ويزعمون يا أمير المؤمنين إنه لما ملك أكثر الغزو في كل ناحية - وكان رجلًا مجربًا منجمًا يعرف السعود من النحوس، ولا يخرج بقومه مخرجًا
[ ٤٥٢ ]
حتى ينظر طوالعها، فيخرج بسعودها - وكان يغزو سنة ويقيم سنة. إذا قرب المسير عليهم غزا وبعث، وإذا طال المسير في الغزو غزا بهم ثلاث سنين وقام سنتين، وكان يكثر التوجيه لقواده، فإذا سار بنفسه لم يسر إلا في كل عشر سنين. وإذا خرج لم يترك طريقًا إلا سلكه ولا منهلًا إلا ورده ولا بلدًا إلى وطئه وما وطئ أحد من آبائه وأجداده من البلدان إلا دخله وقصده ووطئه بنفسه أو بعث إليه عسكره. قال معاوية: فهل قال تبع شعرًا فيما ظهر منه يا عبيد؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين - قال تبع هذا الشعر الذي يقول فيه:
سيذكر قومي بعد موتي وقائعي وما فعلت قومي بقيس أفاعلا
وما دوخت أرض اليمامة بالقنا وما صبحت فيها تيميًا ووائلا
فكم من ملوك قد قتلنا رجالهم وكم من نساء قد تركنا ثواكلا
وكم من أسير ظل في القيد ساقه يبيت يراعي غله والسلاسلا
سيذكر قومي نجدتي ومكارمي ويدخل باب العز من كان جاهلا
بنيت لهم مجدًا مع النجم سمكه وصيرته للعالمين معاقلا
فحمير سادات الملوك وخيرها وهم من قديم الدهر سادوا القبائلا
فأسكنت أرض الشام منهم قبائلا وابتعت غسان الملوك الأفاضلا
وغسان حازوا بلدة الروم كلها وفي الصين صيرنا الملوك الاقاولا
ويوم لقينا العجم في أرض فارس لقت ضيغمًا من نسل قحطان باسلا
فدوخت أرض الفرس حتى تركتها يبابًا مجوبًا علوها والأسافلا
ودوخت أملاك العراق ولم أزل أحل بهم في كل عام زلازلا
يصبحهم في أول العام جيشنا فيمكث فيهم قابلًا ثم قابلا
حشوت صخام الملك خيلي ورجلها وأجريت من بعد البحار المناهلا
ونلت بلاد السند والهند كلها وفي الصين صيرنا نقيبًا وعاملا
ونلت بلاد المشرقين كليهما ونلت بلاد المغربين وبابلا
[ ٤٥٣ ]
ونحن أثرنا في سمرقند ضحوة جحيمًا لظاها يلفح الدور شاعلا
وجادت لنا في أصبهان سحابة بودق يزيغ المذهلات الحواملا
بكل قضيب حادث العهد صقله وسهم منير يفتق الدرع داخلا
وتسعين ألفًا تحمل البيض والقنا دخلنا بهم قصرًا درنحا وكابلا
سيوف حداد يضج الناس وقعها وتحكم في عدنان حقًا وباطلا
ومروا كتبنا المسندين ببابها ليعرف عنا القيل من كان غافلا
ومثلي يلدن المحصنات مسودا مغيرًا إلى الهيجاء للقوم قاتلا
وممسك عرف الخيل في حومة الوغى ترى البيض فيه والرماح الذوابلا
وبحرًا عريضًا للحراب ومعقلا وغيثًا غزيرًا ينبت الزرع عاجلا
ثلاثين بحرًا قد غشينا بجيشنا فما رام سيفي ساعدي والأناملا
فلما قضيت الغل من كل بلدة توجهت أرضي أعمد الدار قافلا
فأمسيت في غمدان في خير محتد منيعًا وصنعا من حذاها المآجلا
وريدان قصري في ظفار ومولدي بها أس جدي دورنا والمناهلا
على الجنة الخضراء من سهر يحصب ثمانون نهرًا تدفق الماء سائلا
مآثرنا في الأرض تصديق قولنا إذا ما طلبنا شاهدًا ودلائلا
وعلمي بملكي سوف يبلى جديده ويرجع ملكًا كاسف للون ماحلا
وملك جميع الناس يبلى وملكنا على الناس باق ذكره ليس زائلا
قال عبيد: فلما فرغ تبع يا أمير المؤمنين عن أرض فارس وما يليها توجه إلى الشام وذكر ما صنع بأرض معد وغيرها من البلاد، فقال في ذلك وأنشأ يقول:
[ ٤٥٤ ]
رب هم مؤرق بعد نوم غير ما باطل ولكن بجد
يا بني مازن فوارس معد سرني ما فعلتم في معد
إذ أثرتم مع العجاج عجاجًا وانتضيتم لهم صفائح هند
أسروا ثلثهم وثلثا أبادوا ومضى ثلثهم بأتعس جد
منهم راعي المخاض ومنهم مالئ للحياض في كل ورد
وبعثنا إلى اليمامة خيلًا فأتيناهم بحزم وجد
وصرفنا إلى كنانة جندًا فتوافت إلى كنانة جندي
وتركنا تثقيف تنضح للجن د بقهر على هوان وكد
وجعلنا الخرج منزل قيس قد أقروا بالخرج من غير عهد
وجعلنا بني نزار هداة يرشدون الطريق في كل قصد
وجعلنا نصرًا وأحلاف نصر خولا بين خادم ومؤدي
وطحنا قرى اليمامة بالخي ل زمانًا نعيد فيهم ونبدي
وقسمنا بني خزيمة بالحند كل عبد لنا وابن عبد
ثم أحدثت بالمشقر أرضًا وجنانًا تحلها الناس بعدي
ثم أنزلت في عمان رجالًا يستعدون من فوارس أزد
ثم سرنا إلى العراق بجمع ملأ الأرض بين غور ونجد
فترى الناس وسطها وعليها أسد غابات من كهول ومرد
يتردون باليمانية البيض تراها تجر في كل غمد
وبأيديهم مخاصر موف وعليهم مسرودة أي سرد
فثووا بالعراق حينًا من الدهر يدوسونها على غير عهد
ثم دوخت أرض فارس طرا وقباذًا وأرض هند وسند
ثم أنزلت حميرًا جبل الصين فذاق الذليل عز الأشد
[ ٤٥٥ ]
وركضنا الجياد في عرض الرو م كفعل الكاشح المتعدي
فإذا الحرب أوقدت أسعروها بمساعير بما سناه أشد
ثم أنزلت حيث أنزلت لحمًا وجذامًا وهم جناحي ورفدي
ثم أقبلت أقرب الشام قصدًا برجال على ضوامر جرد
ثم وجهت نحو يثرب خيلًا لنبيط بها يحلون بعدي
فصدمنا آطام يثرب بالخي ل العناجيج بالمقاول تردى
وتركنا بها من الأوس والخز رج حسبًا من آل بأس ومجد
ثم أقفلت من بها من خيول نحو أرضي ونحو قومي وولدي
وإذا سرت رافقتني جبال ورجال هم جناحي وجدي
فجبالي إذا أحقت حديد ورجالي إذا تأخرت عندي
تقهر الناس والشعاع بخيل تحصد الناس في الوغى أي حمد
من سعى مثل سعي حمير سعيًا من قبيل فقد آتانا بادي
قال معاوية: لله درك يا عبيد زد أنشدني غير هذا فقد أعطى من العز والقوة والملك ما لم يعط أحد غيره. قال: نعم يا أمير المؤمنين قال تبع هذا الشعر الذي يقول فيه:
إن قحطان قد بنى لي بيتًا لا بطين بني ولا بعمود
ليس مثل الذي بنى الناس بالطين وكلس آخر مسرود
أريناه عند السماك نجادًا رأسه مصعدًا برأس السعود
ورسى أسه فلم يستطعه أحد رام نقبه بحديد
وكساه الجمال والعز والبهجة منه وحفه بالجنود
حفه الخيل والرجال عليها كل درع مسرد مسرود
[ ٤٥٦ ]
جعلتها قحطان حصنًا ورثوا صنعهن من داؤد
جعلوه فوائدًا لبناهم يعذبون الهياج للمستفيد
إن قومي هم الملوك بحق شهد الله وهو خير شهيد
إنني قد ملكت شرقًا وغربًا من قراها وحرب آل عمود
وأخذت العراق من آل مرو بسمرقند ثم قرى الاكرود
وجلبت الخيول للصين حتى غادرتها كمثل آل ثمود
وأقمنا بها ثلاثين عامًا وهم بين مقعص وطريد
وأمير مصفد في وثاق قد برى ساقه بعض الحديد
وقعت خيلنا بأرض قباذ وقعة تستبين في الجلمود
وتركنا ما دون ذاك إلينا لم يعد والد على مولود
ومضى حكمنا على كل حي ليس حكمي في الناس بالمردود
ومن أسرنا منهم فخير أسير أو قتلنا منهم فخير فقيد
لو رأى جمعنا فذاك الناس جرا من أسير يسير سير البريد
وطوت خيلنا الأعادي طيا ببلاد أعيت بها بعد بيد
قد براها طول الاناخة والرك ض وحر الظهيرة الصيخود
تبع أفضل الملوك حسان ليس يوم الهياج بالرعيد
ملك يبرم الأمور معيد لم يل الناس رائس كمعيد
أخذ الحرب حين شب لظاها يوم هاجت نيرانها للوقود
لم يزل نورها على الزند حتى أمكنت من ذرائها المحسود
أيمن الناس طائر أو لقاء حين تلقى بالجحفل المشهود
ليس بالطائش الخفيف ولا ال واهن عند اللقا ولا المحدود
[ ٤٥٧ ]
حمير قومنا أقاموا بعزم حيث حلوا في المجد غير الزهيد
لو جرى الناس للمكارم يومًا فضلوا كل سائد ومسود
يترعون الجفان شحمًا ولحمًا وهم مفزع كمثل الأسود
لو يعد الأحياء الأيام قومي لم يطيقوا الأيام بالتعديد
هل أقرت لنا البلاد بخرج خبرونا فليس حين جحود
أن تقولون لا فزيدوا نردكم فلنعم المزيد للمستزيد
ولدينا من الملوك ملوك كل ملك مملك صنديد
ولدتني مملكات كبلقيس وشمس ومن ليس جدودي
ملكتهم بلقيس سبعين عامًا آل عز وآل بأس شديد
