الأمر اليه بعد توطئة أبيه الأمور له، فبلى بكثرة الفتوق عليه واضطراب الاطراف. وكان ماله جما، وجيوشه كثيفة، فقام بتلك الأمور مقتفيا فعال أبيه، محتذيا طرائقه، ولم يكن ممن يوصف بشجاعة ولا جبن واستوزر القاسم بن عبيد الله على ما كان عليه في أيام المعتضد، ثم العباس بن الحسن، وزر وأبوه الحسن بن أيوب بن سليمان حي وكان نقش خاتمه كنقش خاتم أبيه المعتضد «الحمد للَّه الّذي ليس كمثله شيء
[ ٣٢١ ]
وهو خالق كل شيء» وعلى قضائه يوسف بن يعقوب وابنه محمد بن يوسف، وابو خازم، ثم صير مكانه عبد الله بن على بن أبى الشوارب الأموي، وحاجبه خفيف السمرقندي، ثم سوسن مولاه ومما كان في أيام المكتفي من الحوادث العظيمة التي يجب ذكرها خروج القرمطى صاحب الشأم المكنى أبا القاسم، المنتمي الى آل ابى طالب، وليس منهم في قبائل الكلبيين مما يلي السماوة سنة ٢٨٩ وسار الى ناحية الرقة من بلاد مضر فلقيه سبك الديلميّ عاملها فاصطلمه القرمطى، ومن معه من الجنود، وسار الى نواحي دمشتى فلقيه طغج بن جف الفرغاني عامل دمشق وحمص والأردن لهارون بن خمارويه بن احمد بن طولون صاحب مصر والشأم بالموضع المعروف بوادي القردان والأفاعي من اعمال دمشق سلخ رجب سنة ٢٨٩ وأول ان معه من القواد لموضع المعروف بالكده ن من شهر ربيع الأول سنة ٢٩٠ فهزمه أيضا قتل خلقا من أصحابه، وحصره بدمشق ثلاثة أشهر وعشرين يوما يقاتله أشد قتال والحرب بينهما سجال وتقرمط أكثر من حول دمشق من الغوطة وغيرها وعاضدوه فوافت عساكر المصريين وانضم اليه طغج فواقعوه بالموضع المعروف بكناكر وكوكبا على يوم من دمشق غرة رجب من هذه السنة، فقتل القرمطى في المعركة وانهزم المصريون بعقب ذلك.
فيايع القرامطة إخاله يكنى أبا الحسن، وعاودوا حصار دمشق، يغادون أهلها القتال، ويراوحونهم.
وقد أسلمه سلطانهم، وخرج منهم، ورحل القرمطى عنهم الى حمص يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب من هذه السنة.
فأقام بها، ووجه الى مدينة بعلبكّ من أعمال دمشق. فأباد أهلها، فنهض
[ ٣٢٢ ]
المكتفي حينئذ عن مدينة السلام في عساكره، وقدم أبا الأغر خليفة بن المبارك ابن خليفة السلمي أمامه، فنزل أبو الأغر بظاهر مدينة حلب.
ووجه القرمطى سرية كبسته، فأتت على أكثر من كان معه، وذلك لعشر بقين من شهر رمضان من هذه السنة.
واجتاحت ما بين حمص وحلب وانطاكية المكتفي، وانهض الجيوش بنواحي البر مما يلي شيزر من المحرم سنة أ من أصحابه، وأسر جمع كثير، ووقع بين من بقي منهم تحزب، ففارقهم القرمطى مختفيا، وعمل بالمصير الى ناحية الكوفة، فظفر به والى الدالية من أعمال الرحبة، وسقى الفرات ومعه أربعة نفر أو خمسة.
فقبض عليه وحمل الى المكتفي بالرقة، فأدخل يوم الاثنين لأربع ليال بقين من المحرم من هذه السنة.
ثم دخل المكتفي مدينة السلام في أحسن زي وأكمل عدة، والقرمطى ومن أسر من أصحابه بين يديه يوم الاثنين مستهل شهر ربيع الأول من هذه السنة.
ودخل بعده محمد بن سليمان في بقية الجنود، ومعه جمع من الأسارى من أصحاب القرمطى ممن تتبع بالشأم.
ثم قتل القرمطى وأصحابه بالدكة التي بنيت لهم في المصلّى العتيق ظاهر الجانب الشرقي من مدينة السلام لسبع بقين من شهر ربيع الأول من هذه السنة.
فكان ذلك من أجل الفتوح وأعمها سرورا بخواص الناس وعوامهم، لما أبادوا من الخلق.
وكان ظهوره بالشأم، وما أباد من عساكر الطولونية، سبب خروج محمد بن سليمان الى مصر، وفتحه إياها وتشتيت أمر آل طولون وانحلال دولتهم وزوال
[ ٣٢٣ ]
مدتهم، وكان دخوله إياها يوم الخميس مستهل شهر ربيع الأول سنة ٢٩٢ فكانت مدة دولة بنى طولون سبعا وأربعين سنة وخمسة أشهر وسبعة أيام.
