وولي بعده ابنه الصعب ذو القرنين بن الحارث الرائش ذي مراثد بن عمرو الهمال
ذي مناح بن عاد ذي شدد بن عامر بن الملطاط بن سكسك بن وائل بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن هود ﵇ ابن عابر بن شالخ بن ارفخشد بن سام بن نوح ﵇.
قال وهب: رفع الحديث إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه إنه قال (حدثوا عن حمير فإن في أحاديثها عبرًا).
قال وهب: وولي الملك الصعب ذو القرنين بن الحارث الرائش ذي مراثد بن عمرو الهمال ذي مناح بن عاد ذي شدد تجبرًا لم يكن في التبابعة متجبر مثله ولا أعظم سلطانًا ولا أشد سطوة وكان له عرش من ذهب صامت مرصع بالدر والياقوت والزمرد والزبرجد، وكان يلبس ثيابًا منسوجة من الذهب منظومة درًا وياقوتًا وكان عظيم الحجابة. قال: فبينما هو في ذلك المكان إذ رأى رؤيا كأن آتيًا آتاه فأخذ بيده وسار به حتى رقي به جبلًا عظيمًا منيفًا لا يسلك فيه سائر من هول ما رأى إذا شرف على جهنم وهي تحته تزف وأمواجها تلتطم وفيها قوم سوط تتخطفهم النيران من كل جانب. فقال له الصعب: من هؤلاء؟ قال له: الجبابرة فاخلع يا صعب رداء الكبر وتواضع لله يعطك عزًا أعظم من عزك وهيبة أجل من هيبة الكبر وعزًا أعظم من عز
[ ٩١ ]
الملك فاختر لنفسك أي المقامين أحب إليك. قال: فلما أصبح برز للناس بعد الحجابة وتواضع وانبسط بعد العز والقسوة وجلس بين الناس ودخل قلبه وحشة خوفًا من الله ثم أمر بالعرش فاخرج، ثم قال: أيها الناس اهتكوا ولكل يد ما أخذت فهتك العرش وانتبه الناس ثم رمى بثوبه فتخطفه الناس، ثم قال: أيها الناس إن الله الجبار يبغض الجبارين، قهر الموت من ادعى إنه ندره وأذل الملك من ادعى إنه ضده واستأثر بالبقاء بعد ذهابه الإملاء.
قال وهب: ثم إنه رأى في الليلة الثانية كأنه نصب له سلم إلى السماء ورقى عليه،
فلم يزل يرقى حتى بلغ إلى السماء فسل سيفه ثم علقه مصلتًا إلى الثريا ثم أخذ بيده اليمنى الشمس وأخذ القمر بيده اليسرى ثم سار بهما وتبعته الدراري والنجوم، ثم نزل بهما إلى الأرض، فلم يزل يمشي بهما وتبعته النجوم في الأرض، فأفاق. فلما أصبح خرج إلى الناس هائمًا لا يدري ما هو فيه فاستنكر الناس أمره.
قال وهب: ولما كانت الليلة الثالثة رأى كأنه جاع جوعًا شديدًا وظهر إلى الأرض فصارت له غذاء فأقبل عليها يأكلها جبلًا وأرضًا حتى أتى عليها كلها، ثم عطش فأقبل على البحار يشربها بحرًا بحرا حتى أتى على السبعة الأبحر، ثم أقبل على المحيط يشربه فلما أمعن فيه إذا هو بطين وحمأة سوداء لم تسغ له بما آتاه فترك ثم أفاق من نومه فلما أصبح هام وحار فيما رأى وغاب عن الناس لما به. فقال الناس: يومًا يظهر ويومًا يحتجب.