وبها جنتان أنشأهما الل هـ ورزق من سدها المسدود
ما يبالي إلا يرى سيل غيث جاءها الماء من مكان بعيد
عرشها شرجع ثمانون باعًا كللته بلؤلؤ وفريد
وبدر قد قيدوه مع اليا قوت والجزع أيما تقييد
فلو أن الخلود كان إلينا باحتيال وقوة وعديد
أو بملك لما ملكنا لكنا من جميع الآنام أهل الخلود
وقال تبع أيضًا حين نزل غمدان يذكر آباءه الذين ملكوا قبله وحصونهم التي كانوا ينزلون فيها باليمن. قال معاوية: أنشدني قوله. قال أنشأ يقول:
إلا أن قومي هم حمير هم الأصل والمفخر
هم شرفوا حتى انتهى فما نال بنيانهم معشر
هم إن هم فخروا برزوا لهم شامخ الفخر لا ينكر
أبي ملكي كرب الحميري وحمير قومي فما حمير
[ ٤٥٨ ]
لقد كنت فيما مضى لاهيًا وديني من لهوي المنظر
أزور الغواني ويزورني واجتلب الكاعب المعصر
أدير بكفي رحى العالمين ويوم الهياج أنا المسعر
نمائي ذو ماور ذو الندى وخيل فهو جانبي الأيسر
وناشر جدي الذي قد بنى مكارمه وابنه شمر
ويعسب خالي الذي قد بنى وعلهان نهفان قد أذكر
فكان بها مر من بعدهم له الحسب الضخم والمعشر
وشمر ما زال خير الملوك إذا هو كوبر لا يكبر
وكان إذا السرح اليحصبي إذا استحضروه فقد يحضر
وكان معافر عند اللقاء يطول لعمري ولا يقصر
وكان صدوقًا ولا ينثني إذا جنه الدرع والمغفر
وكان به بعد ذو نائل لمن طلب العرف لا يدبر
وقد كان يلهب نار الوقود للضيف والحرب قد يسعر
وشمر يرعش رأس الملوك إليه انتهى مجد من يفخر
وبار أن يهبر لما يكن جبان لدى الحرب بل يهبر
وذو المر على فلا تنسه وآباؤه فهم المنشر
وفرعان من بيت ذي أصبح وبلقيس كان لها منبر
بنو الأنس والجن دانوا لها ودان لها البر والأبحر
يذل الأنام لدى ملكنا وللجن والأنس قد يقهر
ومن ذي الملاحي لنا مفخر وشرف ذاك لنا يعفر
[ ٤٥٩ ]
ومن ذي سحيم وذي فائش لنا العدد الأول الأكبر
ومن ذي كلاع ومن ذي رعين لي الصلب والرأس والأبهر
ومن ذي رداع فقد كان لي لعمرك أصل به أظهر
ومن ذي معاهر بيت العلا بآباء صدق إذا عمروا
وقد كان كالسيف في النائبات إذا هو ضل فلا يقهر
وقد كان ذا الأمر لا يستقيم دعاء به الورد والمصدر
ظفرنا بمنزلنا من ظفار وما زال ساكنها يظفر
فكر إلى النقع يدعى له فهو بأبوابه أبصر
وما هكر من ديار الملوك بدار هوان ولا الاهجر
وبينون مبهمة بالحديد وأبوابها الساج والعرعر
وشهران قصر بناه الذي بناه ببينون قد يشهر
ومأرب قد نطقت بالرخام وفي يدها الذهب الأحمر
وغمدان حصن لنا مشرف مآجله حوله تنهر
وكان معسكرنا في أزال لنا عسكر دونه عسكر
وغيمان محفوفة بالكروم لها بهجة ولها منظر
بها كان يقبر آباؤنا وأجدادنا وبها نقبر
إذا ما مقابرنا كشفت فحشو مقابرنا العنبر
فإن يفن قومي مناياهم وماتوا جميعًا فلا أخسر
فكل يموت كذاك العباد ولا بد من قدر يقدر
فلا الناس لو عمروا يخلدون ولا الموت من ربنا ينكر
قال معاوية: لله أبوك، لقد حدثتني عجبًا! فاخبرني ما صنع تبع
[ ٤٦٠ ]
ما رجع من طول غزوته هذه ورجعته من ظلم الأرض ودوسه البلاد؟ قال عبيد: يا أمير المؤمنين. إن تبعًا لما رجح من غزوته تلك مر بالمدينة فخلف فيها ابنه خالدًا وترك في كل أرض رابطة من الأجناد، ثم أن أهل المدينة قتلوا ابنه خالدًا. فلما بلغ ذلك تبعًا قال في ذلك شعرًا. قال معاوية: وما قال يا عبيد؟ قال: قال هذا الشعر الذي يقول فيه:
يا ذا المعاهر ما أراك ترود أقذى بعينك عارضًا أم عود
منع الرقاد فما أغمض ساعة نبط بيثرب آمنون قعود
نبط أشاب الرأس مني فعلهم لابد أن طريقهم مقصود
لا تسقني بيديك إن لم نلقها جرحًا كان أساسها مجرود
بسيوف حمير والأقاول وسطها والخيل تبدو تارة وتعود
يا ذا الكلاع كأنني مورود عن أمر حمير والدوي عنيد
ما بال يثرب غلقت أبوابها عني ومثلي للعداة صيود
ما بال يثرب لا يجبني ربها وسراة حمير بالسيوف ركود
فلا وقعن بآل يثرب وقعة حتى تلاقي حمير ويهود
النازلين حريم خزرج عنوة فلهم لدي سلاسل وقيود
أعددتها لهم فكلهم بها لو نزلت فحماهم مقصود
ولأهلكتهم كما قد أهلكت عاد بريح صرصر وثمود
قهرًا كما دانت لنا آباؤهم ما صاح في طبق الصياح غريد
ولا تركن بلادهم وحماهم ولهم بذلك في البروز شهود
ولقد وليت على هوازن أشهرًا أيضًا فيسبى الوالد المولود
ولقد حطمت حصون فارس حطمة يومًا أشاب لحربها الصنديد
أبناء فارس قد تركت عليهم حيم السباع صوادر وورود
[ ٤٦١ ]
وتركت سابور الجنود كأنه غير الفلاة مشرد مطرود
ولقد ثغرت لقندهار ثعرة فهوى لذلك حصنها المعمود
وتركت أرض السغد ليس لجمعها ملك يهاب ولا قنا معدود
وتركت بلخًا والحصون وكابلًا تنعى عليهم طيرهم وترود
ولا خضبن سبالهم بدمائهم وليصلين معاطس وخدود
والهند والسند اصطليت بنارها وبحرها من بعد ذاك جمود
والصين لما إن أنخت بركبها تجبى لشمر ذي الندى وتعود
والروم قد شربت بكأس مرة مني وفرق جمعها المعدود
ولقد حويت الأرض من أطرافها حتى انتهيت وربنا محمود
نحن الملوك بنو الكرام وعندنا تسعون ألفًا للطراد شهود
وأسير في عرض البلاد معممًا بالملك والشرف القديم أقود
حشو الحرير لباسنا في أهلنا ولباسنا يوم الهياج حديد
من نسج داؤد النبي ونسجنا نسج يشد قتيرها المسرود
نصلي الحروب بكل أبيض صارم ما فيهم عند اللقاء خمود
والضاربون الكبش في يوم الوغى ورماحنا يوم للقاء بنود
وسيوفنا يقطعن كل خصية من صنع يرعش صنعهن حديد
نهب القيان مع الجياد سجية كرمًا وليس لفعلنا موعود
محقوفة أعنابنا بنخيلنا للضيف أما يأمنا موجود
لو كان يرعش خالدًا في ملكه خلدوا وأسعد ذو الندى وسعيد
أو كان حيا خالد في ملكه وجذيمة الوضاح والمسعود
من ذا الذي ورث البلاد ولم يمت أم هل لحي في الحياة خلود
إني لأعلم في الموطن أنني يومًا سأهلك والحياة تبيد
[ ٤٦٢ ]
ولقد علمت لئن هلكت وأوحشت مني البلاد لأهلكن فقيد
ولتبكين علي كل قرينة كانت تضن بدمعها فتجود
يا عمرو لا تعجل علي منيتي للملك تأخذه وأنت جؤود
فإذا ملكنا الملك فاعلم إنه حرب فكيف إذا اصطليت تذود
إني وعمرا يوم أطلب نفسه غزوا لأحد ملكة تحميد
فاعلم بأنك ميت ومحاسب يومًا فينجو متق وسعيد
اسمح لقومك بالكرامة أنهم أهل لذلك والكريم يسود
قحطان جدي لن يلاقي مثله ما عاش ذو روح وأورق عود
قال: ثم أن تبعًا سار إلى المدينة ثائرًا في ابنه، فلما قرب المدينة نزل على بضر - فسميت بئر الملك - حين نزل عليها فالتقاه مالك بت العجلان الخزرجي فقال له: أيها الملك إن اليهود قد استولوا علينا وبيننا وبينهم حرب فانصرنا عليهم فإنما نحن منك ولك. قال: وكيف أنصركم عليهم وأنتم قتلتم ابني خالد؟ قال: أفسدت أمه بينه وبين امرأته، ثم احتالت له فقتلته. قال تبع: ولعبت الحبة بالكبة أو لعبت الكبة بالطبة فذهبت مثلًا - ثم انصرف مالك بن العجلان إلى أهله فقال لأمه: إن أبا كرب قد وعدني بالنصرة. فقالت أمه: ليت حظنا من أبي كرب أن يسد خيره خبله - فذهبت مثلًا - ثم أن تبعًا بعث إلى ثلاثمائة من اليهود وثلاثين رجلًا فضرب أعناقهم وهم بخراب المدينة فقام إليه رجل من اليهود - يقال له كعب بن
[ ٤٦٣ ]
عمرو - وقد أتى عليه من عمره مائتان وستون سنة فقال له: أيها الملك لا تقبل على الغضب وأمرك أعظم أن يطير بك النزق أو يمسك في قلبك إلحاح وتنزع إلى ما لا يجعل بك، وانك لا تستطيع أن تخرب هذه القرية. قال: ولم ذلك؟ قال: لأنها مهاجر نبي من هذه البنية - يعني مكة - وهو من ولد إسماعيل بن إبراهيم - خليل الله - قال تبع: ومتى يكون ذلك؟ قال: بعد زمانك بدهر طويل. فلما سمع كلامه سكن وكف عن خرابها.
