بالشام
وان عمرو بن جفنة نزل أرض البلقاء أرضًا يقال لها (بالعة) وبلغ ذلك قيصر دقيوس أن ملكهم حارثة خرج يريد أرض العرب، ولم يبق إلا أناس فجمع إليهم روم البلقاء وأمر سليح أن تعين الروم فقالت سليح: نغدر بإخواننا وقد لجئوا إلينا ولم نر منهم إلا خيرًا فقال لهم رجل منهم: إنكم بين أمرين: إما قيصر وإما غسان
فكونوا بأجسامكم مع قيصر وبقلوبكم مع غسان، ففعلوا فالتقوا بالبلقاء فاستدعت سليح الهزيمة على الروم وغمهم تطاول الروم عليهم وغدرتهم بغسان، فقتلت غسان من الروم بالبلقاء مقتلة عظيمة، فقال في ذلك عمرو بن جفنة:
كأن الجماجم بيض النعام بقارعة الشعب من بالعه
أقمنا الظبي في رؤوس العدى نقد بها في الوغى قاطعة
على كل طرف رفيع القذال وقباء سلهبة رائعة
ثم أنهم التقوا مرة ثانية بمرج الظباء وهو يوم حليمة فتداعت عليهم الروم وكثروا ولنو جفنة قليل ومن كان معهم قليل فصبروا للروم فاقتتلوا
[ ٢٩٧ ]
قتالًا شديد. فلما رأى عمرو بن جفنة قلة قومه وازدياد الروم وتكالبهم عليهم وسليح وكنانة وجذام مع الروم على غسان ورأى ذلك زيد بن نمر الكناني نادى يا آل حلب تأنف النفوس من هذا ما ترون الروم يقتلون غسان ويهدمون بني قحطان ونحن نسر بذلك ونعين عليهم وإن عمرو بن جفنة قال: يا بني جفنة أطيعوني في أمر أشير به عليكم قد افترق عنكم من هولكم وفشت فيكم الجراح وتكالبت العلوج عليكم والله لأمرن السيف على ودجي قبل أن أولي ظهري أعجميًا، قال له: رأيك يا عمرو؟ فأرسل إلى القيصر في المهادنة، فأرسل إليه القيصر: لا صلح حتى ترموا سلاحكم وتسلموا أنفسكم للبلاء، فقال في ذلك غسان بن جذع ابن سنان:
لعمري لقد فاز الذين تقدموا وصاروا إلى عز ولم يتذللوا
فما الموت عار أن يصاب به الفتى ولكن عارًا أن يزول التجمل
فلا تخضعوا للدهر عند ملمسه فكل الذي يؤتى به المرء ينزل
ثم نهض للقتال مع غسان فأرسل إليهم قيصر أن احبسوا سلاحكم واسمعوا وأطيعوا. فأرسل إليهم عمرو بن جذع بن سنان فقال له: نحن قوم لم تجر علينا طاعة لأحد غير تبع وكانت علينا وعليكم ولكن أرى ما أحببت غير هذين فقال:
أعطوني دينارًا جزية عن كل واحد منكم، فصالحوه على أن يعطوه دينارًا على كل واحد، وأتى رسول قيصر يجني المال من غسان، فنزل بباب دمشق فسمي باب الجابية إلى اليوم، ثم أن غسان أخذتهم سنة جدبة فنزلوا لواد يقال له (المحفف) وشتوا فيه في جهد شديد، ثم أن عاملًا لقيصر من سليح يقال له وسيط بن عوف الضجعمي أرسله قيصر إلى غسان وأمره فيهم بالغلظة وقال لرجاله: القوا بهم الشر
[ ٢٩٨ ]
بالشر فإن كان شرًا كان برؤوسهم وإن كان خيرًا فلنا وإن وسيطًا أتى غسان ليستوفى منهم الإتاوة في أصحابه ومعه نفر من الروم ومن وجوه روم الشام فجمع وسيط الإتاوة حتى انتهى إلى دار جذع بن سنان فوجدوه وامرأته تغسل رأسه وفي رأسه شيب كثير فضحكت الروم وعلم ذلك جذع وأسره في نفسه. فلما نظرت امرأة جذع إلى وسيط وجماعة الروم ألقت بكمها على رأسها وكانت من أجمل النساء فجعلوا يختلسون النظر إليها وجذع ينظر، فقال لها وسيط: أعطيني ما عليك واتركي جذعًا فقال له جذع: يا وسيط أما ترى ما نحن فيه من الهزال وما بينك وبين الخصب إلا انسلاخ هذا الشهر فاصبر إلى أن تأخذ فقال له