والصعاليك الثلاثة حين دخلوها وما جرى عليهم
[ ٧٤ ]
قال وهب: قال أبو محمد عبد الملك بن هشام، حدثنا زياد بن عبد الملك البكائي عن محمد بن إسحاق المطلبي عن عبيد بن شرية الجرهمي قال: حدثنا شيخ من أهل اليمن بصنعاء عام الردة وكان معمرًا عالمًا بملوك حمير وأمورها قال لنا: كان باليمن رجل من عاد بن قحطان وهو عاد الأصغر وأما عاد الأكبر فلم يبق منهم أحد. قال الله تعالى: ﴿فهل ترى لهم من باقية﴾ وإن هذا الرجل العادي كان يقال له الهميسع بن بكر وكان جسورًا لا يهاب أمرًا وكان يعرف بذلك، وكانت الصعاليك تقصده من آفاق الأرض، وكان أكثر طلبه المغارات يطلبها في جبال اليمن وعمان والبحرين وأنه آتاه رجل فاتك من عبس وآخر من خزاعة وكانا
صعلوكين جسورين فقالا له: يا هميسع احملنا من أمرك على ما تريده فانا نبلغ مرادك، فمضى معهما الهمسيع حتى أتى بهما جبلًا وعليه غابة فيها ثعابين لا ترام الهميسع أمام الصعلوكين قد أتى الجبل مرارًا وحده وكان إذا عاين الثعابين يجزع فيرجع فلما آتاه الصعلوكان جسر بهما وقال: الق رأسك بين اثنين ولو غم إلى الأذنين ثم أخذ سيفه وزناده ومشاعله وزاده وسار بهما حتى وصل إلى الجبل ولم يزل يترايا لهم الثعابين وتهرب حتى بلغ باب كهف عظيم وكأن الجبال على أكتافهم عظمًا وثقلًا، ودخلت قلوبهم وحشة عظيمة وسمعوا من داخل الكهف دويًا عظيمًا وخيمنة وعلى بابا الكهف نقش بالحميري فقالا له: اقرأ يا ميسع فقرأه فإذا هو مكتوب هذين البيتين:
لا يدخل البيت إلا ذو مخاطرة أو جاهل بدخول الكهف مغرور
إن الذي عنده الآجال حاضرة موكل بالذي يغشاه مأمور
فغاب الخوف والجزع على الخزاعي في أول أمره ثم أن الجزع أيضًا على العبسي فاستدرك نفسه العبسي وثبت فقال الخزاعي: يا هميسع قد عاش في الدنيا كثير ممن لم تبلغ نفسه هذا المبلغ - ثم ولى العبسي عن صاحبه
[ ٧٥ ]
هاربًا. فقال الهميسع: نمضي في هذا الكهف أم لا؟ فقال له: نعم. فسارا في الكهف حينًا، فإذا حيات يصفرن عن يمين وشمال ورياح تجري عليهما من داخل الكهف، وسمعا دويًا من داخل الكهف، فقال العبسي: لقد حملت نفسك على مكروه يا هميسع أعلى يقين أنت من هذا الكهف؟ فقال له الهميسع: ما تيقنت إلا ما رأته عيني، والرجاء فقال له: افعلي شك أنت هارش الثعابين وأبيع مهجتي ببخس يا هميسع لقد بعت نفسك من دهرك أبخس ثمن وهميسع في ذلك لا يلوي إلى كلامه وهو يسير داخل الكهف حتى وقف به على بابا آخر أعظم من الباب الأول وأهول وأشد وحشة وزاد عليهم الدوى والحسيس والهينمة وعلى ذلك الباب بالخط الحميري. فقال له
العبسي: اقرأ يا ميسع! فقرأه فإذا هو:
انظر لرحلك لا يساق فإنه حتم الحمام إلى العرين يساق
يا ساكني جبلي شمام لعله يوفي بما أجنبتما الميثاق
قوموا إلى الإنسي أن محله يدعو إلى يوم الفراق فراق
قال: فولى العبسي هاربًا عنه وناداه الهميسع فلم يلتفت إليه، وولى وهو يوقل: قاتل الله أخا عاد ما أجسره! قال: فهم الهميسع أن يفر ثم حمل نفسه على الأصعب ومضى حتى بلغ إلى باب هو أعظم هولًا وأشد وحشة وعليه نقش بالقلم الحميري فقرأه الهميسع فإذا فيه مكتوب:
