وأقام سيف بن ذي يزن ملكًا من قبل كسرى يكاتبه ويصدر في الأمور عن رأيه إلى أن قتل وإن سبب قتله إنه أخذ من أولئك الحبشة خدامًا فخلو به في منضدة فزرقوه بحرابهم فقتلوه وهربوا فطلبهم أصحابه فقتلوهم جميعًا. وانتشر الأمر باليمن ولم يملكوا أحدًا على أنفسهم غير أن كل ناحية ملكوا عليهم رجلًا من حمير، وكانوا كمثل ملوك الطوائف حتى أتى الله بالإسلام. وهذا ما كان من أخبار الملوك الدابرة والأمم
[ ٣١٧ ]
الغابرة والحمد لله على ذلك كثيرًا كما هو أهله. تم الكتاب بحمد الله الوهاب.
وما ذكر من أخبار سيف بن ذي يزن الحميري في نسخة من غير هذا التأليف.
قيل: لما ظفر سيف بن ذي يزن الحميري بالحبشة وذلك بعد مولد النبي ﵌ بسنين أتته وفود العرب وأشرافا وشعراؤها لتهنئة وتمدحه وتذكر ما كان من آلائه وطلبه بثار قومه. فوفد عليه عبد المطلب بن هاشم وأمية بن أبي الصلت وأمية بن عبد شمس وخويلد بن أسد في جماعة من أهل بيته وإذا الملك جالسًا في رأس غمدان - وهو الذي يقول فيه أمية بن أبي الصلت لطلب الوتر:
إن المكارم والأفضال في يزن لجج في البحر للأعداء أحوالا
أتى هرقل وقد شالت نعامته فلم يجد عنده النصر الذي سالا
ثم انتحى نحو كسرى بعد عاشرة من السنين يهين النفس والمالا
حتى أتى ببني الأحرار يقدمها تخالهم فوق متن الأرض أجبالا
من مثل كسرى وما دار الملوك له ومثل وهرز يوم الموت إذ صالا
لله درهم من عصبة خرجوا ما إن رأيت لهم في الناس أمثالا
لا يفخرون وإن جدت مفاخرهم فلا ترى منهم في الطعن ميالا
غر حجا حجة بيض مراجحة أسد تربب في الغيطان أشبالا
يرمون عن شدف كأنه عطب في جحفل جعل الأموات أسجالا
أرسلت أسدًا على سود الكلاب فقد أضحى شريدهم في الأرض فلالا
فاشرب هنيئًا عليك التاج مرتفعًا في رأس غمدان دارًا منك محلالا
[ ٣١٨ ]
ثم أطل بالمسك إذ شالت نعامتهم وأسبل اليوم في برديك إسبالا
تلك المكارم لا قعبان من لبن شيبًا بماء فعادا بعد ابوالا
ثم استأذن وهو على سريره وتاجه على رأسه ووميض المسك في مفرقه وسيفه بين يديه وعن يمينه وشماله الملوك والمقاول وأبناء الملوك، فسلم عبد المطلب، ودنا وأستأذنه في الكلام. فقال له سيف: إن كنت ممن يتكلم بين أيدي الملوك فقد أذنا لك. فقال عبد المطلب: أيها الملك، إن الله جل اسمه قد أحلك محلًا رفيعًا
صعبًا منيعًا شامخًا باذخًا وأنبتك منبتًا طابت أرومته وعزت جرثومته وثبت أصله وبسق فرعه في أكرم معدن وأطيب موطن. وأنت أيها الملك رأس العرب وربيعها الذي به تخصب وأنت عمودها الذي عليه عمادها ومعقلها الذي تلجأ إليه العباد، سلفك لنا خير سلف وأنت لنا منهم خير خلف ولم يخمد ذكر من أنت سلفه ولن يهلك من أنت خلفه، نحن أيها الملك أهل حرم الله وسدنة بيته أشخصنا الذي أبهجنا إليك لكشف الكرب فنحن وفد التهنئة لا وفد الرزية. فقال سيف: أيهم المتكلم؟ قال: أنا عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف. قال: ابن أختنا؟ قال: نعم أصلح الله الملك. قال: مرحبًا وأهلًا وناقة ورحلا وملكًا ربحلا يعطي عطاء جزلًا قد سمع الملك مقالتكم وعرف قرابتكم وقبل وسيلتكم، فأهل الليل والنهار ما أقمتم ولكم الحباء إذا ظعنتم، ثم انهضوا إلى دار الضيافة وأجرى عليهم الإنزال وأقاموا لا يصلون إليه ولا بأذن لهم شهرًا. ثم انتبه لهم انتباهة فأرسل إلى عبد المطلب فأحضره وأدنى مجلسه ورفع قدره. ثم قال له: يا عبد المطلب إني مفوض إليك أمرًا لو كان غيرك لم أبح له به، وجدتك معدنه فأطلعتك عليه: إني أجد في الكتاب المكنون والعلم المخزون خيرًا عظيمًا وخطرًا جسمًا فيه شرف الحياة
