كان أولهم أردشير بن بابك بن ساسان بن بابك من ولد بهمن بن أسفنديار بن كيبشتاسب بن كيلهراسب، وهو الّذي أزال ملوك الطوائف، ويسمى ملكه «ملك الاجتماع» ملك أربع عشرة سنة وشهورا، ثم زهد في الملك وسلمه الى ولده سابور، وتفرد بالعبادة وبعد ملكه مذ قتل أردوان الملك وكان من أعظم ملوك الطوائف بالعراق، وقد ذكرنا السبب في مبدإ ظهور أردشير وخير داعيه تنشر الزاهد، وفي الناس من يسميه دوشر، وكان أفلاطونى المذهب من أبناء ملوك الطوائف، أفضى ملك أبيه إليه بأرض فارس، فزهد فيه وكيف دعا إلى أردشير وبشر بظهوره، وبث الدعاة في البلاد لذلك ووطأ له الأمر، حتى اجتمع له الملك، واستظهر على جميع ملوك الطوائف، ولتنشر رسائل حسان في أنواع السياسة الملوكية والديانية يخبر عن أردشير وحاله، ويعتذر عنه مما فعل في ملكه من أمور أحدثها في الدين والملك، لم تعهد لأحد من الملوك قبله، وأن ذلك هو الصلاح لما توجبه الأحوال في ذلك الزمان منها رسالته الى ما جشنس المقدم ذكرها ورسالته إلى ملك الهند وغيرهما من رسائله الثاني سابور بن أردشير ملك احدى وثلاثين سنة وستة أشهر وفي أيامه كان «مانى» واليه تضاف «المانوية» من أصحاب الاثنين الثالث هرمز بن سابور، ملك سنة وعشرة أشهر الرابع بهرام بن هرمز، ملك ثلاث سنين وثلاثة أشهر، وقتل مانى وعدة من متبعيه وذلك بمدينة سابور فارس
[ ٨٧ ]
الخامس بهرام بن بهرام، ملك سبع عشرة سنة وقيل ثماني عشرة السادس بهرام بن بهرام بن بهرام، ملك أربع سنين وأربعة أشهر السابع نرسى بن بهرام بن بهرام، ملك تسع سنين وستة أشهر الثامن هرمز بن نرسى، ملك سبع سنين وخمسة أشهر التاسع سابور ذو الأكتاف بن هرمز، ملك اثنتين وسبعين سنة العاشر أردشير بن هرمز، ملك أربع سنين الحادي عشر سابور بن سابور ذي الأكتاف، ملك خمس سنين وأربعة أشهر والثاني عشر بهرام بن سابور، ملك احدى عشرة سنة والثالث عشر يزدجرد الأثيم بن سابور، ملك احدى وعشرين سنة الرابع عشر بهرام جور بن يزدجرد، ملك ثلاثا وعشرين سنة، وهو الّذي نشأ عند ملوك الحيرة وبنى له الخورنق، لأمور قد ذكرناها فيما سلف من كتبنا وكان فصيحا بالعربية وله بها شعر صالح الخامس عشر يزدجرد بن بهرام جور، ملك ثماني عشرة سنة وأربعة أشهر وسبعة أيام السادس عشر فيروز بن يزدجرد، ملك سبعا وعشرين سنة، وقتله اخشنوار ملك الهياطلة السابع عشر بلاش بن فيروز ملك أربع سنين الثامن عشر قباذ بن فيروز، ملك ثلاثا وأربعين سنة، وفي أيامه كان «مزدق» الموبذ المتأول كتاب زرادشت المعروف بالابستاق، والجاعل لظاهره باطنا بخلاف ظاهره، وهو أول من يعد من أصحاب التأويل والباطن والعدول عن الظاهر في شريعة زرادشت واليه تضاف المزدقية
[ ٨٨ ]
والتاسع عشر أنوشروان بن قباذ ملك ثماني وأربعين سنة وقتل مزدقا ومتبعيه، وقد أتينا على الفرق بين مذهب مزدق وما كان يذهب اليه في التأويل وبين ما ذهب اليه مانى، والفرق بين مانى ومن تقدمه من أصحاب الاثنين كابن ديصان ومرقيون وغيرهما وما ذهبوا اليه جميعا في الفاعلين وان أحدهما خير محمود مرغوب، والآخر شرير مذموم مرهوب منه والفرق بين هؤلاء جميعا، وما يذهب اليه الباطنية أصحاب التأويل في هذا الوقت في كتاب (خزائن الدين وسر العالمين) وأنوشروان أول من سن رسوم الخراج وبين وضائعه وكان فيما سلف مقاسمة وقد كان أبوه قباذ شرع في ذلك في آخر أيامه ولم يتمه، وقد ذكرنا ذلك في (كتاب الاستذكار، لما جرى في سالف الاعصار) في باب ذكر السواد ومساحته ووصف طساسيجه