قال وهب: فلما نام في الليلة الرابعة رأى كأن الأنس والجن آتوه من
[ ٩٢ ]
الأرض كلها حتى جلسوا بين يديه، ثم أقبلت البهائم والأنعام من الأرض كلها حتى جلست بين يديه، ثم أقبلت الوحوش من الأرض كلها حتى جلست بين يديه، ثم أقبلت الطير حتى أظلته وأقبلت الهوام من جميع الأرض كلها حتى حفت به، ثم أقبلت الرياح حتى استدارت فوقه. قال: فأرسل أممًا من الإنس والجن مع ريح الصبا إلى المغرب فهبت بهم إلى المغرب، ثم أرسل أممًا من الإنس والجن مع ريح الشمال، فهبت بهم إلى يمنى الأرض فلما ذهبت الإنس والجن أمر البهائم والأنعام فذهبت بهم الرياح الأربع وجوهًا من ألأرض، فذهبوا في سبيل الأنس والجن، ثم أمر الطير فذهبت بها الرياح في الوجوه الأربع، ثم أمر الرياح فذهبت بالوحوش وحبس سباعها تحت قدميه، ثم أمر الرياح فذهبت بالهوام في سبيل من مضى من جميع من أرسل، فلما أصبح غلب عليه هول ما رأى من الرؤيا الأولى والثانية والثالثة والرابعة فأرسل في وزرائه وأهل مشورته ووجوه قومه فجمعهم، ثم قص
عليهم ما رأى. قال لهم: كنت كتمتكم أمر وهو أمر جسيم. قالوا له: هال علينا حالك أيها الملك فتحيرنا في أمرك وخشينا من سخطك إن نحن سألناك من قبل أن تظهره، فلما كان إظهاره منك فرجت علينا أيها الملك أمرًا جليلًا واطمأنت قلوبنا فما هو أيها الملك؟ قال لهم: رأيت رؤيا عظيمة، ثم رأيت في الليلة الأخرى أعظم منها، ثم رأيت في الليلة الثالثة ما هو أعظم منهما جميعًا، ثم رأيت في الرابعة من أعظم مما تقدم، فلم أدر ما أفعل؟ قالوا له: ما هي أيها الملك؟ فقص عليهم جميع ما رأى. فهالهم ما سمعوا منه فقالوا له: نامت عينك أيها الملك اجمع أهل العلم بالتأويل والنجم والكهانة والحبابرة من أهل الدين الأول فإنهم يفسرون للملك جميع ما رأى في
[ ٩٣ ]
الليلة الأولى والثانية والثالثة والرابعة، فقالوا له: أيها الملك هذا شأن عظيم لم تدرك عقولنا تأويل هذا، وإن نحن تأولناه لك لم نأمن إن نحن لم نصب وجه الرؤيا يسخط علينا الملك وقد يخرج تأويل الرؤيا على غير ظن المتأول.
قال: ثم قام إليه شيخ منهم له عقل ودين وقد جرب الأمور وحكمته الدهور. فقال له: أيها الملك أما أنهم قد أحسنوا إلى أنفسهم إذا لم يفسروا شيئًا من رؤيا الملك ولو أجابوا الملك لرددت عليهم، أنا وإن تقدمت في ذلك بين يدي الملك تحسن العاقبة قال له الصعب ذو القرنين: لم ذلك؟ قال له الشيخ: ذلك لأن الله فوض إليك أمرًا جليلًا وقلدك أمرًا جسيمًا ثم أراك وحيًا عظيمًا، فقد استمسكت بأمر الملكوت واني يفسره لك من الله عليه فاضطره إليك وجعل حكمك في دمه وماله فقد وقفك الله بين الجنة والنار فإن عدلت يمينًا فجنة وإن عدلت يسارًا فنار، ثم أراك هذا البناء العظيم فأردت أن تسبرن في علم الله من أباح لك جهله دمه وماله يحملون آراءهم على علم الملكوت ووحي الغيوب فقد رأيت أيها الملك عظيمًا فليس على الأرض من يفسر تأويل رؤياك إلا نبي ببيت المقدس من ولد إسحاق بن إبراهيم الخليل.
