قال وهب: وولي أمر الملك بعد الهمال بن عاد ابنه الحارث بن الهمال وهو الرائش الأصغر والرائش الأكبر عنه لقمان بن عاد وهو الحارث ذو مراثد بن الهمال ذي شدد بن عاد بن ذي مناخ وكانت تأتي هدايا الهند إلى التبابعة من أصناف الطيب والمسك والعنبر والكافور وحب البان والينجوج والزعفران وغير ذلك من أنواع الطيب ومرافق أرض الهند والفلفل والهليلج وغيره، ويأتي الجوهر والعقيق والدن، فلما أتت الهدية إلى الرائش الحارث ذي مراثد وذو مراثد في لغة حمير ذو أيادي وذو مرثد ذو يد.
قال وهب: فلما أتت الهدية من قبل الهند إلى ذي مراثد ورأى ما رأى من عجائب الهند تطلعت نفسه إلى غزوها فعبى الجنود وجمع العساكر وأظهر إنه يريد المغرب في البحر وأعد السفن وكان غزاها قبله ثلاثة من الملوك على البر من جبال حران وأرض التبت حتى وصلوا إليها وهم: عبد شمس ابن * سبأ وبعده ابنه وائل بن حمير وبعده ابنه السكسك بن وائل، فكان خراجهم الذي أجروه على الهند جميع هذه الطرائف يطرفونهم بها.
قال وهب: فلما أمكن لذي مراثد الرائش جواز البحر ركب وقدم بين
[ ٨٨ ]
يديه رجلًا
من حمير يقال له: يعفر بن عمرو. فسار يعفر حتى دخل أرض الهند وتبعه الرائش ذو مرراثد فقاتل أهل الهند يعفر حتى آتاه الرائش فغلب عليهم فقتل المقاتلة له وسبى الذرية وغنم الأموال ورجع إلى اليمن من جهة مطلع الشمس وكان طريقه مدينة الصغد وهي سمرقند وخلف يعفر بن عمرو في اثني عشر ألفًا في مدينة بناها الرائش ذو مراثد وسماها على اسم الرائش. فلم يقدر أهل الهند يقيمون اسمها فسموها الرائد فهي مدينتهم اليوم وبها ملكهم. وقال في ذلك نوفل بن سعد من رؤساء حمير:
من ذا من الناس له ما لنا من عارب في الناس أو أعجمي
سار بنا الرائش في جحفل مثل مفيض السيل كالأنجم
يومًا لأرض الهند يسمولها تجري به الأمواج كالضغيم
فأول الغاية قاموا بها واستسلموا للفيلق المظلم
في بحرها المنشور سام به يوم أمام الملك المعلم
يغيرها يعفر اذ جاءها يا حبذا ذلك من مقدم
فصبح الهند له وقعة هدت قواه بالقنا الصيلم
وانغص الرائش أملاكها وآب بالخيرات والأنعم
فالدر والياقوت يجبي له والخرد الأبكار في الموسم
قال وهب: ولما صار الرائش بجبال خراسان أتته هدايا أرمينية اتقوه خوفًا لما وقع في الهند فأرسل ملوك أرمينية ببزاة بيض وديباج وسروج ومتاع عجيب مما يقابل به الملوك فقال للرسل: كل هذا في أرضكم؟ قالوا: نعم أيها الملك. قال: فلم نأخذ شيئًا إذ لم نأخذ أرض أرمينية، فسار يريد أرض
[ ٨٩ ]
أرمينية فقدم بين يديه شمر بن العطاف الحميري في مائة ألف وسار يتبعه بالجمع فأخذ أرمينية وأخذ في دروب الأرض إلى عجز الأرض ما تحت بنات نعش وأبواب زوايا الأرض، ثم
قفل راجعًا حتى بلغ أذربيجان حتى بلغ إلى الصخرتين من أذربيجان وهما صخرتان قد تقابلا جبلان شامخان يحسر الطرف عنهما وليس يأخذ أخذ بأذربيجان إلا بينهما. فكتب في الصخرتين بالحميري المسند وسموا الحميري المسند لأنه على عدده وهو منثور مثله فكتب في الصخرة الواحدة أن الرائش ذا مراثد سيد الأوابد بلغ من الدنيا أمله وبقي ينتظر أجله فمتى ينقض يمض وتحته منقوش:
يا جابيا خرج خراسان ملججًا في أرض حران
فتحت أرض الهند مستأثرًا يعفر الأول والثاني
يتبع قرن الشمس إن أشرقت حتى بدا نور الضحى قاني
سام على البيت مستعجلًا مقتحمًا أرض أذربيجان
سينقضي الرائش بعد الذي نال ويبقى الناس في شان
وكتب في الأخرى:
إلا أن الزمان أطاع أمري وسوف أطيعه قهرًا بقسر
ركبت الدهر إعصارًا عزيزًا سيسأم طول هذا الدهر دهري
يخادعني بأيام حسان ويقطع دائبًا في ذاك عمري
لقد صبر الزمان على اعتزامي ليعلم أن عصاني كيف صبري
له أيد طوال عن قصار تناول ذا الورى خسري ويسري
[ ٩٠ ]
قال أبو محمد: أن ذلك الكتاب لمكتوب فيها اليوم - قال: وإن الرائش ذا مراثد رجع إلى اليمن ونزل غمدان ومات، فكان عمره في الملك مائة عام وخمسة وأربعين عامًا، والله أعلم.