وسيط: ما أنا بفاعل، قال جذع: اصبر اغسل رأسي وأعطيك، فقال له رجل من الروم: دع الكلب يغسل صرفه، فقال له وسط: والله لئن لم تعجلن لآخذن بيد امرأتك، فقام جذع وترك الغسل وقال: علي أبي وبي أخي أودي عنهم فنادى بهم فآتوه، ثم دخل بيته فأخذ سيفه، ثم قبض على القائم وأعطى وسيطًا النعل فأخذها وسيط فضربه جذع بالسيف بعد أن أخرجه وضرب رأسه إلى الأرض وقال لبنيه وبني أخيه: عليكم بالعلوج فتواثبوا إلى العلوج فقتلوهم أجمعين وأخذوا ما معهم من المال الذي جمعوه من غسان، ثم قال (لا يرد الشر إلا الشر) فذهبت مثلًا، ثم نادى في غسان من أعطى شيئًا فليأخذه فأخذ كل رجل منهم ما له وأخذ جذع وبنوه مال الروم وكساءهم وكانوا مائة رجل. واجتمعت سليح لقتل
وسيط واشتعلت الحرب بين الروم وغسان ونصرت سليح الروم فقاتلهم غسان وأتى حارثة بن ثعلبة العنقاء في بني عمه وبني جفنة وعدد عظيم من الأزد إلى الروم فجمع جمعًا عظيمًا وأتى بهم إلى غسان فاقتتلوا بالمحفف فقاتلوهم قتالًا شديدًا
[ ٢٩٩ ]
فانهزم قيصر إلى الدرب فأرسل إلى غسان وخشي أن يدخل عليه من الخلل في ملكه وخشي أن يفتق عليه ما لا يستطيع رتقه وقال لهم: إن الرعية قد ظلمتكم ولم أعمل بظلمكم إلى الآن فصالحوه على ما أرادوا وعظم ملك عمرو بن علبة وبني جفنة - وعمرو وهو أول ملك من آل جفنة متوج بالشام حتى أخرجهم جبلة بن الايهم. فقال في ذلك رجل من غسان يقال له حبة بن الأسود:
فمن مبلغ عنا يماني قومنا بأنا قتلنا بالمحفف ضجعا
قتلنا سليحًا والذين تضجعموا بأسيافنا إذ صيروا الأمر مبهما
أرادوا ليجروا عند ذلك جزية علينا ويضحي ما لنا ثم مغنما
وما إن قتلناهم بأكثر منهم ولكن بأولى بالطعان وأكرما
أراد ملوك الروم أن يبلغوا العلا فلاقى وسيطًا نحبه بقطر الدما
فذوقوا من الوجد الذي هو دائم فإن لكم يومًا عبوسًا سرمرما
قال: ثم أن الروم صالحت غسان. على أن لغسان ملك الشام وأن لأشرافهم بالشام ما لأشراف الروم بأرض الروم وإن لملكهم عمة على الروم وعلى الروم إن دهمت غسان شدة أربعة آلاف فارس وثمانية آلاف راجل. فلبثوا على ذلك دهرًا، ثم أن الملك حارثة بن ثعلبة ترك بني عمه بالشام وسار حارثة يريد يثرب بمن معه من ولده وولد ولده، وسار معهم ثعلبة بن جفنة أخو عمرو بن جفنة ومعهم جذع بن سنان فوردوا يثرب فنزلوا بصؤار وأهل يثرب يومئذ اليهود وملكهم شريف بن كعب اليهودي، فقال لحارثة بن ثعلبة: لا ندعك تقيم معنا إلا على شرط وعهد تكتبونه بيننا وبينكم، قال له حارثة: وما هو؟ قال: تكتبون عهدًا بين بني
إسرائيل وغسان: أن اليهود لغسان حاضرة وإن غسان لليهود بادية،
[ ٣٠٠ ]
فقال جذع: عاهدوهم حتى تعفى أموالكم وتستريح دوابكم وأنفسكم، فانه يحدث بعد الأمر أمر - وهم عجم والعجم لا تقيم على عهد إلا على الذل والخوف - ولا يصبرون على خطة وإنكم تجدون فيهم ما تريدون، فنزلوا وكتبوا العهد وأقاموا زمانًا. وإن رجلًا من غسان اشترى من يهودي كرباسة بأربعة دراهم فاشترط عليه الغساني أن يريها لأهله، فإن لم يرضوها ردها عليه ورد اليهودي عليه دراهمه وأشهد رجالًا من غسان كانوا بحضرته. وإن الغساني لم يرضوا أهله الكرباسة فردها على اليهودي فأبى أن يقبلها منه اليهودي، ورجع الغساني راجعًا