فلما وليت بلقيس الملك ازدرى قومها بمكانها لما كانت امرأة وأنفوا
[ ١٤٧ ]
من أن يلي امرأة وبلغ ذلك عمرًا ذا الاذعار، فجمع الجيوش ونهض إلى بلقيس، فلم تكن لها طاقة فهربت مكتتمة بأخيها عمرو بن الهدهاد، وهما في زي أعرابيين حتى أتت جعفر بن قرط الأسدي وهو جعفر بن قرط بن الهميسع بن مالك بن عمرو بن أسد بن هزان بن يعفر بن سكسك ابن وائل بن حمير بن سبأ. وكان جعفر بن قرط عمر ثلاثمائة عام، وكان أنجد فارس في زمانه، وكان في ثورة من قومه أسد بن هزان، وكان قومه هزان لهم أرض جو وهي اليمامة، وكان هزان أطول الناس أجسامًا وأعناقًا وكانوا يعرفون في العرب حيث ساروا - وفيهم قال الشاعر:
لقد كان في فتيان قومك منكح وفتيان هزان الطوال الغرانق
والغرانق: الطوال الأعناق - ومنه قيل للغرنوق غرنوق لطول عنقه فسارت بلقيس حتى نزلت على جعفر بن قرط وهو في حصنه علعال على نهر الخفيف من أرض الأحقاف، ونهر الحفيف هو الذي أظهر النبي هود ﷺ لعاد بن لاوذ بن ارم الآية الباهرة حين هلكت عاد بالريح العقيم فأخر من بقي من هزان باليمامة كان بقي من طسم وجديس ورائش بن لاوذ بن أرم، وهلك طسم وجديس وبقي سعدانة بن هزان بعدهم وبعد قومه هزان باليمامة وكان أطول الناس جسمًا وعمرًا فأقعد من الكبر وهو الذي هجم عليه عبيد بن عبد العزى الربعي إلى اليمامة فأصابه جالسًا وهو يأكل تمرًا من نخلة سحوق وهو يقول:
تقاصري آكل جناك قاعدًا إني أرى حملك ينمي صاعدًا
فهجم عليه عبيد بالقناة ليطعنه، فقال له سعدانة: لا تفعل يا عبيد قال له عبيد: ومن أنبأك بي؟ قال له: السلف يقولون بالعلم الأول آخر
[ ١٤٨ ]
من يبقى من هزان ين يعفر باليمامة أرض جور رجل يسمى سعدانة وأول من يهجم عليه يجاوره فيها رجل من بني ربيعة بن نزار يسمى عبيدًا، ولكن يا عبيد أجاورك قال له عبيد:
لك سؤالك يا سعدانة، وأنشأ يقول:
إن الليالي أسرعت في نقضي أكلن بعضي وتركن بعضي
حنين طولي وطوين عرضي أقعدنني من بعد طول نهضي
تركنني ملكًا لأهل الأرض أليس ذا يا زمني من قرضي
هواك تركي وهواي يمضي
فأجاره عبيد حتى مات، وتمثل هذه الأبيات هزان بعد سعدانة العمري بعد هذا الزمان.