قال معاوية: لقد بلغني يا عبيد أن اليهود كانوا بها ما كان للخزرج معهم فيها أمر، حتى أن الرجل يتزوج المرأة، فلما يصلها حتى يبدأ بها رجل من اليهود، وكانوا غلبوهم على أمرهم. قال: معاذ الله يا أمير المؤمنين لقد بلغك ما لم يكن، ولقد كانت اليهود بها أذلاء، فكانت الأوس والخزرج أمنع من ذلك وأشد، ولقد أخرجتهم الأوس والخزرج من المدينة حتى سكنوا خيبر، وما كانت امرأة من الخزرج يقدر
عليها رجل من اليهود أبدًا! قال معاوية: فهل قيل في ذلك شعر؟ قال عبيد: نعم يا أمير المؤمنين قد قال فيه السموآل بن عاديا الغساني - قال أن رجلًا من اليهود عاب اليهود في صنعتهم - فأنشأ وهو يقول في ذلك:
عبت اليهود ودينها لك نافع أيضًا يفوز به الحساب المؤنق
دين ابن عمران ويوشع بعده موسى وهارون النبي الموثق
قال معاوية: دع هذا وخذ في حديثك الأول. قال: نعم يا أمير المؤمنين. لما قضى تبع لبانته من يثرب، توجه إلى مكة يريد خرابها فآتاه رجلان من أحبار اليهود لهما علم وعندهما معرفة، فأخبراه بأشياء وعلامات فعجب لهما وأدناهما وقربهما إليه، وقد كان آتاه رجلان من هذيل في نفر
[ ٤٦٤ ]
من قومهما، فقالوا له: أيها الملك أن هذا البيت الذي تعظمه الناس وتزوره العرب فيه أموال كثيرة وكنوز من الذهب والفضة واللؤلؤ والجوهر والدر والياقوت ما لا يحصيه أحد ولا يعده، وكانت جرهم تجمعه، وأنت أيها الملك أحق بها مع أن نرى هدمه ونقل حجارته إلى اليمن، فيكون في دار الملك وحيث الريف والخصب فتعظمكم لذلك العرب إلى آخر الدهر يكون مكرمة لك ولآبائك ولقومك ويكون لولدك الطول عليهم بوضعك إياه هنالك. فلما سمع تبع مشورتهم وكلامهم هم بذلك فأخذته الحمى - وكان لا يعرفها، فكانت لا تقره على الأرض - فلما أحس تبع ذلك دعا الحبرين فقال لهما: ما هذا الذي بي؟ قال: هذا شيء سلطه عليك رب هذا البيت. قال: ففزع من ذلك، ثم مضى حتى نزل لرؤيته. ثم عاد فأصبح في الوضع الذي ارتحل منه وأصبح فيه وجع أشد ما أصاب مخلوق. فلما أحس ذلك دعا الحبرين فقال لهما: ما الذي تريان أن أصنع؟ قالا له: أيها الملك إنا قد سمعنا هذين الهذليين وما أشارا عليك به في هذا البيتين وإن الذي تجد في جسدك من الألم حين هممت بقولهم وأجبتهم إلى ما أشار عليك به، فإن أحببت العافية فكف عن هدم البيت وانو له
خيرًا، فإنك لا تطيق مبارزة رب العالمين وحدث نفسك بإكرامه وإعظامه. قال: ثم سار حتى قرب إلى الحرم فأصابتهم ريح كادت أن تهلكهم جميعًا، ثم دعا بالحبرين فقال: ما هذا؟ فقالا: له سرت إلى حرم الله تهم بهدم بيت الله لتهلكن نفسك. ثم لا يرجع ممن ترى معك عين تطرف وما أراد الهذليون إلا هلاكك وهلاك من معك. قال: فأمر تبع بالهذليين فضرب أعناقهما فقال تبع للحبرين: إني أريد أن أدخل البيت وما أصنع إذا دخلته؟ قالا له: إن أردت أن تدخله فاسلم لربه واحرم وأنحر له فإنه يؤذن لك في دخوله، فسار تبع حتى دخل
[ ٤٦٥ ]
مكة فأسلم وأحرم وطاف بالبيت وحلق ووقف المواقف كلها ونحر البدن وأطعم الناس وكسا البيت الملاء المعصب والخبرات، وأقام بمكة سبعة أيام. فلما أراد الانصراف إلى اليمن أراد أن يحمل الحجر الأسود إلى اليمن فنهاه الحبران عن ذلك، فتركه وانصرف إلى اليمن.
قال معاوية: يا عبيد فهل قيل في ذلك شعر؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين قال فيه رجل من قريش. قال معاوية: وما قال من الشعر؟ قال عبيد: قال هذه الأبيات:
لعمري لنعم المرء حل لديكم له المجد والأنعام والعز تبع
آتانا كريم ما جد ذو حفيظة أغر كريم الوالدين سميدع
فلم تخش منه إذ أتى البيت زائرًا ولكنه سمح الخليقة أروع
طلبنا إليه أن يقيم بأرضنا لنا الركن إنا حين يؤخذ نجزع
فقال نعم نعمي وأنتم ولاته وليس له عن حرها الدهر منزع
مضى رأيه في قومه غير واهن فمنه جدود مجدها ليس يدفع
قال معاوية: فأنشدني يا عبيد الشعر الذي قال تبع في قتل ابنه خالد قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال هذا الشعر:
ما بال عينك لا تنام كأنما كحلت اماقيها بسم الأسود
أرقًا لما فعل اليهود بيثرب فلبثت في غمدان كالمتلبد
وحلفت عهدًا تبلغن نخيلهم زبر الحديد عشية أو من غد
فجعلت عرصة منزلي في روضة بين العقيق إلى بقيع الغرقد
وهنا يثرب روحنا وصدورنا تغلي جلائلها بحرب محصد
ولقد ندبت إليهم فأجابني من في الحصون إلى مدينة أحمد
[ ٤٦٦ ]
غر كرام لم يدنس عرضهم نسب النبيط ولا العلوج الاعبد
ولقد تركنا لابها وسباخها كقراقر نبتت بقاع أصلد
ثم انصرفت أريد مكة عامدًا لخرابها لا كالذي لم أعمد
لما آتاني من هذيل أعبد يتنصحون فرمت أمرًا لأعبد
قالوا بمكة كنز قوم دائر وجواهر من لؤلؤ وزبرجد
بيتًا يطاف به وينحر حوله بدن لدى حجر وركن أسود
فأردت أمرًا حال ربي دونه والله يدفع عن خراب المسجد
فرددت ما أملت فيه عليهم وتركتهم مثلًا لأهل المشهد
ما كنت أحسب أن بيتًا طيبًا لله في بطحاء مكة يعبد
حتى آتاني من قريظة عالم حبر له اليهود وتقتدي
قالوا ازدجر عن قرية محجوبة لنبي مكة من قريش مهتدي
فعفوت عنهم عفو غير مثرب وتركتها لعقاب يوم سرمد
أعفيتهم لله أرجو عفوه ولحفظ ما بيني وبين محمد
فكسوته الريط اليماني رغبة وطراز عصب المحكم المتجرد
وجعلت اقليدًا لجانب بابه وجعلت بابيه صفيح العسجد
أرجو بذلك عند ربي زلفة وحذار حر من جحيم موقد
وتركت من قومي بمكة أسرة وبيثرب منهم كرام المحتد
قوم يكون النصر في أعقابهم وبقية ممن ينبت ويهتدي
فتركتهم أقيالها وملوكها وعطفت نحو المستراد ومولدي
من بعد ما دخلت البلاد وجبتها وعركتها عرك الاهاب الاجرد
ولقد طحنت الأرض ثم وطئتها يجدون قصة أمرنا في المسند
قد كان ذو القرنين خالي مسلمًا طاف البلاد من المكان الابعد
[ ٤٦٧ ]
بلغ المشارق والمغارب بيتغي أسباب أمر من حكيم مرشد
فرأى مغار الشمس عند غروبها في عين ذي خلب وثأط حرمد
وبنى على ياجوج حين آتاهم رد ما بناه بالحديد المحفد
رد ما بناه إذ بناه مخلدا أنشأه دهر للزمان السرمد
ولقد بنت لي عمتي في مأرب عرشًا على كرسي ملك متلد
فثوت به تسعين عامًا قد حوت أرض الحجاز إلى مفازه صيهد
يغدو عليها ألف ألف كلهم خدم لها يتعاقبون من الغد
عمرت به أزمانها في ملكها مقبوضة إذ حان أمر الهدهد
فرأت سبيل الرشد حين تبصرت نبأ آتاها قبل يوم الموعد
نزلت عن الملك العظيم لربها قبل المذلة أن يقال لها ردى
نحن الملوك فما يرام لهضمنا تسمو مقاولنا بنصر مؤيد
قال معاوية: لله أبوك يا عبيد فهل قال تبع في رسول الله ﵌ شعرًا حين ذكر له الحبران أمره؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين قال: - وهو يذكر خروج النبي ﵌ هذا الشعر، الذي يقول فيه:
شهدت على أحمد إنه رسول من الله باري النسم
له أمة سميت في الزبور فأمة أحمد خير الأمم
فلو مد دهري إلى دهره لكنت وزيرًا له وابن عم
وكنت ظهيرًا على المشركين أسقيهم كاس حرب وهم
إذا ما صناديدهم كذبوا أغشيهم كل صفر هضم
واجعل نفسي له جنة وأفرج عن صدره كل غم
ومن نسل قومي له ناصر فيؤوونه ثم لا يهتضم
[ ٤٦٨ ]
فويح قريش إذا جاءهم وجاش بهم بحرهم ثم طم
نبيهم خير أسلافهم يوالي ذوي الدين دون الرحم
نبيهم خاتم الأنبياء ولم يعط زرعًا وحمر النعم
نبي وجدناه في كتبنا به يهتدي وبه يعتصم
يسود الأنام ببرهانه وبالرغم يسي ذراري العجم
ومنا قبائل يؤوونه إذا حل في الحل بعد الحرم
ويمنعه حد أسيافنا ووقع الرماح كوقع الرهم
رجال يقومون من دونه ويوفون بالعهد له والذمم
ملكنا الأنام فدانوا لنا أذل من النعل تحت القدم
ودانت لنا السند في أرضها ودانت لنا الهند بعد الوهم
سموا وسمونا لهم إذ سموا وفاضوا وفضنا عليهم بجم
بأبناء قحطان من حمير بهاليل أسد طوال اللمم
أبحنا البلاد بأسيافنا وبالسمهرية تلظى بسم
وكل جواد من الصافنات على ظهره بطسل مستلم
فكم من قبيل سلبناهم فأمست بهائمهم تقتسم
من العسجدي وكنز اللجين وبز الحرير وبيض الحرم
وسوف إذا غشيتنا البلاد يلي الملك بعدي رجال قدم
قال معاوية: يا عبيد فهل قال تبع في الهذليين، حيث كان منهما ما كان حين
عاقبهم؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال فيهم هذا الشعر الذي يقول فيه:
[ ٤٦٩ ]