قال له الصعب: ولله نبي على الأرض؟ قال له الشيخ: نعم أيها الملك ما أتيت الملك إلا وقد لقيته وسمعت منه ما يدعو إليه فأمر ذو القرنين بالجنود فجمعت، فجمع جنودًا لم يجمعها ملك قبله، وذلك عند كمال قوة لابن سام ابن نوح ﷺ وبه كانوا يتداعون في ذلك الزمان وهم عمود النسب من ناولهم من جميع العجم، فلكا اجتمع للصعب ذي القرنين الجموع العظيمة والعساكر البارزة أوقفها بمآرب وعمل بطاعة
[ ٩٤ ]
الله وحكم بحكمه، ثم أمر بعمود من رخام فنقش فيه بالمسند الحميري:
يلوم اللائمون الجهل جهلًا وداء الجهل ليس بذي دواء
وعلم العالم التحرير جهل إذا ما خاض في بحر البلاء
إذا كان الإمام يحيف جورًا وقاضي الأرض يدهن في القضاء
فويل ثم ويل ثم ويل لقاضي الأرض من قاضي السماء
ثم أمر الصعب ذو القرنين الجنود فنهضت وجعل على طالعته ألف ألف فارس، ثم مشى بالخيل والرجل فسار حتى انتهى إلى البلد الحرام فنزل به، ومشى في الحرم راجلًا حافيًا وطاف البيت وحلق ونحر، ثم قضى حجه ومشى في الحرم راجلًا حافيًا حتى إذا خرج منه ركب ثم سار إلى بيت المقدس، فلما نزل بيت المقدس سأل عن النبي الذي ذكر له ولم يطلب شيئًا غيره حتى ظهر عليه. قال له الصعب: أنبي أنت؟ قال له موسى الخضر: نعم، قال له: ما اسمك ونسبك؟ قال له: موسى الخضر بن خضرون بن عموم بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ﵇. قال له الصعب: أيوحى إليك يا موسى؟ قال له: نعم يا ذا القرنين، قال الصعب له: يوما هذا الاسم الذي دعوتني به ما هو؟ قال: أنت صاحب قرني الشمس وذلك أن أول من سماه ذي القرنين الخضر.
قال وهب: ثم قص عليه كيف رأى جهنم والجنة ثم قص عليه كيف رأى إنه علق
سيفه بالثريا مصلتًا وأنه أخذ الشمس والقمر وتبعته النجوم والدراري ونزل بهم إلى الأرض ومشى بهما في الأرض والنجوم تتبعه، ثم قص عليه كيف أكل الأرض بجبالها وشرب البحار كلها، ثم شرب عامة ماء البحر المحيط
[ ٩٥ ]
حتى آتاه كدر وحمأة فلم يستطع شربه وكف عنه. وقص عليه كيف رأى الأنس والجن والبهائم والأنعام والوحوش والطير والهوام وعقد الريح وكيف صرفهم في الأرض. قال له: أن الله مكن لك في الأرض وأعطاك من كل شيء سببا فأما جهنم فقد أنذرت فانتبه. فأما طلوعك إلى السماء فهو علم من عند الله تدركه، وأما الشمس والقمر والدراري والنجوم فإنه لا يبقى معك في الأرض ملك إلا خلعته ولا رأس إلا تبعك. وأما الأرض التي أكلتها إلى غايتها فلم تبق منها شيئًا فإنك تملك الأرض ومن عليها. والسبعة البحار التي شربتها فإنك تركب السبعة الأبحر وتملك جزائرها. وأما البحر المحيط فإنك تركبه وتبلغ منه غاية يأتيك عكر لا تستطيع تعبره فترجع دونه، وأما الأنس والجن فإنك تنقلهم في الأرض من مكان إلى مكان تحول أهل المغرب إلى المشرق وأهل المشرق إلى المغرب وأهل يمين الأرض إلى شمالها وأهل شمالها إلى يمينها، وأما الأنعام والبهائم فإنها تسخر لك. وأما الوحوش والطير والهوام فإنها تسخر لك لا تضر شيئًا في زمانك وحيث ما شئت عقدتها بيدك زمامها، وأما الرياح فانك تملك عقدها تصرف ضرها عن أي بلد شئت، وأما رؤياك أنك طفت بالشمس والقمر في الأرض فانك ستجاوز مغرب الشمس وتصير في ظلمة لا تهتدي إلا بما في يديك من العلم ويذهب عنك ضوء الشمس والقمر فانهض بأمر الله واعمل بطاعة الله فإن الله يغنيك ويسددك ويوفقك.
قال وهب: وإن ذا القرنين نام فرأى أي سببًا كأن الأرض كلها عليها ليل إلى أن طلعت له الشمس من المغرب بيضاء صافية فسار يلقى الشمس فلم يزل يتبع
نورها حتى بلغ أرضًا مفروشة بنجوم السماء، فمشى عليها، ثم أفاق فاعلم الخضر بهذا السبب، قال له الخضر: أمرت بأن تسير إلى المغرب
[ ٩٦ ]
وتبلغ وادي الياقوت. فكان الخضر يأتيه الوحي فيعلم بذلك ذا القرنين، وتأتي الأسباب إلى ذي القرنين فيعلم بها الخضر. فكان ذو القرنين يعمل بالعلمين، ثم سار ذو القرنين إلى القرنين إلى المغرب وسار معه الخضر فسار ذو القرنين يطأ المغرب بالجنود يقتل ويسبي وينقل الناس من أرض إلى أرض فعاد على ارض الحبشة، فلم يزل يفتحها أرضًا أرضا وأمة أمة حتى بلغ أقصاها.