وقسمته والعراق وحدوده من الأرض ووصف نهاياته في الطول والعرض والعشرون هرمز بن أنوشروان ملك اثنتي عشرة سنة وخالف عليه بهرام جوبين الرازيّ، فآل ذلك إلى أن سمل هرمز، ولا يعلم فيمن قبله وبعده من ملوك الفرس من سمل غيره والحادي والعشرون خسرو أبرويز بن هرمز، ملك ثماني وثلاثين سنة وقتله ابنه شيرويه بن أبرويز والثاني والعشرون شيرويه بن أبرويز قاتل أبيه واسمه قباذ ملك ستة أشهر والثالث والعشرون أردشير بن شيرويه ملك سنة وستة أشهر الرابع والعشرون شهربراز ملك أربعين يوما، وقد أتينا على خبره وسبب مقتله ومقتل غيره من فرسان الفرس وشجعانهم على طبقاتهم من الملوك وغيرهم ممن اجمع على تقديمه وتفضيله وشجاعته ومقاماته المشهورة وأيامه المذكورة في كتاب
[ ٨٩ ]
لنا ترجمناه بكتاب (مقاتل فرسان العجم) معارضة لكتاب ابى عبيدة معمر بن المثنى في (مقاتل فرسان العرب) والخامس والعشرون كسرى بن قباذ، ملك ثلاثة أشهر السادس والعشرون بوران ابنة كسرى أبرويز، ملكت سنة وستة أشهر، وكان ملكها في السنة الثانية من الهجرة وفيها قال رسول الله ﷺ حين بلغه تمليك الفرس إياها وما بينهم من التخريب والفتن «لا يفلح قوم يدبر أمرهم امرأة» السابع والعشرون فيروزجشنس بنده، ملك ستة أشهر الثامن والعشرون آزر ميدخت بنت كسرى أبرويز، ملكت ستة أشهر، وكان خرهرمز الآذرى أصبهبذ خرسان، وهو أبو رستم صاحب القادسية بالحضرة فطمع فيها وراسلها في الاجتماع معها فواعدته ليلا وأمرت صاحب الخرس بالفتك به ففعل ذلك، وكان رستم يخلف أباه بخراسان وقيل بآذربيجان وارمينية، فلما بلغه قتلها لأبيه سار اليها فقتلها به، وذلك في السنة العاشرة من الهجرة التاسع والعشرون فرخزاد خسرو بن أبرويز، ملك سنة الثلاثون يزدجرد بن شهريار بن كسرى أبرويز بن هرمز انوشروان بن قباذ ابن فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور بن يزدجرد الأثيم بن سابور الأصغر بن سابور الأكبر ذي الأكتاف بن هرمز بن نرسى بن بهرام بن بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير بن بابك ملك عشرين سنة وهو آخر ملوكهم والمقتول بمرو من بلاد خراسان سنة ٣٢ في خلافة عثمان بن عفان وكانت للفرس مراتب أعظمها خمس هم وسائط بين الملك وبين سائر رعيته فأولها واعلاها «الموبذ» تفسيره حافظ الدين لأن الدين بلغتهم «مو» و«بذ» حافظ وموبذان موبذ هو رئيس الموابذة وقاضى القضاة ومرتبته عندهم عظيمة نحو من مراتب الأنبياء والهرابذة دون الموابذة في الرئاسة
[ ٩٠ ]
والثاني الوزير واسمه «بزر جفر مذار» تفسير ذلك أكبر مأمور والثالث «الاصبهبذ» وهو أمير الأمراء وتفسيره حافظ الجيش، لأن الجيش «أصبه» و«بذ» حافظ على ما رتبنا والرابع «دبير بذ» تفسيره حافظ الكتاب، والخامس «هو تخشه بذ» تفسيره حافظ كل من يكد بيديه كالمهنة والفلاحين والتجار وغيرهم ورئيسهم ومنهم من يسميه «واستريوش» وكان هؤلاء المدبرين للملك والقوام به والوسائط بين الملك وبين رعيته، فاما «المرزبان» فهو صاحب الثغر لأن «المرز» هو الثغر بلغتهم «وبان» القيم وكانت المرازبة اربعة للمشرق والمغرب والشمال والجنوب كل واحد على ربع المملكة وللفرس كتاب يقال له «كهناماه» فيه مراتب مملكة فارس وانها ستمائة مرتبة على حسب ترتيبهم لها وهذا الكتاب من جملة «آئين نامه» تفسير «آئين نامه» كتاب الرسوم، وهو عظيم في الألوف من الأوراق، لا يكاد يوجد كاملا الا عند الموابذة وغيرهم من ذوى الرئاسات، والموبذ لهم في هذا الوقت المؤرخ به