قد أتتني عصابة من هذيل آل لؤم ومن قبيل لئام
زعموا أن بيت مكة بيت قد بنوه على كنوز عظام
فهممنا بقلعه فأبى الله إذ هممنا بقلع بيت حرام
يأمن الناس إن سألت وفيه تأمن الطير في وكور الحمام
قال لي الحبر لا ترومن هذا ذاك مما يروم أولاد حام
ثم يأتيهم من الله طير فترض الرؤوس رض العظام
فرددت الذي أردت على القو م بقطع الأكف والأقدام
ثم صلبتهم بصعر نكالا مثبت قد زبرت في الأحكام
يحمد الله تبع إذ وقاه في ممر الشهور والأعوام
وأراه في كل وجه إذ عراه ورده بسلام
ثم أصفناه إنه البس البيت الذي أسسه الخليل المحامي
ذاك بيت مطهر لقريش أوثروا بالنبي خير الأنام
بنبي يجئ بعد زمان يمنع الناس خدمة الأصنام
قال ذاك الأحبار أن قريشًا سوف تأتي بأفضل الإسلام
تجدون اسم أحمد في كتا ب الله حقًا محرمًا للحرام
ومحلا لما طيب الله تروكا للآصر والآثام
لو قضى الله ربنا إن أراه كنت منه بمنزل الإبهام
ولظاهرته على كل من رام سفاهًا له يكل مرام
ولذاك النبي منا حماة من يرامي عن دينه ويحامي
معشرًا وتروا بأحمد قدما ببلاد النخيل والآطام
ينصبون الحروب للناس نصبًا برماح وكل عضب حسام
كلهم ناصر ومن نصر الح ق أضاءت له فجاج الظلام
[ ٤٧٠ ]
قال معاوية: لله أبوك يا عبيد حدثني عجبًا! فأنشدني الشعر الذي قاله تبع في كسوة البيت؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال هذا الشعر، وأنشأ يقول:
جددي الحيل لا تربى الوليدا وصليني ولا تخوني العهودا
أن تجدي وصلنا أم عمرو ويكفي المتيم المعمودا
فصليني تواصلي أريحيا أكرم الناس حين أنسب عودا
لست بالفاحش القطيع وليست شيمتي أن أكون باغ حسودا
الصق الخدن ذا الصفاء بودي وأرمي العدو حتى يقيدا
وسلي عن مسيرنا إذ غزونا كيقباذ والترك والاكرودا
يوم لا تعرف التجارة فينا ولنا الملك أن نقود الجنودا
ورث الملك تبع وبنوه ورثه عن الحدود جدودا
وسلى عن مسيرنا من ظفار بجموع نؤم غورًا بعيدا
بجياد جنبتها بسمرقند عرايًا قبَّ الأياطل قودا
وعلينا سوابغ محكمات قد ورثنا أمامها داودا
كل فضفاضة دلاص تثني أيهم القين قدرها المرودا
وسيوف قواطع قد جلاها صانع كان قبل ذاك مجيدا
وارتدينا بكل عضب حسام أحكم القين صنعه تجريدا
ومعي للقاء تسعون ألفًا قوم حرب مسر بلون الحديدا
وجعلنا للخيل خيلًا وللرج ل رجالًا وللقرود قرودا
وجعلنا على المجنبة اليس رى صبورًا على اللقاء شديدا
حسن الدين والتحرف والجي لة لا طائشًا ولا رعديدا
[ ٤٧١ ]
قد غشينا بخيلنا أرض مرو وقتلنا اليهود قتلًا عنيدا
وزبرجا وقندهارا وميا ركدت فيهم السيوف ركودا
وهزمنا جموع روم وترك ومن السند عفرنا الحدودا
وإلى الصين سرت حولًا جديدًا أقتل الكهل ثم أسبي الوليدا
واستبحنا جميع ملك قباذ وجبيناه صاغرًا مصفودا
وتركنا جبال كرمان مما دعستها الجياد سهلًا صعيدا
وقتلنا رجال فارس طرا ثم كنا عند اللقاء أسودا
ثم بهران والهرمزان قتلنا قم ولى النصيب منا طريدا
ثم من حمير أثرت وتيم ثم من يثرب قتلنا اليهودا
فسبينا نساءه وبنيه والذي قد حوى فأمسى وحيدا
ثم أخربت بالمشقر أرضا وآتاني بها النبيط وفودا
واستبحنا البلاد من كل فج وملكنا العباد ملكًا حميدا
جبيت نحونا البلاد يصغر لم يكن غزونا البلاد وحيدا
وأمرنا الملوك حتى استذلوا فترى حولنا الملوك همودا
ثم دسنا بالخيل أرض معد وجعلنا لها معدًا عتيدا
وتميم عليهم وهس الرم ل وتهدي إلى جيوشي القيودا
وبني تغلب جعلت وبكرًا لبناء المنار طينًا وشيدا
وهذيل جعلت للبري والري ش وكانوا أقل حي عديدا
وثقيفًا لدبغ أسقية الجي ش وصنع الحبال فتلا قعودا
ثم ابنا نؤم قصدًا سهيلا ورقمنا لواءنا المعقودا
وكسونا البيت الذي حرم الله ملاء مصعبًا وبرودا
ثم طفنا لديه عشرًا وعشرًا وخررنا عند المقام سجودا
[ ٤٧٢ ]
وأقمنا به من الشهر سبعًا وجعلنا لبابه اقليدا
وأمرنا بأسرة الجرهم ين ونواخرهم بحافتيه شهودا
وأمرنا إلى بريق مساوكنا حين لونا ولا دمًا مفصودا
ونحرنا بالشعب تسعين ألفًا فترى الطير نحوهن ورودا
وصفا ملكنا لنا غير أني لست أرجو مع الفناء خلودا
كل ملك يفنى سوى ملك ربي فله ملكنا حميدًا مجيدا
خلق الخلق فاجرًا وتقيًا وشقيًا بسعيه وسعيدا
قاهرًا قادرًا يميت ويحيي خلق الخلق مبديًا ومعيدا
حمير أكرم الأنام وقدمًا سادة الماس حقنا أن نسود
قال معاوية: يا عبيد أنشد شعرًا غيره. قال: نعم يا أمير المؤمنين أنشأ تبع يمدح قومه ويقول:
أيها الناس لست أعرف قومًا مثل قومي في سالف الأزمان
نحن كنا إلى المآثر والمج د ورثنا العلاء من قحطان
لم تزل حمير لها الفضل في النا س عطاء من واهب منان
فهم سادة الملوك وكل النا س عبد لنا بسوق هوان
لم نزل نملك البلاد بقهر وندوس البلاد بالفرسان
يوم قدنا الخيول نحو معد من ظفار فجانبي غيمان
وأثرنا الجيوش لنا بحقل أزال كشيبه الجراد أو دخان
مائتا ألف فارس كل ألف في لواء مشهر الألوان
[ ٤٧٣ ]
معهم مثلهم رجال مصا ليت ليوث يمشون في البلدان
ثم قدمتهم سوى الألف ألفا كلهم ماهر بعطف عنان
يسمع السامعون للأرض منهم هدة لا تزال في رجفان
يتركون الفضاء ضيقًا بما فيه وما دونه من الغيطان
ساقهم من بلادهم لبلاد غيرها أسعد أبو حسان
ملك يبرم الأمور بحزم غير زميلة ولا متواني
لم يزل يقدم الجيوش بخيل وعليها عديدهم للطعان
كل قيل مملك حميري ليس بالمنثنى ولا بالجبان
يشرع الرمح في نحور الأعادي ويروي القناة بعد السنان
ويشق الصفوف في حومة المو ت إلى الموت والرماح دواني
فوطئنا ما بين يثرب والشا م بكلب والجمع من غسان
وسددنا ثغر الحجاز بازد الصقوا بالحجاز كل هوان
وورثنا عمان قدما بازد غير هذا فتلك أزد عمان
ثم وجهت ذارعين بجيش من قرى دامغ وأرض الهان
ثم سرحت ذا الكلاع بخيل ورجال كالليل من همدان
ثم قدمت ذا معاهر في الآس رة من مذحج ومن خولان
ثم أردفتهم بيحصب طرا أو بذي فائش وذي بلجان
ثم تبعتهم وسار لوائي لست أبغي سوى بني عدنان
فرموهم بجحفل ذي زهاء طحنوهم بكلكل وجران
تركوهم مع الضباع يلوذو ن من الخيل ثم بالكثبان
فقضيت الأوطار ممن يلينا من تميم والحي من عيلان
وأقمنا على ربيعة يومًا تذهل المرضعات عن ولدان
ثم سرنا إلى اليمامة قد ضا ق بنا كل غائط ومكان
[ ٤٧٤ ]
فقتلنا بها جديسًا وطمسًا وقصدنا بالمنبت الخيزران
فأبرنا أهل المشقر قسرًا ثم رمنا زريحًا مع ساسان
وعركنا العراق عركًا شديدًا فمحل الأولى من كرمان
ودخلنا بخيلنا جبل البل خ إلى نحو شاطئ الخورجان
فقتلنا ملوكهم واضطمينا بعد ذا بالحديد في الهرمزان
ثم أخربت بعد ذاك سمرقند ثم من بعدها قرى أصبهان
ثم حدثت أن بالصين ملكًا وكنوزًا من خالص العقيام
وجبالًا من اللجين عتيقًا ثم درًا وعسجد المرجان
فتوخيتها بعمروة أخي الي أس صبور اللقاء غير جبان
فدعست البلاد بالخيل حينًا ثم وجهتها إلى خيزران
فالتقينا العبيد بالخرج والما ل فأبعدتها بحي يماني
وشفينا الصدور ثم قفلنا بعد أثرنا البلاد بعد زمان
فطحنا يهود خبير حتى أصبحوا مثل دارس العلوان
ثم سرنا نؤم مكة بالخي ل لنختار عالي البنيان
فأبى الله فعل ذاك فطفنا بسبوع العتيق ذي الأركان
وكسوناه خير ما كان يكسى وحمينا له من الأوثان
وحبونا سكانه بعطاء وكتبنا لهم كتاب أمان
وقضينا الذي أردنا وابنا وقصدنا نؤم نحو دلان
وحمدنا الله الذي أحيانا ووقانا فوادح الحدثان
لم تطب مهجتي ولم أراني نمت حتى اتكأت في غمدان
[ ٤٧٥ ]
وفراشي على الأرائك خز ودمقس يعل بالأرجوان
وشربت الرحيق صرفًا بمسك صافي اللون مترعًا في الدنان
قال معاوية: لله أبوك يا عبيد، لقد حدثني عن حمير بالعجب ولقد كانوا في رفاهة عيش من دنياهم وأموال قد اوتوها! فاخبرني ما صنع تبع بعد هذا؟ قال عبيد: يا أمير المؤمنين: كان تبع إذا أراد أن يخرج في الغزو أو في سفر دعا أهل النجوم
وأصحاب العلم والمعرفة فسألهم عن علمهم فيأخذ برأيهم فإذا أمروه أن يسير سار. فكان هو أيضًا يعرف النجوم. قال معاوية: يا عبيد فأنشدني ما قال في النجوم. قال: يا أمير المؤمنين قال هذه القصيدة:
اضمحل الطلول من دار نحفا فرسوم الديار مثل السطور
أقفرت بعد عامر وأنيس من مهاة ومن غزال غرير
ناضر العيش في عمارة ملك ونعيم وبهجة وسرور
طال ليلي لما تذكرت نحفا ودعاني الهوى نحو المسير