قال أبو محمد عن أسد بن موسى عن أبي إدريس عن وهب عن عبد الله ابن عباس إنه قال: الدنيا مسيرة خمسمائة عام فثلاث مائة منها بحار ومائة قفار ومائة عمران، فثمانون منها لياجوج وماجوج وأربع عشرة للسودان وست منها لما سوى ذلك من الخلق.
قال وهب: لما لجج ذو القرنين في أرض السودان يقتل ويحرق بالنار إلى أن أتى إلى قوم بكم قال له الخضر: هل لك أن تسمعهم فإنهم قوم لا ينطقون فمن عمل بما أمرته علم إنه قبل ومن لم يعمل قتلته. ثم مضى حتى انتهى إلى قوم سود زرق الأعين فقتل من قتل وآمن من آمن ثم مضى حتى انتهى إلى قوم بلق آذانهم كآذان الجمال فقتل منهم أممًا وعفا عمن آمن، ثم مضى حتى انتهى إلى قوم آذانهم كبار من أعلى رأس احدهم إلى ذقنه فإذا رقد وضع شقًا عليها وغطت الأخرى الشق الأعلى فقتل من كفر وعفا عمن آمن حتى غلب على أرض السودان وجلب منهم أممًا بين يديه في عساكره، ثم مضى حتى بلغ أرض بني ماريع بن كنعان بن حام فقتل وغنم وسبى وساق منهم أممًا بين يديه، ثم جاز إلى جزيرة الأندلس فغلب عليها إلى أقصاها، ثم رام ركوب البحر المحيط فزفر عليه البحر وصار كالجبال الشم فرأى في الأسابا عقدة فبنى منارة وجعل عليها صنمًا من نحاس عقد
بها عاصفات الرباح، ثم سكن البحر فلان فركبه وسار بجميع جموعه حتى أبعد عن العقد،
[ ٩٧ ]
ثم طغى عليه البحر فبنى منارة أخرى ونصب عليها صنمًا عقدًا. فلم يزل يسير في المحيط وكلما عبر وزفر عليه بنى منارة وعقد عقدًا حتى انتهى إلى عين الشمس فوجدها تغرب في عين حمأة في البحر المحيط ووجد من دونها جزائر فيها أمم لا يفقهون ما يقولون ولا ما يقال لهم فقال ذو القرنين: من رمى بكم ها هنا؟ فقالوا له: سبأ، فأخذهم ذو القرنين فأراد قتلهم قال له الخضر: يا ذا القرنين ﴿إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنًا، قال: أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابًا نكرًا، وأما من آمن وعمل صالحًا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرًا ثم أتبع سببًا﴾ حتى بلغ وادي الرمل وأقبلت الشمس حتى سقطت في العين الحمأة، فكاد يهلك ويهلك جميع من معه من حر الشمس. فلما أتى وادي الرمل وجده يسيل بالرمل كالجبال الرواسي فرام أن يعبره فلم يطق، وأقام عليه أربعة أيام حتى دخل عليه السبت فسبت وأمر عمرو بن يعفر الحميري فعبر وادي الرمل في عشرين ألفًا فمضى حتى غاب عنه فلم يرجع إليه من عنده أحد، ثم أمر زهير بن مالك الحميري فعبر في عشرة آلاف رجل وقال له: يا زهير انظر إليه عمرو ومن معه وانصرف ولا تمض فعبر زهير فلما صار إلى مكان عمرو ولى بمن معه. فلم يرجع إليه من عنده أحد وغاب عنه، فلما رأى أن عمرًا ذهب وذهب زهير فلم يرجعا بمن معهما علم إنه علم مغيب عنه فقال للمسقر بن حوشب يا مسقر أنت أعظم رجالي عندي وارجاهم فاعبر وارجع إلي بما رأيت وما صار إليه عمرو وزهير، فعبر المسقر في خمسة آلاف رجل، فلما عبر وصار مكان عمرو وزهير مضى جميع من معه مستعجلين، ووقف المسقر مكانه لا يرجع ولا يذهب حتى غشيه الليل وسقطت الشمس فأصبح الوادي يوم الأحد