[ ٣١٩ ]
وفضيلة للناس عامة ولرهطك كافة ولك خاصة. فقال عبد المطلب: أيها الملك عز جدك وطال عمرك ودام ملكك، فهل المملك مخبري بإيضاح، فقد وضح لي بعض الإيضاح. فقال سيف: هذا حبه الذي يولد فيه أو قد ولد يموت أبوه وأمه ويكفله جده وعمه وقد وجدناه مرارًا والله باعثه جهارًا وجاعل له منا أنصارًا بعز بهم أولياءه ويذل بهم أعداءه ويضرب الناس عن عرض ويستبيح بهم كرام الأرض بعبد لرحمن ويكسر الأوثان، قوله فصل ووجهه سهل وأمره عدل يأمر بالمعروف ويفعله وينهى عن المنكر ويبطله غضيض الطرف عفيف للفرج مبارك الطلعة ميمون الغرة، صادق اللهجة تظله الغمام ويهتدي به الأنام. قال: فخر عبد
المطلب ساجدًا لله. فقال سيف: ارفع رأسك ثلج صدرك وعلا كعبك، فهل أحسست من أمره شيئًا؟ قال: نعم. أصلح الله الملك كان لي ولد وكنت به معجبًا وعليه شفيقًا فزوجته بكريمة من كرائم قومي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة فجاءت بغلام سميته محمد. مات أبوه قبل أمه وكفلته أنا وعمه. فقال سيف: والبيت ذي الحجب والعلامات على النصب، انك يا عبد المطلب لجده غير الكذب، فاحفظ ابنك واحذر عليه من اليهود فأنهم له عدى ولن يجعل الله لهم عليه سبيلًا وأطو ما ذكرت لك دون هؤلاء الذين معك، فلست آمن أن تدخل النفاسة بأن تكون لك الرياسة فيبتغون لك الغوائل وينصبون لك الحبائل وهم غافلون عن ذلك وآباؤهم ولولا أن الموت محتاجي قبل مبعثه لسرت بخيلي ورجلي حتى أصير بيثرب دار مملكته. فاني أجد في الكتاب المكنون والعلم المخزون أن بيثرب استحكام أمره ودار هجرته وأهل نصرته وموضع حفرته ولولا أني أخشى عليه
[ ٣٢٠ ]
الآفات واحذر عليه العاهات لا وطأت رقاب العرب كعبة وأعليت على حداثة سنه ذكره ولكني سأصرف ذلك إليك من غير تقصير مني، ثم أمر لكل واحد منهم بثمان من الإبل وعشرة من الخيل وعشرة ن البقر وعشرة من الغنم وعشرة من العبيد وعشرة أرطال ذهب وعشرة أرطال من الفضة وبكرش مملوءة عنبر أو بكرش كلؤلؤة مسكًا، وأمر لعبد المطلب بعشرة أضعاف ذلك وقال: يا عبد المطلب إذا رأس الحول فأتني بخبر ابنك وما يكون من أمره. فمات سيف قبل رأس الحول. فكان عبد المطلب يقول: لا يغبطني أحد بجزيل عطاء الملك ولكن يغبطني بما سيبقى لي شرفه وذكره إلى يوم القيمة - والله أعلم.
تم الكتاب بحمد الله تعالى ومنه وكرمه وحسن توفيقه فله الحمد على كل حال وكان الفراغ من رقمه وقت العصر من يوم الأحد الرابع عشر من شهر جمادي الآخرة أحد شهور سنة أربع وثلاثين بعد ألف من الهجرة وذلك بخط الفقير إلى الله
سبحانه وعالي المطهر بن عبد الرحمن بن المطهر بن الإمام شرف الدين وكتبه يومئذ في الدار الحمراء ولي سبع سنين وثلاثة أشهر أسيرًا. فلله الحمد على ما قسم لي واسأل الله بحق القرآن العظيم أن يضاعف الأجر ويمن بحسن الصبر والقبول لما كتبه الله وإن يفك أسري بحق محمد المصطفى ويفك أسر الجميع من المسجونين آمين آمين آمين وصلى الله على أشرف خلقه إليه وأقربهم منزلة لديه خاتم النبيين وسيد المرسلين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٣٢١ ]