كتابنا وهو سنة ٣٤٥ بأرض الجبال والعراق، وسائر بلاد الأعاجم انماذا بن اشرهشت وكان الموبذ قبله اسنديار بن اذرباد بن انميذ الّذي قتله الراضي بمدينة السلام في سنة ٣٢٥ وقد أتينا على خبره وقصة مقتله وما ذكر من سببه مع القرمطى سليمان بن الحسن بن بهرام الجنابي صاحب البحرين في ذلك في أخبار الراضي من كتاب (مروج الذهب ومعادن الجوهر) وقد تنازع من عنى بأخبار الملوك والأمم في أنساب الفرس، وتسمية ملوكهم ومدة ما ملكوا، ولم نذكر من ذلك إلا ما ذكرته الفرس دون غيرهم من الأمم كالاسرائليين واليونانيين والروم، إذ كان ما يذهبون اليه في ذلك
[ ٩١ ]
خلاف ما حكته الفرس، وكانت الفرس أحق أن يؤخذ عنها وإن كان أخبارهم قد درست ومناقبهم قد نسيت ورسومهم قد انقطعت لمر الزمان وتتابع الحدثان فلا نذكر منها إلا اليسير، وكانوا أهل العز الشامخ والشرف الباذخ والرئاسة والسياسة، فرسانا في الوغي، صبرا عند اللقاء أدت اليهم الأمم الاتاوات، وانقادت إلى طاعتهم خشية صولتهم، وكثرة جنودهم وقد أتينا على تنازع الناس في أنساب فارس وتفرع أقاويلهم في ذلك في الجزء السابع من (كتاب مروج الذهب ومعادن الجوهرة) وللبابليين ملوك قد ذكروا في كثير من الكتب والزيجات في النجوم مثل النمرود ومن تلاه من النماردة وسنحاريب ونصر، ومن كان بعده من ولده وغيرهم لم نعرض لذكرهم في هذا الكتاب للتنازع الواقع في اعدادهم وتسميتهم وسنى ملكهم وتقادم أيامهم، والفرس تذكر أن هؤلاء الملوك البابليين إنما كانوا خلفاء لملوكهم الأولى ومرازبة على العراق وما يليه من المغرب حيث كانت دار مملكتهم بلخ إلى أن انتقلوا عنها ونزلوا المدائن من أرض العراق، وكان أول من فعل ذلك خمانى ابنة بهمن بن إسفنديار قال المسعودي: ورأيت بمدينة إصطخر من أرض فارس في سنة ٣٠٣ عند بعض أهل البيوتات المشرفة من الفرس كتابا عظيما يشتمل على علوم كثيرة من علومهم وأخبار ملوكهم وأبنيتهم وسياساتهم، لم أجدها في شيء من كتب الفرس «كخداى نامه» و«آئين نامه» و«كهناماه» وغيرها مصور فيه ملوك فارس من آل ساسان سبعة وعشرون ملكا منهم خمسة وعشرون رجلا وامرأتان قد صور الواحد منهم يوم مات شيخا كان أو شابا وحليته وتاجه ومخط لحيته وصورة وجهه وانهم ملكوا الأرض اربعمائة سنة وثلاثا وثلاثين سنة وشهرا وسبعة أيام، وانهم كانوا إذا مات ملك من ملوكهم صوروه على هيئته ورفعوه
[ ٩٢ ]
إلى الخزائن كي لا يخفى على الحي منهم صفة الميت، وصورة كل ملك كان في حرب قائما، وكل من كان في أمر جالسا وسيرة كل واحد في خواصه وعوامه وما حدث في ملكه من الكوائن العظيمة والاحداث الجليلة، وكان تاريخ هذا الكتاب أنه كتب مما وجد في خزائن ملوك فارس للنصف من جمادى الآخرة سنة ١١٣ ونقل لهشام بن عبد الملك بن مروان من الفارسية إلى العربية فكان أول ملوكهم فيه أردشير شعاره في صورته أحمر مدنر وسراويله لون السماء وتاجه أخضر في ذهب بيده رمح وهو قائم وآخرهم يزدجرد بن شهريار بن كسرى أبرويز، شعاره أخضر موشى وسراويله موشى لون السماء وتاجه أحمر قاتم بيده رمح معتمد على سيفه بأنواع الأصباغ العجيبة التي لا يوجد مثلها في هذا الوقت والذهب والفضة المحلولين ونحاسه محكوك، والورق فرفيري اللون عجيب الصبغ فلا أدرى أورق هو أم رق لحسنه وإتقان صنعته وقد أتينا على جمل من ذلك في الجزء السابع من (كتاب مروج الذهب ومعادن الجوهر) الحاوي لأخبار الفرس الأولى وهم الكيانيون، والطوائف من الأشغان، والأردوان وغيرهم، والساسانية وطبقاتهم