فتململت في الفراش وأجمع ت مسيرًا المصلتين صقور
برجال إذا هم ركبوا الخي ل وساروا في الجحفل الجمهور
تتهادى كأسد غاب عليها كل درع مسرد مشهور
قلت لليلة التي طال فيها أرقي في قرى ظفار أنيري
فكمشت الجموع كمشًا رحيبًا وارتحلنا بصمة الاحمور
ثم سرنا مسير صدق نؤم الج دي في سيرنا بيمن المسير
ثم بالدبر إن دارت رحانا بالصناديد كالرحا المستدير
ثم بالهقعة التقينا فكانت ليلة كرها لكل مغير
ثم الهنعة ارتحلنا جميعًا وقتلنا الوزير بعد الأمير
ثم سرنا وبالذراع نزلنا وظللنا بنعمة وحبور
[ ٤٧٦ ]
ثم بالنثر شط مني نوى البع د فأغنيت كل بائس وفقير
ثم بالطرف احتملنا وكنا آل ملك وثروة ونفير
ثم بالنطح لم نزل ننطح النا س بقرن مذلق مطرور
ثم بالدبران خربت أرضا من وعيدي وزجرتي ونقيري
ثم بالصرفة ارتفعنا فكنا جبهة الرأس فوق عين النظير
ثم بالعواء للأعادي نزلنا بقضاء الواحد الكبير القدير
ثم سرنا مع السماك علينا كل فضفاضة كماء الغدير
ثم بالغفر سرت بالخيل قدما بكماة وكل قرم جسور
ثم بالكوكب الزباني معد أزمعت بالعواء بعد الهرير
ثم صبحنا بالإكليل كل عدو واجتلينا مخيبات الخدور
ثم بالقلب قلبت هام قوم بسيوف مذلقات ذكور
صم سرنا وبالنعام نزلنا يوم رهج وصولة وهدير
ثم بالبلدة اعترضت الأعادي بجموع وكان ذاك سروري
وبسعد ذبحت أبناء سعد ووضعت المدى بها في النحور
وبسعد السعود أسعد جدي فاستوى الملك واستقام سريري
وبسعد اصطلمت كل عدو ووأدت الأحياء أهل القبور
وبسعد الاخباء أخبيت أرضا بعد نهب وقتل قوم كثير
ثم بالفرع مقدم الدلو حولي كل قرم متوج محبور
ثم بالفرغ آخر الدلو صرنا بعد إيغالنا بخير المصير
ثم بالحوت قد حويت الأعادي بالعناجيج والسيوف الذكور
ثم بالسرطان صاحت معد من جموعي إلى العلي الكبير
ووطئنا بالبطن أرض معد بالعناجيج نعتلي بالزعور
ورجعنا إلى الثريا فسرنا يوم نقع وظلمة ديجور
[ ٤٧٧ ]
اجعل الفرقدين والجدي يمنى حيث دارت بنا نعش ندور
لا أبالي النسرين حيث استقلا وسهيلا إذا أجد مسيري
ثم أممت زهرة الردف قصدًا لمقامي ونعمتي وحبوري
إنما طيرة النجوم لغيري ولنا يمنها بلا تطيير
وفعلنا فعالنا إذ فعلنا واستبنا الأمور بعد الأمور
ثم نادوا أن اركبوا فركبنا كل شقراء زينة في الهجير
فإذا البأس راح عنا فانا آل ملك ونعمة وحبور
وقيان يرفلن في مخمل الخز وطورًا مظهرات الحرير
فانظري في فعالنا أم عمرو ليس هذا والأعمى مثل البصير
هل ثنيت البلاد من بعد طي وطويت البلاد صي الحرير
وانظري في البلاد هل مثل ملكي وسلي الناس عن نعالي وسيري
خبري عن فعالنا أم عمرو تجدي علم ذاك عند الخبير
تعلمي أننا عصارة ملك حبذا طيب عودنا المعصور
نفرغ اللحم للضيوف وشحما في جفان سرية وقدور
ليس مثل الذي تعلل بالحنظل من جوعه واكل الفطير
اصيحيني وعلليني براح أم عمرو فلست بالمجبور
يفزع الخلق ثم يرعد مني وأنا الغيث في البلاد المطير
قد كتبنا مساندًا في ظفار وكتبنا أيامنا في الزبور
وذكرت الذي يكون لحيني أن ملكي للباقي المنصور
قال معاوية: فهل قال تبع الأوسط في شعره شيئًا يذكر فيه ما وطئ من البلدان؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: تبع ملكي كرب يذكر
[ ٤٧٨ ]
مسيره وما وطئه من البلدان، وأنشأ يقول:
أم عمرو فعجلي لي بزاد قد بدا لي من الحوادث بادي
أيها الناس رأينا رأي حق ومن الرأي سيرنا في البلاد
بالعوالي وبالعناجيج نمشي بالبطاريق مشية القواد
وبجيش عرمرم حميري جحفل يستجيب صوت المنادي
شهر البلق جانبيه ويزهو من ذراها إلينا مثل السوادي
ألف الف كمثل ذاك وخلفي موكب فاعلمي شديد المقاد
وإذا سرت سارت الشمس خلفي ومعي في الجبال في كل واد
ومعي حمير وحمير قومي آل مجد ونجدة وجلاد
لا يرون العدو إلا فسادا وكرامًا ليسوا بأهل فساد
فطويت البلاد طية برد وثنيت القفار ثني الوساد
وملكنا ما بين أبين والرس وزادت به الجيوش مزاد
ليس للناس في المكارم حظ غيرنا إننا بنو الانجاد
ما تركنا للناس في الأرض مالا لم نصبه من طرف وتلاد
أو رئيس يرى يقود إلينا خيله لم يبت لنا في صفاد
أو رأينا نارًا تشب علينا لم تعد نارها إلى إخماد
أو حشدنا خيلا لا هلاك قوم لم ندعها شدًا بلا ايعاد
أو آتانا من البلاد وعيد لم نزل فوق ذاك في الميعاد
أو رمانا العدو إلا رمينا هـ بمشحوذة صلاب شداد
أو سما للعلاء إلا سمونا نحو بيت لنا طويل العماد
أو أراد الكبار إلا كبرنا من أراد الكبار يوم الحساد
[ ٤٧٩ ]
أو دعا للنهاب إلا دعونا آل خطب يأتون كالرواد
قد شككنا الخيول ما بين نجرا ن إلى يحصب فارض مراد
علم الله قد صدقت واني لمصيب في كثرة التعداد
ولقد سرت بالمساعدة الغر ببيض مأثورة وصعاد
ورجال من المقاول تردى فوق جرد من الخيول جياد
جمع قحطان في السنور يعدو ومعدًا جعلتها لو ساد
حمير معشري وحيدان قومي وهم سلوتي وجمع مرداد
كندة الخير عن يمين مسيري بالسكون السكاسك الأنجاد
والبهاليل مذحج مسترادي أحلس الخيل في عراص البلاد
ومعي من بجلة الغر قوم يحسنون الطعان يوم الجلاد
وأسود من خثعم غير ميل لا ولا عزل ولا أنكاد
فهم اسرتي وعز رجالي وهم مفخري وذكر مقادي
وتوافت إلى همدان تمشي مستعدين مثل رجل الجراد
وتناهت إلي طي مع الاز د وعبس والحي حي إياد
وبنو الحارث الأسود إذا ما ركبوا الخيل كان يوم جلاد
وزبيد والأشعرون وخولا ن وعنز توافي جماعة الحساد
وأتت مذحج من الحزن والسه ل أبحنا بمذحج كل وادي
فتهاب الليوث حين تراهم خلقوا في الكمال خلقة عاد
وإذا ما رأيت حمير خلفي وأمامي فذاك يوم الحصاد
ثم أيقن بأن قومي كرام آل بأس وهم سمام الأعادي
وجدد يرون بالرياسة والم لك وقتل العداة يوم التعادي
[ ٤٨٠ ]
ثم خل الطريق عنك وأيقن إنه ليس ذاك يوم شهاد
فهم ينزلون للطعن والضر ب إذا كان ذاك حين الوراد
قد بدا لي الغداة أنعت خيلا تتعادى بالصيد أي تعادي
فأبيد اللثام آل معد أي وأشفى غليل آل إياد
وعنيد في الدهر قدمًا معد ولنا العز في جميع البلاد
وكذا كان من مضى من معد من أبينا وسالف الأجداد
ثم سيري أريك منا جلادًا ترعد الناس وقعة في الأعادي
واريك الليوث يا أم عمرو المصاليت كل وارى الزناد
واريك الفياقي الغير فيها من سيول الدما كصب المزاد
وأريك النواعم البيض تمشي بين قومي كمشي غير تهادي
أم عمرو فلو شهدت انتقالي كل حي من حاضرين وبادي
أم عمرو فلو شهدت جلادي واحتزاز الأعناق في كل وادي
لعرفت الكرام يا أم عمرو ونسيت اللثام آل الفساد
وجعلنا النبيط لحمًا عيطا وطحنا الأعداء طحن الحراد
سأئلي الترك والصقالب والزنج وأهل القريض كيف اجتنادي
وسلي عن ثمود في أرض حجر تستبيني أمرًا لكل العباد
وسلي آل حام السود عنا ثم أولاد يافث والرفاد
وسلي ععن أخي التجارب والبأ س رؤوسًا فسائليها تنادي
سلي النبط والقرايات عنا قد حكمنا في أهلها بالسداد
قومنا حمير المقاديم في الحر ب فزوع الأيام يوم التنادي
قال معاوية: ما فيهم أبغى ولا أظلم من هذا في قوله؟ قال عبيد: يا أمير المؤمنين كذلك كان في عنف بغيه وجبروته في زمانه وزاد ما وطئ من
[ ٤٨١ ]
البلاد من آثار آبائه وأجداده وما انتهى من مسيرهم قوة في نفسه وجبروته. قال معاوية: لله أبوك أنشدني شعرًا من شعره. قال: نعم يا أمير المؤمنين - وأنشأ هو يقول:
انعم صباحًا أسعد الكامل يا ناقًا بالثأر والتابل
أثنى على الله بآلائه الواحد المقتدر الفاضل
في كل ما أولاك من نعمة وكل ما أعطاك من آجل
في العام أعطاك الذي تبتغي ثم يزيد الضعف في قابل
سرنا إلى الأعداء في أرضنا لم نك نرجو قفل القافل
في جحفل كالليل من حمير قد حضروا بالاسل الذابل
ومثلهم أعددت لي موكبًا مستوسقا مثل الدبا السائل
ومثلهم يقدمنا في الوغى إذا دعا النازل بالنازل
كم فيهم من بطل معلم من كل ذي ترس وذي نابل
وقد ضاقت الأرض بسرعانها من فارس نهد ومن راجل
ما يفقد الغائب من جيشنا وعندنا الغائب كالآهل
يا أيها السائل عن خيلنا عيت عن المخبر والسائل
تسعون ألفًا عددًا بلقها ودهمها كالعارض الوابل
والكمت والجرد تعادي بنا بكل قرم بطل صائل
الطاعن الطعنة يوم الوغى يقصم فيها مفصل الكاهل
فحميري قومي وهم معشري أهل الندى والحسب الفاضل
هم معشري حقًا وهم أسرتي أهل القرى المستحشد العاجل
ما فيهم عند اشتباك القنا في الروع من نكس ولا خاذل
