كانت ملوك الطوائف نحوا من مائة ملك فرس ونبط وعرب، من حد بلاد أثور وهي الموصل إلى أقصى بلاد الأعاجم، وكان المعظمين منهم والذين ينقاد الباقون اليهم الأشغانيون، وهم من ولد أشغان بن أش الحبار بن سياوخش ابن كيقاوس الملك، وكانوا ينزلون في الشتاء العراق وفي الصيف الشيز من بلاد آذربيجان، وفيها الى هذا الوقت آثار عجيبة من البنيان والصور، بأنواع الاصباغ العجيبة من صور الأفلاك والنجوم والعالم وما فيه من بر وبحر وعامر ومعدن وخراب ونبات وحيوان وغير ذلك من العجائب ولهم فيها بيت نار معظم عند سائر طبقات الفرس يقال له «آذرخش» و«آذر» أحد أسماء النار بالفارسية و«الخش» الطيب وكان الملك من ملوك الفرس إذا ملك زاره ماشيا تعظيما له، وتنذر له النذور، وتحمل اليه التحف والأموال، وغير ذلك، من البلاد كالماهات، وأرض الجبال ولم يعد من ملوك الطوائف في التواريخ والسير الا الأشغانيون لما ذكرنا من عظم شأنهم واتساق ملكهم وكان أول من يعد منهم أشك بن أشك بن اردوان بن اشغان بن أش الجبار بن سياوخش بن كيقاوس الملك، ملك عشر سنين، وسابور بن أشك ستين سنة، وجوذرز بن أشك عشر سنين، بيزن بن سابور احدى وعشرين سنة جوذرز بن بيزن تسع عشرة سنة، نرسى بين بيزن أربعين سنة، هرمز بن
[ ٨٣ ]
بيزن تسع عشرة سنة، اردوان الأكبر اثنتي عشرة سنة، خسرو بن أردوان أربعين سنة، بلاش بن خسرو أربعا وعشرين سنة، اردوان الأصغر ثلاث عشرة سنة فهذه جملة ما أدركه الإحصاء من ملوك الطوائف وسنى ملكهم، وهم أحد عشر ملكا ملكوا مائتي سنة وثماني وستين سنة وقد كانت لهم ملوك لم تعرف أسماؤهم ومدة سنى ملكهم، ولم يذكروا في شيء من كتب الفرس وغيرها من كتب الفرس وغيرها من كتب سير الملوك، لاضطراب أمر الملك في تلك الاعصار، والتنازع الواقع من اختلاف الكلمة، والتحزب وغلبة كل واحد منهم على صقعه، ولما نحن ذاكروه في آخر هذا الباب من فعل أردشير بابكان والصحيح عند من عنى بأخبار سوالف الأمم وملوكهم ان مدة ملوك الطوائف بعد قتل داريوش وهو دارا بن دارا الى قيام أردشير بن بابك خمسمائة سنة وثلاث عشرة سنة، وذلك أن من أول السنة التي ملك فيها الإسكندر بن فيلبس الملك المقدوني الى وقتنا هذا وهو سنة ٣٤٥ للهجرة، ألف سنة ومائتين وسبعا وستين سنة، فإذا اسقط من ذلك ما بين سنة ٣٤٥ وسنة ٣٢ للهجرة وهي السنة التي قتل منها يزدجرد بن شهريار الملك وذلك ثلاثمائة وثلاث عشرة سنة وما ملكت الفرس من الساسانية من السنين وهو أربعمائة وتسع وثلاثون سنة كان الّذي يبقى بعد ذلك من السنين منذ قتل الإسكندر لداريوش وهو دارا بن دارا الى قيام أردشير بن بابك خمسمائة سنة وثلاث عشرة سنة وهي مدة ملك ملوك الطوائف وقد ذكرنا جميع ما قيل في ذلك على الشرح والإيضاح في كتابنا في (أخبار الزمان) وفيما تلاه من الكتاب الأوسط ثم في (الجزء السابع من كتاب مروج الذهب ومعادن الجوهر) في النسخة الأخيرة، التي قررنا أمرها في هذا الوقت على ما يجب من الزيادات الكثيرة، وتبديل المعاني، وتغيير العبارات وهي
[ ٨٤ ]