وأنسابهم وملوكهم الى يزدجرد بن شهريار آخرهم، ومن أعقب منهم ومن لم يعقب وسيرهم وحروبهم وحيلهم ومكايدهم فيها، وكيفية غلبتهم على العراق وزوال ملك النبط، الاردوان منهم، والأرمان وضروب سياستهم الديانية والملوكية الخاصة منها والعامة، وعهودهم وخطبهم ورسائلهم ومبلغ سنى ملكهم وشعارهم، وما كان من الكوائن والأحداث أعصارهم، ومبدأ دين المجوسية وظهورها وخبر «زرادشت» نبيهم، وما جاء به وخطوطهم السبعة التي كانوا يكتبون بها وأحرف كل خط منها، ولما أفردوا أعيادهم من النواريز والمهرجان وعلة كل
[ ٩٣ ]
نوروذ منها وغير ذلك من الأعياد، والعلة في إيقادهم النيران وصبهم المياه وشدهم الكساتيج في أوساطهم كشد النصارى الزنانير، وأسباب الملك وحاجة الناس إلى الملوك والتدبير والحوادث المنذرات بزوال الملك من فارس إلى العرب، وما كانوا يروونه عن أسلافهم ويتوقعونه من الدلائل والعلامات في ذلك واحتراس ملوكهم عن وقوعه، وضروب آنيتهم من المآكل والمشارب والملابس والمراكب والمساكن، وغيرها وأحكامهم في خواصهم وعوامهم وما بنوا من المدن وكوروا من الكور، وحفروا من الأنهار وأثروا في الأرض من عجيب البنيان وبيوت النيران والعلة في عبادتهم إياها، وما قالوه في مراتب الأنوار، والفرق بين النار والنور، وأضداد الأنوار ومراتبها، ومراتب ذوى الرئاسات الملوكية والديانية من المرازبة والاصبهبذين والهرابذة والموابذة ومن دونهم، ورايات الفرس وأعلامهم وتشعب أنسابهم، وما قال الناس في ذلك، والبيوت المشرفة فيهم من أبناء الملوك وغيرهم، والشهارجة والدهاقين، والفرق بينهم وبين من سكن منهم في السواد وغيره من البلاد قبل ظهور الإسلام وبعده الى هذا الوقت المؤرخ وما تذكره الفرس في المستقبل من الزمان وينتظرونه في الآتي من الأيام من عود الملك اليهم ورجوعه فيهم وظهوره عليهم، وما يذكرون من دلائل ذلك ونذراته بتأثيرات النجوم وغيرها من الأمارات والعلامات، كظهور المنتظرين عندهم كبهرام هماوند وسشياوس وغيرهما، وما يكون من قصصهم وما يحدث في الأرض من الآيات، ووقوف الشمس نحوا من ثلاثة أيام وغير ذلك، وذلك الى مدة حدودها وأوقات قرورها رأينا الإضراب عن ذكرها في هذا الكتاب وقول من قال منهم بعد ظهور الإسلام أن الفرس من ولد إسحاق بن إبراهيم الخليل وما استشهدوا به على ذلك من اشعار ولد معد بن عدنان في افتخارهم بالفرس على اليمانية، وانهم من ولد أبيهم إبراهيم، كقول جرير بن عطية بن الخطفى التميمي
[ ٩٤ ]
مفتخرا لنزار على اليمن
أبونا خليل الله لا تنكرونه فأكرم بإبراهيم جدا ومفخرا
وأبناء إسحاق الليوث إذا ارتدوا حمائل موت لابسين السنورا
إذا افتخروا عدوا الصبهبذ منهم وكسرى وعدوا الهرمذان وقيصرا
أبونا أبو إسحاق يجمع بيننا أب كان مهديا نبيا مطهرا
ويجمعنا والغر أبناء فارس أب لا نبالى بعده من تأخرا
أبونا خليل الله والله ربنا رضينا بما أعطى الإله وقدرا
وكقول إسحاق بن سويد العدوي، عدي قريش
إذا افتخرت قحطان يوما بسؤدد أتى فخرنا أعلى عليها وأسودا
ملكناهم بدء بإسحاق عمنا وكانوا لنا عونا على الدهر أعبدا
ويجمعنا والغر أبناء فارس أب لا تبالي بعده من تفردا
وكقول بعض النزارية
وإسحاق وإسماعيل مدا معالي الفخر والحسب اللبابا
فوارس فارس وبنو نزار كلا الفرعين قد كبرا وطابا
وأن الفرس قد كانت في سالف الدهر تقصد البيت الحرام بالنذور العظام تعظيما لإبراهيم الخليل ﵇ بابنه وأنه عندهم أجل الهياكل السبعة المعظمة، والبيوت المشرفة في العالم.