بل قد يرومون لأعدائهم حتفهم في الموكب الهائل
سائل معدًا عندها علمنا فليس من يعلم كالجاهل
[ ٤٨٢ ]
ألم نكن يوم لقيناهم نقتلهم بالحق والباطل
حتى رفعنا السيف عن قتلهم وهم كنبت البلد الماحل
لم ندع في الأرض من أقطارها من شائع الذكر ولا خامل
إلا أذقناه بها حتفه حتف ثمود كان في العاجل
تراهم صرعى بمبسوطة من بين منكب ومن زائل
لم يجدوا من جتفهم مهربًا إذ يتقي المقتول بالقاتل
وكانوا عناديد فمن هارب ومن قتيل مقعس مائل
ومن صريع بين أرماحنا مجندل ذي فرس جائل
ومن أسير مصمت قلبه ومن جريح ذي جوى داخل
مكت بأعلى خندف تركها وأفرغت ذلا على وائل
واستنزلت قيسًا وأحلافها حتى التقى العالي على السافل
ما برحت قيس لنا طعمة نأكلهم بالناب والراول
حتى استجالت خيلنا والتوت=تطلب ذحلا في بني باسل
في جبل الديلم ثم انثنت بالجد والحزم على كابل
ومن سجستان فما دونها فساحة القفر إلى بابل
ومن قرى الشام فما حولها في أرض مصر فإلى الساحل
والروم قد أدت لنا خرجها من قبل أن يأتيهم عامل
والهند قد صبحهم جيشنا بكل نهد ساخط صاهل
وكانت السغد لنا موعدًا والخيل تعدى في قرى كابل
بجمع قحطان وأتباعهم ما فيهم من عاجز خاذل
كم نكحوا كم ذات بعل بلا مهر ومن بكر ومن حامل
[ ٤٨٣ ]
تزويج فهو غير ذي طاعة قول صدوق قائل فاعل
ومن نكاح رشدة نلبنا للغازي المجتاز والقافل
والذهب الأحمر يجي لنا إلى ظفار الملك والماجل
والمسك والانجوج يهدي لنا والدر في أصدافه الذابل
فكل أهل الأرض عبد لنا لا شك من حاف ومن ناعل
إن الذي نالته أرماحنا زاد على وصفك للقائل
ما تبع إن قلت ما تبع إن نصح المسئول للسائل
هو الذي ينكى أعداءه فكلهم في نصب شاغل
ومن يقول الناس أن أمحلوا عليكم بالملك الفاضل
النافع الضائر والمرتجى للخير والمنعم للواصل
نال الذي نال بإيمانه فليس بالنكس ولا الجاهل
قال معاوية: لله أنت يا عبيد! فأين قول تبع الذي قال على الباء:
أرقت وما ذاك بي من طرب ولكن تذكر ما قد ذهب
قال عبيد: يا أمير المؤمنين إنك لتكلفني أقوال أقوام قد ذهبوا، كانوا ملوكًا فإذا قالوا صغروا غيرهم لقدرتهم وعظمتهم. قال معاوية: يا عبيد قد غاب ذلك عنا فقل فما جرانا لذلك أن تكن حمير ملكت كما ذكرت فقد أورثنا الله ذلك من ملكهم فهو لنا اليوم وقد انتزعه الله بنبيه محمد - ﵌ - وهو منا فنحن أسرته وخير الناس بعده، ولولاه لم نكن شيئًا وجعل حميرًا لنا، والحمد لله الذي أكرمنا بنبيه وأورثنا أرض
[ ٤٨٤ ]
أعدائه الجبابرة العتاة فقل غير متق شيئًا ولا سائب أحدًا فأنت في ذمتي وجواري والله لك علي بذلك شاهد.
قال عبيد: يا أمير المؤمنين، ثم أقبل تبع بن ملكي كرب في جموع حمير من اليمن ومعهم عيالهم وأولادهم حتى وقفوا بأرض العراق للذي بلغه من رفاهية عيشها وكثرة خيرها يريد الأعاجم وملكها قباذ. وإن تبعًا سار حتى نزل موضع الحيرة اليوم، فعسكر بجموعه بالحيرة إلى الكوفة مما يلي شط الفرات قبل أن تكون الحيرة والكوفة. قال معاوية: الحيرة قبل الكوفة؟ قال عبيد: وقبل البصرة بزمان، والكوفة قبل البصرة بزمان طويل.
قال معاوية: خذ في حديثك عن تبع. قال عبيد: بلغ الأعاجم جمع تبع فاجتمعوا إلى ملكهم قباذ ببابل - ولم يكن تبع يدرك تلك القبائل - فاجمعوا على الحرب، فبعث تبع ابن أخيه شمر ذا الجناح على مقدمة الجيوش وجرد معه الخيول وأمره أن يجد في الطلب حتى يلقى قباذ وأصحابه وجموعه. ورحل تبع في الأثر مجدًا
في الطلب فتحير في صحراء الحيرة ثم نظر تبع فإذا هو غير بعيد من مكانه الذي رحل منه قال تبع: إن لهذا المكان نبأ عظيم فخلف العيال وذوي الزمانة والضعفاء والأثقال وخلف معهم عشرة آلاف فارس تحفظهم وسماها تبع (الحيرة) للذي كان من تحيره فيها ومضى تبع حتى واقع قباذ وجموعه ببابل فاقتتلوا قتالًا شديدًا فانهزم قباذ وجنوده حتى أتى الري فاتبعه شمر ذا الجناح بالري، وقد جمع بها من عسكره جموعًا كثيرة ليقاتلهم بها - فواقعه شمر ذو الجناح فقتل قباذ بالري وفض جموعه بها وأقبل تبع حتى نزل الحيرة بعد هزمه قباذ
[ ٤٨٥ ]
ببابل فخلف بها من أحب أن يخلف مما جرى عليه من الأعاجم، وسار على وجهه ذلك إلى خراسان، وفي ذلك يقول الشعر الذي قال على الباء. قال معاوية: فاسمعني قوله؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. فأنشد عبيد عند ذلك:
أرقت وما ذاك بي من طرب ولكن تذكر ما قد ذهب
تذكر ما أفت مما مضى وهل يطرب الثائر المغتصب
وأمر هممت بإمضائه إذا الهم خالطني والنصب
وأوتيت ملكًا من الله هاج فطم على خلقه والتهب
حباني به الله من عنده ولم به صدعنا والشعب
نعم البلاد ونغشى النجاد عزيزي المعادة والمنقلب
نهد الحصون ونعلو الحزون ونبكي العيون بكاء الحرب
فدان به الناس طر لنا وقد خاب من جاءني بالكذب
توارث ذلك آباؤنا قديم الزمان أبا بعد أب
لقد رمت أمرًا فأمضيته ومثلي إذا رام أمرًا صلب
أعالج أمرًا لإمضائه وذو العز همي وذاكم أرب
وخبرت بالصين لي بغية ثياب الحرير وكنز الذهب
فسرت إليهم بجيش لهام شديد الزهاء كثير اللجب
بأبناء قحطان من حمير بهاليل اسد صميم الحسب
بأبطال قومي شم الأنوف كرام الجدود السراة النجب
غزوت الأعاجم في أرضها فأعطوا القياد وخلوا السلب
ولما هبطنا بلاد السواد وفر قباذ سريع الهرب
فاتبعته شمرًا ذا الجناح فسار حثيثًا سريع الطلب
[ ٤٨٦ ]
فكان ببابل يوم لهم طويل العناء شديد الكلب
فلما انتهوا عند غيبوبة من الشمس كفوا وقل الصخب
فيسقون سمًا ويسقونه بأسياف صدق كمثل الشهب
قفر قباذ وأشياعه وكان العزيز بها من غلب
وأضحوا كأن لم يكونوا بها كذاك الزمان إذا ما انقلب
وطاروا ومروا أقاضي البلاد فزالت همومي وولت كرب
سبقنا البرية في غزونا بحمل المزاد ونوط القرب
ولبس الدروع وقود الجياد إذا ما قضينا قضاء وجب
فدانت معد لنا عنوة وكلهم ما لهم من حسب
فمنهم رعاء لأموالنا عليهم خراج لنا مغتصب
نميرًا جعلت لحوك البرود وحل النعال ووضع اليلب
خزيمة كان عليها الدباغ وقد السيور وفتل السلب
تميمًا جعلت لبري القداح وشحذ النصال ورصف القصب
وقيسًا وضعت بأرض الحجاز لنسج العباء وخرز القرب
هذيلًا جعلت لنحت البرام وكانت كنانة فيها القتب
جعلت الرباب لحفر البئار وميح الدلاء عليها الكرب
سليمًا جعلت لسقي الحجيج كذاك اليماني إذا ما غضب
جعلت ربيعة تهدي الطريق منارًا على القصد حيث الشعب
وازدًا تركت بأرض عمان ليوث المغازي كرام الحسب
إرادة أن يسكنون بها وإن يقتلون بها من نصب
ومنهم جعلت بأرض الحجاز لمن شذ من أهلها أو هرب
قضاعة منا إذا ينسبون وفي غيرنا الدار والمغترب
وحيدان منا وهم معشري إذا ما غضبنا أجدوا الغضب
[ ٤٨٧ ]
وخولان سحمانها والذراع يشبون إيقادها باللهب
لعمرو أبيهم عقيد اللواء إذا رام داهية لم يهب
يشدون بنيان من قد بنى على شرف وهو فيهم ذنب
لهم صولة لا يرى مثلها إذا ما نأت وإذا تقترب
فمنا السكاسك ثم ثم السكون وهمدان منال وطئ العصب
ومنا بجيلة والأشعرون ومنا المعافر أهل النجب
وجمع العشيرة في صفنا ومذحج طرأ عليها اليلب
وفي صفنا الأزد أخواننا كرام الجدود طيال القضب
ومنا الخياصم ما يتثنون جذام ولحم وفينا الخطب
كرام المغافر والدارعين ففيها العديد وفيها الندب
نعد من الأزد أخواننا كرامًا ليوثًا كمثل الشهب
وفي صفنا حمير كلها عليهم جواشنهم والزعب
وحمير أرباب أهل البلاد وسائل بذلك تنبأ العجب
ومنا المقاول من حضرموت كرام نعد بهم من خلب
ففي رأس قحطان من ما مضى وفي فرع حيدان لي منتخب
أولئك قوم سموا للعلى وحمل السلاح وفضل الحسب
وما منهم كان إلا فتى إذا رام داهية لم يهب
نعد بطونًا بأسمائها وننسى قبائل كانت ذنب
لها كاهل مشرف رأسه علي المرام رفيع الرتب
فمن ذا من الناس لم نكبه وأخطأه بالقتل يلقى الحرب
قتلنا القبائل في أرضها قتلنا فزارة شر العرب
وفارس والروم تجبي لنا وفي الصين جيش لنا ذو سلب
[ ٤٨٨ ]
وديلم والترك تجبي لنا وكلهم ذاعن مغتصب
وبربر والزج والاحبشون فكلهم عندنا في تعب
لنا الهند والسند والاريسون وأهل الشروق وأهل الغرب
وخاقان ألجمته كالحمار واقتبته صاغرًا بالقتب
فأذعن إذ ذاك تحت الوكاف وسمح في ذله بالجنب
فألبسته خشنات المسو ح بعد الحرير وخز القصب