قد كان فيما قد مضى واعظ لنفسك البينة المسمعه
إن جهل الجاهل ما قد آتى وكان حينًا قلبه في دعه
فدخل الباب الثالث فسمع دويًا عظيمًا كالرعد وهده عظيمًا، فبينما
[ ٧٦ ]
هو كذلك إذ برز إليه تنين أحمر العينين فاتح فاه فلما رآه الهمسيع رجع هاربًا إلى خلفه، فسكن حس التيني فوقف العادي وقال في نفسه: قدر رآني ولو كان حيوانًا لم يدعني وما هو إلا طلسم فرجع له ثانية حتى ظهر له، فسار نحوه فسمع له دويًا عظيمًا فهرب فأقبل يسمع الدوى فإذا هو في رجوع التنين كما قاله في إدباره فعلم إنه طلسم فأخذ حذره من صدمته وأقبل يمشي قليلًا قليلا ويخفف وطأ قدميه حتى وضع قدمه في موضع فتحرك التنين ودوى، فأخذ قدومًا كان معه فحفر على الموضع حتى ظهرت له سلاسل على بكرات. فأجنه الليل فأسرع الخروج من الكهف وجمع حطبًا من الغيضة وأضرمها نارًا وبات عند بابا الكهف، فلما غشيه ظلام الليل سمع بكاء وحنينًا داخل الكهف فلم يزل ينظر ويرتقب وينظر حتى نظر إلى نار عظيمة خارجة إليه من داخل الكهف، فلما رآها لم يبرح من موضعه حتى غشيته فصبر لها فلم تؤلم فيه شيئًا ثم أتته أخرى ثانية أكبر من الأولى فصبر لها
كذلك، فلما مالت عنه أخذ مقياس النيران التي أضرمها وأقبل يضرب بها حيطان الكهف يمينًا وشمالًا حتى سمع نداء من داخل الكهف يهتف: يا هميسع لا حاجة لنا في دخولك. فأقام حتى أصبح فدخل باب الكهف إلى أن وصل إلى البابا الذي رأى فيه التنين، ثم حفر على بقية حد التنين حتى قلعه وسقط التنين، فسار إليه فقلع عينيه فإذا هما ياقوتتان حمراوان لا قيمة لهما، وسار حتى انتهى إلى بابا هو أعظم هولا وأشد وحشة فلما هم أن يفتحه سمع دويًا عظيمًا وبدا له أسد عظيم فرجع أيضًا إلى خلفه فرجع عنه الأسد بدوي عظيم فحفر على موضع حركته كما صنع بالتنين حتى أبطل حركته وقلع عينيه فإذا هما ياقوتتان حمراوان لا قيمة لهما، ثم دخل الباب فإذا هو بدار عظيمة وفيها بيت في وسطه سرير من ذهب شيخ على رأسه لوح
[ ٧٧ ]
من ذهب معلق وسقف البيت مرصع بأصناف اليواقيت وعلى رأسه في الحائط لوح من ذهب فيه مكتوب (أنا شداد بن عاد عشت خمس مائة عام وافتضضت فيها ألف بكر وقتلت ألف مبارز وركبت ألف جواد من عتاق الخيل) وتحته مكتوب:
من ذاك يا شداد عاد أصبحت آماله مهزومة الأقدام
يا من رآني إنني لك عبرة من بعد ملك الدهر والأعوام
فكأنني ضيف ترحل مسرعًا وكأنني حلم من الأحلام
احذر تصاريف الزمان وريبه لا تأمنن حوادث الأيام
هلا يضرك من كلامي مرة يا ساكن الغيضات والآجام
قال ثم ملت إلى الركن الذي عن يمينه فإذا هو سرير من ذهب وعليه جاريتان فوق رأسهما في الحائط لوح من ذهب أو قال من عاج فيه مكتوب (أنا حية وهذه لبة بنت شداد بن عاد أتت إلينا أزمان فيها الطارف والتليد على عبيدنا صاعًا من بربصاع من در فلم نجده - فمن رآنا فلا يثق بالزمان وليكن على بيان فإنه
يحدث العز والهوان) - قال فأخذ الهميسع الألواح وما بالبيت من در وجوهر وياقوت وخرج.