[ ٩٨ ]
وهو يجري كالجبال الشم وحال بينه وبين المسقر وغاب عنهم فلا يدري ما
صاروا إليه. قال له الخضر: يكفيك يا ذا القرنين ف ' نه لن يجوز إلا من قد جاز اتبع ذو القرنين سببًا وسار مع وادي الرمل حتى بلغ إلى الظلمة فصار ليله ونهاره واحدًا وعين الشمس تسقط خلفه فشق واديًا تزلق فيه الخيل والجمال وجميع ما معه. قالوا: يا ذا القرنين ما هذا؟ قال لهم: أنتم بمكان من أخذ منه ندم ومن تأخر ندم، فساروا فيه أيامًا، ثم عطف بهم الوادي إلى جهة أشرق عليهم نور أبيض يكاد يخطف أبصارهم، قالوا له: يا ذا القرنين ما هذا الوادي الذي عبرناه؟ قال لهم: الوادي الذي عبرتم أنتم ذلك وادي الياقوت فمن أخذ منه قال: ليتني أخذت كثيرًا ومن لم يأخذ قال: ليتني أخذت منه قليلًا. ثم انتهى إلى الصخرة البيضاء فكادت تذهب بأبصارهم من نورها وشعاعها وكان الذي وجدوا من الظلمة نور الصخرة ونظر ذو القرنين إلى منكب من مناكب الصخرة فرأى عليه نسورًا فعجب ذو القرنين منها ومن تعلقها في ذلك الموضع. قال ذو القرنين للخضر: يا ولي الله ما لهؤلاء النسور ها هنا! قال له الخضر: لهم شأن عجيب ونبأ جسيم، قال له ذو القرنين: ما هو يا نبي الله؟ قال له الخضر نعم يا ذا القرنين إنه لما أمر الله خليله إبراهيم بالهجرة إلى أرض بابليون أرسل إبراهيم جرجير بن عويم داعيًا، وكان وليًا من أولياء الله داعيًا من دعاته، إلى المغرب ليقيم حجة الله تعالى على الناس فبلغ قمونية فدعا الناس إلى الله تعالى فأجابه أمم وعصى أمم، ثم عبر إلى جزيرة الأندلس فأصاب بها أمما من بني يافث بن نوح وهم السكسك والقبط والإفرنج والجلائق والبربر والرعر فدعاهم إلى الله فقتلوه والقوه في
[ ٩٩ ]
موضع يجتمع فيه حشوشهم، فأرسل الله له هذه النسور للذي أراد من خلاص وليه من ذلك الموضع فجبذوه وأزالوه منه ونزل غيث وابل فطهره، ثم أكله هؤلاء النسور حتى نخر لحمه من عظامه وتفرقت عظامه وأوصاله، ثم أتى النسور إلى هذه الصخرة المنيعة فنزلوا فلم يقدروا على إمساك لحمه في حواصلهم فتقيؤوا
فألقوه في ذلك الموضع فلم يبق من لحمه في حواصلهم شيء، ثم أرسل الله عظامه طيرًا بعد من فرقتها النسور فكانت تأخذها عظمًا عظما فإذا استقلت بها في الهواء ألقتها في الأرض فتنزل العظام في غابة عظيمة تغيب فيها فيتبعها الطير وتمنعه الغابة فلا يجد الطير إليها سبيلًا فعظامه فيها إلى يوم القيامة ولحمه على هذه الصخرة إلى يوم القيامة طهره الله من نجاسات المشركين وقد حرم الله النبيين والشهداء دماءهم ولحومهم على الأرض والطير والوحوش والهوام حتى يقفوا بين يدي الحكم العدل فسائل ومسئول وخاصم ومخصوم فهناك الفوز والدرك، ثم دنا ذو القرنين من الصخرة ليرقى عليها فانتفضت وارتعدت وتقعقعت فرجع عنها فسكنت، ثم عاد إليها ثانية فاتفضت وارتعدت وتقعقعت فرجع عنها فسكنت، ثم عاد إليها ثالثة فانتفضت وارتعدت