وملحان كالبغل أسرجته وغيبته عانيًا باللبب
ونفير أوثقته بالحديد وأدخلته صاغرًا بالشرب
ورستم وسابور والهرمزان بشر نكال وأقوى نصب
نعذب أرواحهم بالحريق ونطليهم بدواء الجرب
وأضحوا جميعًا بضر لدي وكانوا مجوسًا ورغلا سرب
جبوت المجوس وأجناسها لخدمة قومي وأهل النصب
وقد كان للروم يوم عصيب طويل العناء شديد التعب
وعذبت قنطورة بالسياط وأسعته السم فيه النصب
وآزرته بازار الصغار وكلفته ثم حمل الحطب
وذاق النجاشي من وقعها عذاب ثمود كذاك العقب
صنيع أبي كرب الحميري يقول بحق وما إن كذب
فدع ذا ولكن لما يذكروا ن من صنع جالوت في المنتخب
فزلت بجالوت ثم النعال وخلى بلاد ولاة الكتب
فدانوا ودنا لما يذكرون قرأنا الكتاب وزدنا النسب
لطول الحصار غرستا النخيل وحتى أكلنا جناه الرطب
وأهل المواشي من بعدهم سيعطون ملكًا طويل الغلب
ويأتي على الناس من بعدهم زمان عصيب كثير الشغب
[ ٤٨٩ ]
يكونون في غمرات العمى فيأتيهم رجل منتخب
فيهديهم لسبيل الهدى ويكسر أصنامهم والصلب
فو مد دهري إلى دهره لكنت نسيبًا له في النسب
ويأتي على الناس من بعده ولاة يضيمون من لم يرب
وهم يملكون جميع البلاد لسفك دمائهم والحرب
وقد قيل أملكهم راهب فاني لأعجب كل العجب
لأمر يجيء على معشري يرى في جمادين أو في رجب
ويملك من بعدهم ذو التقى وأهل القضاء وأهل الحسب
هم الراشدون وأهل الهدى أبوهم أخو صالح المنتخب
ويأتي على الناس من بعدهم زمان كما قال أهل الكتب
تمنى العجوز لأولادها فراق الحياة وترك النصب
وبالشط أجبه من قومنا ويستغضب الملك منهم حقب
هو القرم في الأرض مستفتحًا يكون له الملك بعد الاربعاء
هو الخلف من بعدي المرتجي لفض الجموع وجمع العصب
علينا اليلامق والسابغات سلبنا الملوك وما نستلب
لنا ملكنا اليوم نقضي به ونحكم في ما لنا ما نحب
نجيز الأمور بسلطاننا لنبلغ ملكًا به مغتصب
قال معاوية: ويحك يا عبيد من يعني بهذا البيت الذي يغتصب الملك؟ قال: يعني رجلًا من ولد قحطان يسمى القحطاني اسمه على ثلاثة أحرف تجمع له الأرض يدعو إلى الله وذلك عند انقضاء ملك قريش. قال معاوية: قال ملكها ليغرب قبل انقضاء الساعة؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين إذا اختلفت قريش بينها لم يكن شيء حتى يخرج بعدها عيسى بن مريم يطهر
[ ٤٩٠ ]
الحرمين، فعند ذلك يخرج الرجل من ولد قحطان. قال معاوية: خذ في حديثك الأول عن تبع الأوسط أبي كرب وهو اسعد الكامل، واسمعني من بعض أشعاره ما حضرك. قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال تبع هذا الشعر الذي يقول فيه:
جلبنا الكتائب من منكث فجنبني أزال إلى الواعره
كتائب كالليل من حمير بأيديهم القضب الباترة
سرابيلهم كل فضاضة دلاص مساميرها ظاهره
آتاني بأن معدًا تقول حمير شرذمة غادره
وأسعد يثأر في عصبة عوائر ليست لها ثائره
فلما آتاني كلام العبيد أثرت لهم عصبة ثائره
نصبت الحروب فقاسيتها ولم أور للخطة الخاسره
فسرت بجيش له أزمل يخط به البدو والحاضره
بأبناء قحطان من حمير على كل سلهبة ضامره
ففرت ميم وأشياعها ومن باليمامة من غاضره
وفرت نمير ومن نمرت وكانت قشير هي القاشره
وفارت يسعد قدور لنا بأمثالهم لم تزل فاثره
وعاجلت عجلًا لدى دارها بصاعقة فيهم بائره
صبحنا حنيفة ملمومة فأمست جدودهم عاثره
وكرت هذيل إلى أرضها وكانت لهم كرة خاسره
وفرت ثقيف وأحلافها فرقت ثقيف بنا الفاقره
وجاءت كنانة تبغي الأمان هنالك عانية صاغره
تركت ديار بني كاهل يبابا معطلة دامره
[ ٤٩١ ]
وقائع من مضر تسعة وفي غيرهم كانت العاشره
فلما عطفتني لهم رحمة ولا أصرتني لهم آصره
فكيف رأوا حمير أهل حمت لما قالت الفئة الفاخره
حمت عز قحطان من أن يضام وكانت لمن رامها قاهره
بخيل تكردس بالدارعين وشبه الوعول على الظامره
قال معاوية: أحسنت يا عبيد. فهات أنشدني الشعر الذي قال في الزهد. قال: نعم يا أمير المؤمنين قد كان تبع حين نظر إلى البيت الحرام وعرف فضله ما ذكر له الحبران أن لله تعالى وتبارك نبيًا من قريش وقع ذلك في قلبه وترك عبادة الأصنام فكان فيما قال هذا الشعر الذي يقول فيه زهدًا:
أنيبوا للذي وضع الكتابا وسوى دونه سبعًا صلابا
فسواهن سبعًا مشرفات عظامًا حين تنظرها رعابا
وزين هذه الدنيا نجومًا تناثر عند مغربها انصيابا
مصابيحًا يضئن بكل أفق هدى للناس تنسرب انسرابا
علوت فليس فوقك رب شيء وما شيء يدانيك اقترابا
علمت الغيب والأسرار منا وتعلم من أساء ومن أنابا
نصبت بقدرة حرسًا علينا ليحصو ما نجيء به كتابا
يرون بما نجئ ولا نراهم ولا ذكرًا نحس ولا خطابا
نموت ونترك الدنيا لقوم ونصبح بعد جدتنا ترابا
فيبعثنا وقد كنا رميمًا فيخلقنا وقد نخرت صلابا
وينشرها فيكسوها لحومًا ويبعثنا كما كنا شبابا
أعد الله للكفار نارًا أحاط بهم سرادقها عذابا
[ ٤٩٢ ]
إذا القوا مع القرناء عجوا وقد ذاقوا المذلة والتبابا
واعرض دونها حرس شداد بعيد رحمهم خلقوا غضايا
بأيديهم مقامع من حديد بحر النار تضطرب اضطرابا
إذا قرنوا الشقي وصار فيها علوه بالمقامع ثم غابا
وصبوا فوق رؤوسهم جميعًا وأسقوهم وكان لهم شرابا
ألم تعلم بأن الله ينشي سحابًا ثم يردفه سحابا
قال معاوية: لله درك يا عبيد انك لتحدثني عجبًا ما شفاني عنهم وعن أخبارهم وما كان منهم أحد غيرك. فاخبرني عن قتل أسعد الكامل؟ كيف كان ولم قتله قومه؟ قال عبيد: يا أمير المؤمنين إن قوم تبع لما هموا بقتله - وكان سبب ذلك أن حبرين من اليهود من اليمن دخلا عليه فأحب أمرهما وما هما عليه ورأى أن الذي هما عليه أفضل فآمن بالله وصدق بنبيه موسى بن عمران - ﵇ - وما انزل الله من التوراة. فأمر الحبرين أن يدعوا إلى دينهما في لطف ورفق ففعلا ما أمرهما. فلما رأت ذلك حمير خرجوا إلى نبع فقالوا: لأهلكتنا بالغزو فصبرنا لذلك فأما على ديننا وما كان عليه آباؤنا فلا نصبر لك، فقد فرقتنا في البلدان فأتعبتنا فاقتل عنا هذين الحبرين. قال: معاذ الله أن أقتلهما وهما مني في ذمة فعليكم بهما فكلموهما وحاكموهما إلى من شئتم. فأجمع رأيهم أن يحاكموهما
إلى النار في اليمن - يقال أنها كانت بصنعاء - فانطلقوا حتى أتوا النار فنحروا عليها الجزر وقربوا القربان، ثم تقرب الحبران فلم يزالا يقرآن كتاب الله من التوراة حتى خرجت لهما فمضيا فيها حتى جاوزا ودعا تبع سادة أهل اليمن فاجتمعوا وأرسلت النار نحوهم فأحرقتهم ونجا الحبران وأمرا النار أن تطفأ فطفأت. قال: فثارت عليه حمير وأرادوا قتله فقال: لا تعجلوا علي حتى أوصيكم وأوصي ابني حسان. فقال طائفة منهم اقتلوه، وقالت طائفة
[ ٤٩٣ ]
منهم: مهلًا مهلا فإن في هلكه هلاككم، ولكن اسمعوا منه يتم لكم عزكم فإن عنده علمًا. قال تبع: أما إذا كنتم قد اجتمعتم على قتلي فادفنوني قائمًا ليتم لكم عزكم ولا يخرج منكم ملككم، ثم دعا ابنه حسان فأوصاه أن يأتي جبلًا باليمن إذا هو ملك، ثم ينظر من يأتيه من ذلك الجبل فيأكل ما أطعم ويشرب ما سقى ويفعل ما أمر. ثم وثبوا على تبع فقتلوه فأرادوا أن يدفنوه قائمًا فلم يستقر لهم ومكثوا يعالجون ذلك منه حتى ملوا وضجروا وقالوا: أشقيتنا حيًا وميتًا وندموا على قتله، فدفنوه مضطجعًا، ثم ولوا أمرهم حسان بن تبع - وكان ملك تبع ثلاثمائة سنة وعشرين سنة - فلما أراد حسان الخروج إلى الجبل الذي أمره أبوه تبع استخلف آخاه معد يكرب وانطلق حتى أتى الجبل والموضع فلقيته امرأة فرحبت به وقالت: اقعد، فلما أراد القعود إذ هو بدود كثير على فراشه ووساده فأبى أن يقعد، ثم قدمت إليه رؤوس الناس وقالت: كل من هذا فأبى أن يأكل وقال: أقعدتيني وأطعمتيني رؤوس الناس لا حاجة لي في هذا. قالت له: ويحك ما أبعد حظك من حظ أبيك وما أقل ما تملك قومك؟ إذا ما عصيتني فاشرب ما في هذا الإناء فإذا فيه دم فقال: لا حاجة لي في هذا قالت: هذا الذي أوصاك به أبوك وإن الأمر الذي كان يعمل به أبوك من عندنا أصابه، فأما إذا لم يكن لك نصيب مثل نصيب أبيك فاقتل من أمرك بقتل أبيك وبقاؤك في قومك قليل، ثم رجع فسألته أمه لما ذهب له فقال لها: صنع لي
هكذا وقيل لي هكذا! فقالت: لو أنك جلست على الدود لاستوطأت الملك ومد لك في العمر ولو أكلت الرؤوس دانت لك حمير وذلت لك العرب وأهرقت دماء أهل الأرض.