وأن رجلا تولاه فأعطاه المدة والبقاء، واستشهدوا بقول بعض العرب في الجاهلية
زمزمت الفرس على زمزم وذاك في سالفها الأقدم
وقول من قال منهم إن منوشهر الّذي ترجع اليه الفرس جميعا في أنسابها هو منشخر بن منشخر باغ، وهو يعيش بن ويزك وويزك هو إسحاق بن إبراهيم
[ ٩٥ ]
الخليل واستشهادهم بقول بعض شعراء الفرس في الإسلام مفتخرا
أبونا ويزك وبه أسامى إذا افتخر المفاخر بالولادة
أبونا ويزك عبد رسول له شرف الرسالة والزهادة
فمن مثلي إذا افتخرت قروم وبيتي مثل واسطة القلادة
وقول من قال منهم جميعا: إن الملك سينقل من ولد إسماعيل الى ولد إسحاق، وهذا هو الأغلب على ما ظنه أهل عصرنا من أصحاب التأويل مع من ينازعهم، هل ذلك في ولد العيص، أم في المصطفين من ولد آل عمران.
ولذوي المعرفة منهم في ذلك ألغاز ورموز وأغراض وغير ذلك من أخبارهم والغرر من أيامهم، مما أخذناه عن علمائهم، كالموابذة والهرابذة وغيرهم من ذوى المعرفة بأخبارهم بأرض العراق وخوزستان وفارس وكرمان وسجستان والماهات وغير ذلك من أرض الأعاجم، ونقلناه من الكتب الصحيحة المشهورة عندهم وكتاب (مروج الذهب) يشتمل على الاخبار عن بدء العالم وأوليته وأقاويل الأمم في ذلك من أصحاب القدم والحدث، وما احتج به كل فريق منهم لقولهم على تباينهم والخلق وتفرقهم على الأرض والأنبياء وشرائعهم والملوك وسيرهم وسياساتهم، والأمم وآرائهم ونحلهم وشيمهم وأخلاقهم ومساكنهم من أخبار العرب والفرس والسريانيين واليونانيين والروم والهند والصين وغيرهم من الأمم ومن كان فيهم من الأطباء والحكماء والفلاسفة القدماء والنواحي والافاق والأرض وشكلها وقسمتها وما على ظهرها من عجيب البنيان والعامر منها والنامر، والأفلاك وهيأتها والنجوم وكيفية تأثيراتها في هذا العالم الأرضي ووصف الأقاليم السبعة ومقاديرها وأطوالها وعروضها والبحار وخلجانها
[ ٩٦ ]
والمتصل منها والمنفصل، وما فيها وحولها من العجائب، وما كان من الأرض برا فصار بحرا، وبحرا فصار برا على مرور الأزمان وكرور الدهور وعلة ذلك وسببه الفلكي والطبيعي، والأنهار ومبادئها ونهاياتها وأخبار الأمم الداثرة والممالك البائدة، وجامع تاريخ العالم والأنبياء والملوك من آدم إلى نبينا ﷺ ومولده ومبعثه وهجرته ومغازيه وسراياه وسواربه الى وفاته والخلفاء والملوك من بعده وكتابهم ووزرائهم والغرر من اخبارهم، وما كان من الكوائن والاحداث والحروب في أيامهم الى سنة ٣٤٥ في خلافة المطيع، وهو مجزأ على ثلاثمائة وخمسة وستين جزءا، فإذا اجتمع كانت سمته كتاب (مروج الذهب ومعادن الجوهر) وإذا افترق كان كل جزء منه كتابا قائما بنفسه مضافا إلى ما اشتمل عليه وأفرد له