بها إلى أهله فسبوه وقالوا له: فزعت من اليهودي. فردها إلى اليهودي ثانية فسبه فانتهره. فترافعا إلى شريف بن كعب، وأتى الغساني بالشهود الغسانيين فشهدوا إنه قد اشترط عليه ردها إن لم يرضوها أهله، فقال لهم شريف: انتم معاشر غسان لكم آنفة وأنفتكم تحملكم على شهادات الزور، قال له شهاب بن عبد الله الغساني: كذبت بل لنا أحساب تمنعنا من شهادات الزور بلى قد كان بينهما ما كان ولكم أنتم يا شريف بكل ارض أذلاء إلا بأرض العرب، فكيف لا تسرع بلسانك في سبهم ولو البسوك الذلة وكسوك المسكنة لعرفت لهم حقهم، ثم سار بقومه فولي بهم وإن صاحب الكرباسة أتى إلى جذع بن سنان فشكا إليه ما نزل به من اليهودي ومن أهله. فمشى جذع إليه وكلمة وقال له: خذ من الرجل كرباستك ورد عليه دراهمه، فقال له اليهودي: يا أعود أمرتني عينك الواحدة فأمهل حتى تأمرني عينك الأخرى. فولى جذع وأخذ بيده صاحبه وخلا به وقال له: ويحك إن قومي قد تشاء موابي واني لا أحمل فيهم ضيمًا وانصب روحي غرضًا دونهم واني أجني عليهم الجنايات وأسوق إليهم الحروب، وسأبلغ مرضاتك
[ ٣٠١ ]
فاصدقني الخبر على وجهه إن كنت ظالمًا أو مظلومًا فانه أطيب لنفسي، فحلف له الغساني إنه مظلوم. فبعث
جذع إلى ابن أخت له إنه أجلب إلي قومك. فلما آتاه بهم قال لهم مروا بناتكم يدخلن يثرب على نساء اليهود يضربن نسائهم وكونوا أنتم على أهبة وخذوا ولاماتكم فإذا سمعتم الصيحة اقتلوا من وجدتم من اليهود واسكنوا في المدينة فلم يتحرموا علينا إلا بهذه المدينة، وإن جذعًا مضى إلى صاحب الكرباسة فجلس بإزائه، فلما وقعت الصيحة كان أول قتيل قتله جذع، ثم قامت الصيحة في السوق فانتهبته غسان وقتلوا من فيه فلم تصل الصيحة إلى منزل شريف إلا وغسان في المدينة - فما وصل إلى المدينة وكان بين منزل شريف وبين المدينة عشرة أميال - وإن غسان تمكنوا منها وأخذوا ما كان فيها من مال وسلاح وثياب واتقوا به غسان، ثم حبسوا نساء اليهود عندهم واتقوها. فلما رأى اليهود ما لقوا من قتل الأنفس ونهب الأموال وسبى الذراري طلبوا الصلح ومفادة الأولاد، ثم أرسلوا إلى من كان منهم من يهود الشام يستنصرون بهم على غسان، وجعلوا ذلك مكرًا وخديعة، وبلغ الأمر إلي حارثة الملك وما اجتمع إلى يهود من أخوانهم من أهل خيبر وفدك والعوالي والشام. فقال لجذع: ما ترى؟ فقال له جذع: كلما كثروا كان أضعف لهم، ولكن ابعث إليهم بالصلح فصالحوهم على أن يعطوهم من حوزة يثرب ومنازلهم ما يكفيهم ويسعهم وينزلون معهم ويجاورونهم. ففعلت اليهود ذلك ورضوا به ونزلت الاوس والخزرج بيثرب وسكنوا فيها.
قال أبو محمد: ولما كان الوقت الذي أراد الله فيه خراب السد انهدم فأرسل الله سيل العرم ففاض على الأرض فاحتملها، فلم يبق منها إلا ما ذكر الله في كتابه على لسان محمد ﵌ ﴿لقد كان لسبأ في مساكنهم آية جنتان﴾ إلى قوله ﴿أكل خمط﴾ الآية. وقد قال في
[ ٣٠٢ ]
ذلك كثير من العرب الأخبار والأشعار - قال الأعشى:
وفي ذاك للمؤتسى أسوة بمأرب عفى عليها العرم
رخام بناه لها حمير إذا جاء دفاعه لم يسرم
فاروى الزروع وأعنابها على سعة ماؤهم إذ قسم
فساروا أيادي لا يقدرو ن منها على شرب طفلفطم
وقد ذكرته العرب في أخبارها وأشعارها في مواضع كثيرة.