وتقعقعت، ثم دنا منها الخضر فسكنت فرقى عليها فلم يزل يرقى وذو القرنين ينظر إليه والخضر يطلع إلى السماء حتى غاب عنه فناداه مناد من قبل السماء امض أمامك فاشرب فإنها عين الحياة وتطهر فإنك تعيش إلى يوم النفخ في الصور ويموت أهل السموات وأهل الأرض فتذوق الموت حتمًا مقضيًا. فمضى حتى انتهى إلى رأس الصخرة فأصاب عينًا ينزل فيها ماء من ماء السماء فشرب منه وتطهر، فلما رأى الماء ينزل ويستدير ولا يسيل منه شيء
[ ١٠٠ ]
قال: إلى أين تذهب أيها الماء فنودي قد بلغ علمك، فلما رجع الخضر إلى ذي القرنين قال له: يا ذا القرنين إني شربت من ماء الحياة وتطهرت منه وأعطيت الحياة إلى يوم النفخ في الصور وموت أهل السموات والأرض ثم أموت حتمًا مقضيًا، ومنعت أنت ذلك ولك مدة تبلغها وتموت فارجع فليس بعدها مزيد لأنس ولا جن - ولم ير ذو القرنين سببًا فأقام حينًا ينتظر السبب، فأنشأ يقول:
منع البقاء تقلب الشمس وطلوعها من حيث لا تمسي
وطلوعها بيضاء صافية وغروبها صفراء كالورس
تجري على كبد السماء كما يجري حمام الموت للنفس
لم أدر ما يقضيه حكم غد ومضى بفصل قضائه أمس
وتشتت الأسباب تخلجني نحو العراق ومطلع الشمس
أزجي لهم حربًا تؤدبهم يلقون ذاك بأوجه عبس
تهوى المنون عليهم قذفًا بليوث غاب غير ما نكس
في ألف ألف كالنجوم لهم زجل كأسراب القطا الهمس
والصعب ذو القرنين قاد بها لصلاح أرض الترك والفرس
يا رب معصوم لساحتها عن هالك بعالم درس
للدهر أيام لعبن بنا يأتي القضاء بمحكم الطرس
كم من قرير العين في دعة ومروع الأيام في نحس
ومسود من غير مكرمة وممجد في ذاته يمسي
وعسيف قوم ظل في سعة ومقام حر عاش في تعس
ومعزز لم يلق قط وغى وحليف ذل فارس الدعس
إني أرى الأسباب واضحة وأرى علوم الغيب في طمس
[ ١٠١ ]
يجري الزمان لنا بأربعة غيرن ما أصلحن بالأمس
يوم وليل دائر بهما نحس وسعد غاية النفس
إن المسقر بعد عزته ناء عن الخلان والأنس
والموت أس للنفوس متى حل القضاء رجعن للاس
هيهات لم يخدع فكان فتى لابد أن يمسي بلا حس
رهنا ببطن تنوفة أبدًا بالحنو حنو الرمل في رمس
وان الخضر ﵇ قال لذي القرنين: قد بلغت مبلغًا ليس وراءه من مزيد
ولا مرمى وطفت جزائر المحيط وبلغت حجة الله على الجن والأنس بالمغرب، فانتظر ما يوحى إليك فأقام حينًا ينتظر حتى رأى السبب الصادق فناداه مناد من السماء: يا ذا القرنين اليوم الغناء وغدًا الفناء اليوم العارية وغدًا الهبة يا ذا القرنين إن النار زفرت وتغيظت على من يعرف الله ولم يغضب له يا ذا القرنين عذ بالرضى من الغضب وبالولاء من السخط، يا ذا القرنين اطلع مشارق الأرض فإنها ثلاثمائة مطلع وخمسة وستون مطلعًا تحت كل مطلع أمة لا يعرفون الله ولا يقنون بالبعث فبلغ حجة الله وأقمها على من لا يعلم وعده ووعيده. وإن الخضر أتى ذا القرنين فقال له: يا ذا القرنين إن لم يقل لك فسيقال لك وإن لم تر فسترى فهل قيل لك أو رأيت؟ قال له ذو القرنين: رأيت الأسباب الصادقة وسمعت النبأ العظيم يأمر وينهي.