أضعاف النسخة الأولى التي ألفناها في سنة ٣٣٢ وانما ذكرنا ذلك لاستفاضة تلك النسخة وكثرتها في أيدي الناس ثم في كتاب (فنون المعارف، وما جرى في الدهور السوالف) ثم في كتاب (ذخائر العلوم وما جرى في سالف الدهور) ثم في كتاب (الاستذكار، لما جرى في سالف الاعصار) الّذي كتابنا هذا تال له ومبنى عليه وهو سابعها. وكل واحد من هذه الكتب تال لما قبله ومبنى عليه، وخصصنا كل كتاب منها بتلاقين وعبارات مما لم نخصص به الآخر إلا ما لا يسع تركه وبين الفرس وغيرهم من الأمم في تأريخ الإسكندر تفاوت عظيم، وقد أغفل ذلك كثير من الناس، وهو سرديانى وملوكي من أسرار الفرس لا يكاد يعرفه الا الموابذة والهرابذة وغيرهم من ذوى التحصيل منهم والدراية، على ما شاهدناه بأرض فارس وكرمان وغيرهما من أرض الأعاجم، وليس يوجد في شيء من الكتب المؤلفة لأخبار الفرس وغيرها من كتب السير والتواريخ، وهو أن زرادشت بن بورشسب بن اسبيمان ذكر في الأبستا- وهو الكتاب المنزل عليه عندهم- أن ملكهم يضطرب بعد ثلاثمائة سنة، ويبقى دينهم فإذا كان على رأس ألف سنة ذهب الدين والملك جميعا وكان بين زرادشت والإسكندر نحو من ثلاثمائة سنة، لان زرادشت ظهر في ملك كيبشتاسب بن كيلهراسب، على ما قدمنا من خبره فيما سلف من هذا الكتاب، وأردشير بن بابك حاز الملك وجمع الممالك بعد الإسكندر بخمسمائة سنة وبضع عشرة سنة، فنظر فإذا الّذي بقي الى تمام الالف سنة نحو من مائتي سنة، فأراد أن يمد الملك مائتي سنة أخرى، لانه خشي إن تمت مائتا سنة بعده أن يترك الناس نصرة الملك والذب عنه، ثقة بخير نبيهم في زواله، فنقص من الخمسمائة سنة والبضع عشرة سنة التي بينه وبين الإسكندر نحوا
[ ٨٥ ]
من نصفها وذكر من ملوك الطوائف من ملك هذه السنين واسقط من عداهم، وأشاع في المملكة أن ظهوره واستيلاء على ملوك الطوائف وقتله أردوان أعظمهم شأنا وأكبرهم جنودا إنما كان في سنة مائتين وستين بعد الإسكندر، فأوقع التاريخ بذلك وانتشر في الناس فلهذا وقع الخلاف بين الفرس وغيرهم من الأمم واضطرب تأريخ سنى ملوك الطوائف لهذه العلة وقد ذكر ذلك أردشير بن بابك في آخر عهده الّذي أورثه من بعده من الملوك من ولده في سياسة الدين والملك فقال «ولولا اليقين بالبوار النازل على رأس الألف سنة لظننت أنى قد خلفت فيكم من عهدي، ما إن تمسكتم به كان علامة لبقائكم ما بقي الليل والنهار، ولكن الفناء إذا جاءت أيامه، أطعتم أهواءكم، واطرحتم آراءكم، وملكتم شراركم، وأذللتم خياركم» وذكر ذلك أيضا تنشر موبذ أردشير الداعي اليه والمبشر بظهوره في آخر رسالته الى ما جشنس، صاحب جبال دباوند، والري، وطبرستان، والديلم، وجيلان. فقال «ولولا أنا قد علمنا أن بلية نازلة على رأس الألف سنة لقلنا إن ملك الملوك قد أحكم الأمر للأبد، ولكنا قد علمنا أن البلايا على رأس الألف سنة، وأن سبب ذلك ترك أمر الملوك وإغلاق ما أطلق وإطلاق ما أغلق، وذلك للفناء الّذي لا بد منه، ولكنا وإن كنا أهل فناء فان علينا ان نعمل للبقاء ونحتال له إلى أمد الفناء، فكن من أهل ذلك، ولا تعن الفناء على نفسك وقومك، فان الفناء مكتف بقوته عن أن يعان، وأنت محتاج إلى أن تعين نفسك بما يزينك في دار الفناء، وينفعك في دار البقاء، ونسأل الله أن يجعلك من ذلك بأرفع منزلة وأعلى درجة»
[ ٨٦ ]