ثم خرج قرمطى آخر، يكنى أبا غانم في جمع من كلب أيضا بنواحي الشأم في سنة ٢٩٣.
وقوى أمره وكثر اتباعه، وصار الى نواحي أذرعات وبصرى من حوران والبثنية من أعمال دمشق.
وعاث وقتل وسبى وصار الى مدينة طبرية من بلاد الأردن، فدخلها بالسيف، وقتل أميرها جعفر بن ناعم، وكثيرا من الجند والعوام فجرد السلطان للقائه الحسين بن حمدان التغلبي، فلقيه بالموضع المعروف بخندف من أعمال دمشق.
فجرت بينهما وقعة تكافئا فيها، ثم كانت للحسين عليهم، فانكشف القرمطى منهزمها في البرية، وذلك في شعبان من هذه السنة، وفي ذلك يقول بعض بنى كلاب،
لولا حسين يوم وادي خندف وخيله ورجله لم تشتف
نفس أمير المؤمنين المكتفي
في كلمة له طويلة يصف صاحب هذه الوقعة، وما كان فيها، وأفعال القرامطة بالشأم وسار القرمطى الى هيت، فقتل من أهلها وضربها بالنار، وارتحل عنها متوجها الى ناحية البر.
وأنفذ المكتفي عدة قواد لطلبه منهم محمد بن إسحاق بن كنداجيق، ومؤنس الخازن المعروف بالفحل، وغيرهما، فاختلفت كلمة من كان معه من الكلبيين وخافوا الفناء لاحاطة العسكر بهم.
[ ٣٢٤ ]
فقتله بعضهم غيلة ودفن ليلا، وتفرق من كان معه، وتفرق من كان معه، وصار بعض زعماء كلب ويكنى أبا الذئب برأس القرمطى وكفيه، الى محمد بن إسحاق بن كنداجيق فأنفذه بما معه الى الحضرة، وأظهر الرأس بها يوم الأربعاء لخمس خلون من شوال من هذه السنة.
وكان خروج ذكرويه بن مهرويه في الكلبيين، وغيرهم في هذه السنة أيضا، وهي سنة ٢٩٣.
وكان من أهل الموضع المعروف بالصوأر على أربعة أميال من القادسية عرضا في البر.
وقيل إنه أبو من قدمنا ذكره من القرامطة الناجمين بالشأم، وقيل كان قبل خروج عبدان صاحب دعوة القرامطة بسواد الكوفة، وصار الى مصلى الكوفة في يوم النحر من هذه السنة.
وعليها إسحاق بن إبراهيم وإسحاق بن عمران، فقتل من أصحاب السلطان وغيرهم جماعة، وأثاب أصحاب السلطان والرعية فكشفوهم، واستمد إسحاق ابن عمران السلطان، فسار إلى الكوفة رائق المعتضدي، ومعه بشر الأفشيني وجنى الصفواني الخادمان فلقوه بالقرب من الصوأر، فكانت عليهم، وأتى على أكثر الجيش، وذلك في آخر ذي الحجة من هذه السنة.
وتلقى الحاج مرجعهم، فكان أول من لقي منهم قافلة الخراسانية، وكانت عظيمة بالمنزل المعروف بواقصة، فأتى عليهم.
ثم سار إلى المنزل الثاني من هذا المنزل، وهو المنزل المعروف بالعقبة، فأوقع بقافلة السلطان، وعليها مبارك القمي وأبو العشائر أحمد بن نصر العقيلي، وقد كان ولى الثغور الشأمية، فقتلهما وسائر من كان معهما من الأولياء والرعية، ثم لقي قافلة السلطان الثالثة التي فيها الشمسية في الموضع المعروف بالطليح من الهبير،
[ ٣٢٥ ]
وذلك بين الثعلبية والشقوق في الرمل، فأتى على من كان فيها من الأمراء كنفيس المولدى وأحمد بن سيما وغيرهما من القواد والأولياء وسائر أصناف الناس من سائر الأمصار.
وكان عدة من قتل في هذه القافلة الاخيرة أكثر من خمسين ألفا دون من قتل قبلها من أهل القوافل.
وسار وصيف بن صوارتكين الخزري، والقاسم بن سيما عن القادسية، لطلبه في جيش كثيف من بنى شيبان، وغيرهم من الأولياء. فالتقوا بين الكوفة والبصرة على الماء المعروف باوم، يوم الأحد لست ليال بقين من شهر ربيع الأول سنة ٢٩٤ فاقتتلوا قتالا شديدا، فهزم أصحاب ذكرويه، وأخذهم السيف وأسر وبه ضربات، فمات من الغد، وأدخل إلى مدينة السلام ميتا، قد شد على جمل، ومن أسر معه من أصحابه، ورءوس من قتل منهم يوم الاثنين، لتسع خلون من شهر ربيع الأول من هذه السنة.