قال معاوية: لله أبوك يا عبيد، ثم صنع حسان ماذا؟ قال: يا أمير المؤمنين، أقام حسان بحمير زمانًا لا يغزو بهم، حتى طمع في ملكهم ناس
[ ٤٩٤ ]
من أهل اليمن وجرهم - وكان باليمامة حيان يقال لهما طسم وجديس وهما ابنا لاوذ بن ارم بن سام بن نوح، وهما من العرب العادية، وكان منزلهما باليمامة، وكان اسمها يومئذ جو القرية بنفسها - قال: وكان طسم ظلومًا غشومًا لا ينهاه شيء عن هواه مع أضراره بجديس وتعديه عليهم وقهره إياهم وإذلاله لهم، فثبت في ذلك عصرًا من دهره وقد غير عليهم النعمة وانتهك الحرمة - وكانت بلادهم أفضل البلاد وأهناها وأكثرها خيرًا وأقربها مسيرًا - ولهم أصناف الثمار من النخيل والأعناب في دار أنيقة وقصور مصطفة، فلم يزل ملكهم على ذلك حتى أتته امرأة من جديس وزوج لها قد كان فارقها فأراد قبض ولده منها فأبت عليه حتى دار بينهما كلام، فارتفعا إلى الملك عمليق - وكان اسم المرأة هزيلة واسم زوجها قاشرًا - فلما وقفا بين يدي الملك سألهما عن حججهما فقالت له هزيلة: أيها الملك إني امرأة حملته تسعًا وأرضعته سبعًا، ولم أر منه نفعًا حتى إذا تمت أوصاله واستوى وصله أراد أن يأخذ كرهًا ويتركني ورهاء. قال زوجها: أخذت المهر كاملًا ولم أصب منها طائلًا إلا وليدًا جاهلًا فافعل ما كنت فاعلًا. قال: فأمر الملك بالغلام أن يقبض منها وإن يجعل في غلمانه وقال لهزيلة: أبغيه ولدًا ولا تنكحي أحدًا؟ قال هزيلة: أما النكاح فبالمهر وأما السفاح بالقهر وما لي فيها من أمر! فأمر عمليق عند ذلك أن تباع هزيلة وزوجها ويرد على زوجها خمس ثمنها ويسترق ويرد على هزيلة عشر ثمن زوجها ويسترق. فقالت هزيلة في ذلك هذا الشعر وهي تقول:
أتينا أخا طسم ليحكم بيننا فابرم حكمًا في هزيلة ظالما
لعمري لقد حكمت لا متورعًا ولا كنت فيما يبرم الحكم عالما
ندمت ولم أندم واني لغرة وأصبح بعلي في الحكومة نادما
[ ٤٩٥ ]
فلما بلغ قيلها عمليقًا أمر أن لا تتزوج بكر من جديس حتى يبدأ بها فيفترعها قبل أن يتصل بها زوجها. قال: فأصاب القوم من ذلك ذل ذليل فلم يزل ذلك الملك يفعل بهم حتى تزوجت امرأة منهم - يقال لها عفيرة ابنة عفار الجديسية أخت الأسود بن عفار - فلما كانت الليلة التي يهدي بها إلى زوجها انطلقوا بها إلى عمليق ليبدأ بها قبل زوجها ومعها القيان يغنين وهن يقلن:
أبدي بعملاق وقومي فاركبي وبادري الصبح لأمر معجب
فسوف تلقين الذي لم تطلبي وما لبكر عنده من مهرب
قال: فدخلت العفيرة على عملاق فافترعها وخلى سبيلها وخرجت إلى قومها شاقة ثيابها ودرعها عن دبرها وهي تقول في ذلك:
لا معشر أذل من جديس أهكذا يفعل بالعروس
لكل قرن أشوس عبوس عدمتكم يا سقط النفوس
ثم قالت لقومها ويحكم أيرضى بهذا الحر من رجالكم وقد أعطى هذا المهر كاملًا والله ليأخذه أهون عليه من أن يفعل هكذا بعرسه وأنشأت العفيرة ابنة عفار تحرض قومها وتذكر ما فعل بهم العملاق وهي تحثهم على الحرب.
أتصبح تمشي في الدماء فتأتيكم صبيحة زفت في النساء إلى البعل
فإن أنتم لم تغضبوا بعد هذه فكونوا نساء لا تغبوا من الكحل
وهادونكم طيب العروس فأنتم خلقتم لأثواب العروس وللغسل
فلو أننا كنا رجالًا وأنتم نساء لما كنا نقر على الذل
فسعدًا وسحقًا للذي ليس ناكفًا ويختال يمشي بيننا مشية الفحل
[ ٤٩٦ ]
فموتوا كرامًا أو أميتوا عدوكم بضرب تلظى كالظرام من الجزل
وإلا فخلوا بطنها وتحملوا إلى بلد قفز وهزل من الهزل
ولا تجزعوا يا قوم للحرب إنما يقوم رجال للمعالي على رجل
فيهلك فيها كل وغد موكل ويسلم فيها ذو النجادة والفضل
قال: فلما سمعت جديس قولها استحقموا غضبًا وتلضوا كلبًا فقام الأسود ابن العفار - وكان فيهم سيدًا مطاعًا - فقال: يا معشر جديس أطيعوني فيما أمرتكم وأدعوكم إليه فانه عزكم الدهر وذهاب الذل عنكم. قالوا وما ذاك؟ قال: والله لتطيعوني أو لأتكين على سيفي هذا حتى يخرج من صلبي. قالوا: لك الطاعة علينا فما ذلك؟ قال: إني صانع للملك وقومه طعامًا، ثم أدعوه إليه فإذا هم أقبلوا يرفلون في حللهم نهضنا إليهم بأسيافنا، ثم أخذ كل رجل منكم جليسه فضربه بسيفه. قالت العفيرة: لا تعذرون يا أخي وباد القوم في ديارهم تظفروا وتقدروا، فأبوا أن يطيعوها. فقالت العفيرة في ذلك شعرًا تريد أن تسمع قومها - فأنشأت تقول:
لعمرك ما في الغدر إذ تركبونه وفاء ولا عذر وما فيه من حصن
رأيت لواء الغدر في كل مجمع من الناس نصبًا للمذلة واللعن
ولا خير في الأقوام حتى يكاثروا بناهضة الأبطال قرنًا إلى قرن
فإن مرام الغدر يا قوم فاعلموا صغار بتقصير من الغدر في الأمن
وقالت العفيرة في ذلك أيضًا:
لا تغدرون فإن الغدر منقصة وكل أمر له غب وإن ظفرا
إن أخاف عليكم مثل تلك غدا وفي الأمور بنا عذر لمن نظرا
كروا عليهم كرارًا في مضارخة فكلكم باسل نرجو له الظفرا
[ ٤٩٧ ]
وباشروا القوم ضربًا في ديارهم ضربًا حتى تهدموا القصرا
فأجابها أخوها الأسود وهو يقول:
أنا لعمرك ما نبدي مناهزة نخاف منها صروف الحين إن ظهرا
ففي التحيل للأقوام مدركة وكل أمر بها نرجو له الظفر
كفى لديك فلا تبغي لعاقبة عن الذي قد رآه الرأي أو خطرا
فليس يمنع رأيًا أن ندبره زحر الزواجر حتى نركب الخطرا
إني زعيم لطسم حين تحضرنا عند الطعام وذاك الرأي إن قدرا
فإن تلاقوا على بغي ومظلمة ضربًا يبين أكف القوم والقصرا
قال: ثم صنع الأسود طعامًا، ثم دعا الملك وقومه من طسم فأقبلوا يرفلون في حللهم، ثم دفنت جديس أسيافهم في الرمل حيث وضعوا الطعام. فلما أتتهم طسم وثبوا إلى أسيافهم وشدوا على عملاق وأصحابه فقتلوهم حتى أفنوهم جميعا، وأنشأ الأسود يرتجز وهو يقول:
لا أحد أذل من جديس أهكذا يفعل بالعروس
جاءت تمشي في دم حميس كالريح في مسهومة اليبيس
يا طسم ما لاقيت من جديس من البلا والعيب والنحوس
وقال الأسود أيضًا:
ذوقي مجللة الحرب نافعة فقد أتيت لعمري أعجب العجب
إنا انتقمنا فلم ننفك نقتلهم والبغي هيج منا سورة الغضب
فلم يعودوا لبغي بعدها أبدًا ولم يكونوا لذي أنف ولا ذنب
فلو رعيتم لنا قربى مؤكدة كما الأقارب قد أرعى لذي النسب
[ ٤٩٨ ]
وقال خزيمة بن المسنتجم الجديسي في ذلك شعرًا:
لقد نهيت أخا طسم وقلت له لا تذهبن بك الأهواء والمرح
وأخش العقاب فإن الظلم منقصه وكل فرحة ظلم بعدها الترح
فقد أطاع لنا أمرًا فنعذره وذو النصيحة عند الأمر ينتصح
فلم يزل ذاك ينمي من فعالهم حتى استفاد والأمر الغي فافتضحوا
فباد أولهم من بعد آخرهم ولم يكن عندهم رشد ولا فلحوا
فنحن بعدهم للحق نملكه نسقي الغبوق كما يسقي ونصطبح
فتلك طسم على ما كان إذ فسدوا كانوا بما فيه من بعدها صلحوا
إذا لكنا لهم بحرًا وممنعة أنا إذا وزنت أحلامنا رجحوا
وقالت امرأة من طسم - ترثي قومها وتنوحهم - وهي تقول: (١)
ها هنا انقضت النسخ كلها وقد تم الكتاب، والحمد لله تعالى وصلى الله على محمد نبي الرحمة وعلى آله الطاهرين وسلم.