قال أبو محمد: وإن بلقيس أتت بن قرط الأسدي ثم الهزاني، فقالت له: أنا بلقيس بنت الهدهاد وهذا أخي عمرو أتيتك به هاربة مطيعة فأجرني وأخي. قال: هلم يا بنية أمنعك مما أمنع منه نفسي وبناتي فادخلي إلى بنات عمك آمنة. فأجارها جعفر بن قرط وأخاها عمرًا وعمرو ذو الاذعار يطلبها وأخاها فلا يجد لهما حسًا. وكان جعل على نفسه جعفر ابن قرط في كل عام عمرة يحج إلى مكة فيحرم بمكة شهر رجب ثم يرجع إلى حصنه علعال وجعل على نفسه بعد رجوعه عن العمرة يجاور قبر هود النبي ﷺ شهر المحرم كله حتى ينسلخ، فكان يفعل ذلك كل عام، ثم يرجع إلى حصنه علعال، فكان بين حصنه علعال وبين قبر النبي هود ﷺ مسيرة يوم وهي مسافة وقد أخلى جعفر
[ ١٤٩ ]
بن قرط تلك المسافة من الناس فلا ينزلها أحد - كانت له حمى وكان جعفر ابن قرط رحل إلى قبر هود بالعيال والولد وكان غيورًا أنفًا لا يصحبه في ظعنه ولد أدرك الحلم ولا ابن عم، فرحل بأهله وولده الأصاغر وسارت معه بلقيس وأخوها عمرو طفل لا يعلم بهما أحد من الناس، فسار يريد قبر النبي هود ﷺ فأخذ على شاطئ نهر الحفيف بين النخل يأكل تمرها ويعلفه الخف والحافر وانه إذا نزل بالأحقاف بجوار قبر هود اتبعته السباع فيقاتلهم ويقتل من لقيه منهم،
ثم يخرج إليه تنين عظيم فيقاتله حتى يولى من بين يديه ويقول لأهله: لا تجزعوا فانه لص شيطان وانه كان رجل بمأرب تحت السد يقال له عمرو بن عباد بن مهرس بن عفار بن أود الله بن سعد العشيرة. وكان صعلوكًا لا يقر به قرار ويطلب المبارزة في كل قبيل من العرب وفي كل أوب، وتبعه على ذلك شريك بن عمرو ابن هلال بن أود الله وتبلن بن ثور بن أسلم بن زبيد، وكانا صعلوكين فاتكين جسورين على كل هول فتبعه عمرو بن عباد فسار بهما يطلبون الأموال وغيره القبائل لا يصطلي بنارهم ولا يسلم من لقيهم، فبينما هم كذلك سائرين إلى أن رمت بهم الأرض نهر الحفيف اثر ظعن جعفر ابن قرط فمشوا على الرسم واقتصوا الأثر حتى تراءى لهم جعفر يمشي كالشبح خلف ظعائنه فجدوا في طلبه حتى أدركوه وبينهما نهر الحفيف - وهو نهر ينهال فيه الرمل فيبتلع من سقط فيه - فطلبوا سرحة للنهر يعبرون منها اليه، فلما دنوا منه ووقفوا في عدوة النهر قريبًا منه رأوا شيخًا جالسًا في سرجه كالنخلة ولحيته سقطت على عرف فرسه، فانحرف عليهم
[ ١٥٠ ]
بوجه كالمجن وقد بلغت ركبتاه حذاء أذني الفرس فقال لهم: من أنتم وما شأنكم؟ قال له عمرو بن عباد: أنا عمرو بن عباد الأزدي وهذا شريك ابن عمرو الأزدي وهذا تبان بن نور الزبيدي لم ندع في العرب مثلنا بأسًا ولا نجده، فاسلم الظعائن وانج بنفسك. قال له تبان بن ثور: يا عمرو لا طاقة لنا بالشيخ اذهب عنه ودعه فلسنا من جيله ولا من خلقه، قال له عمرو بن عباد: دع عنك الجزع قوة الشباب تغلب صلابة الهرم. قال عمرو بن عباد للشيخ: ما اسمك يا شيخ ومن أنت؟ قال له: أنا جعفر بن قرط الأزدي، قال له عمرو: وهل لك في المبارزة؟ قال له جعفر: لو رمت غير هذا ما وجدته اللقيا الحمى قد عرف الحق أهله، فأنشأ عمرو ابن عباد يقول:
زم المطى قليلًا فلست تبقى مقيلا
حرمت أهلي ومالي وخنت فيه الخليلا
تذوق عيناي بردا حتى أراك قتيلا
يكون أهلك أهلي إذا أرأيت الأصيلا
جدوا الرحيل فإني أبحث خيلًا فخيلا
والدهر طوع تمني إذ ليس دهري طويلا
قل للزمان يميني ما شئت قيلًا فقيلا
فقال جعفر بن قوط:
قد كنت عني غنيًا فعش سليمًا مليا
ما أنت والقول في ذا تراه فخرًا سنيا
[ ١٥١ ]
فحسبك الآن مني إن كنت قرمًا كميا
فما أراك خؤنا ولا أراك وفيا
فهم يسايرونه حتى أصابوا سرحة عبروا عليها ورأوا الظعائن ليس فيها رجل غيره، قالوا له: سلم الظعائن وانج بنفسك وحملوا عليه فثبت لهم فطعنوه فألقى إليهم الجن فلم يعمل سلاحهم فيه شيئًا وحمل عليهم فولوا، وثبت له عمرو بن عباد فطعنه جعفر فعقر فرسه ثم عطف على صاحبيه فعبرا النهر وعلما إنه لا طاقة لهما بجعفر، ووقفا لينظرا ما يصير إليه أمر عمرو بن عباد، فرجع الشيخ إلى عمرو فقال له: الق سلاحك واستأسر وإلا قتلتك، فألقى سلاحه ونزل إليه الشيخ فكتفه وشد وثاقه إلى نخلة وتبان وشريك ينظران فقال تبان لشريك: إلينا يريد فانج بنا، ثم عبر إليهما من السرحة التي عبروا إليه منها فعطفا إليه في السرحة قبل أن يعبرها فطعناه فألقى تبان الزبيدي عن نفسه فطعنه شريك بن عمرو فأصاب صدره فنشب سنان قناته في يلب جعفر فأخذ جعفر القناة من صدره فكسر السنان وجرحه جرحًا خفيفًا، فلما نظر شريك إلى سنانه كسر ولى
فأدركه جعفر فعقر فرسه ولم يرد قتلهم إلا أسرهم لأن الأسر أشهر ذكرًا في العرب وهو مال. فإن أطلق منّ وإن أخذ المال استغنى ثم قال: استأسر يا شريك فإنه لا ملجأ لك من نهر الحفيف ومعاطشه، فجلس شريك بن عمرو على لوى رمل وجد جعفر في طلب تبان وكانت فرس تبان كلت لأنها جائلة الليل والنهار فأدركه جعفر وفرس تبان توضع يديها فأدركه جعفر فطعنه تبان فشك جعفر درع تبان وضربه على الكشح فأخرجها من صدره ولم تعمل قناة تبان شيئًا في يلب جعفر، ثم عطف عليه ثانية فعقر فرسه وقال
[ ١٥٢ ]
له تبان: لم عقرت فرسي يا جعفر وهي لك مال زيادة في الفداء؟ قال له جعفر: إني قاتلك، قال له تبان: ولم؟ قال له جعفر: الجرح يقتلك، قال له تبان: ليست بجائفة فإنها سكلت في الكشح سلكًا فنزل إليه جعفر فحشى جرحه رملًا ثم ساقه بين يديه فأصاب شريكًا جالسًا على حبل رمل فساقهما بين يديه حتى بلغ بهما إلى عمرو بن عباد فحل وثاقه وساقهم بين يديه، فلما بلغ قبر هود ﵇ نزل ونصب بهم قبة بعيدًا من الحي، ولم يزل تبان يتعاهد جرحه حتى برأ، ثم قال لهم: هاتوا الفداء؟ قالوا له: يا أبا عامر خذ منا ما رأيت؟ قال: ادفعوا إلى الجميع أموالكم حتى لا يبقى لكم سبد ولا لبد، قالوا: أو بالطف يا بن ملك الملوك؟ قال: هو ما قلت لكم قالوا: وليس من ذلك بد! قال: نعم، قالوا: يا أبا عامر جميع أموالنا نأتيك بها. قال: أقم أنت يا عمرو وأنت يا شريك رهينة واذهب يا تبان سق لي الأموال. فلما عبر تبان نهر الحفيف وعلم منهم العزم على ذلك ركض في طلب تبان، فلما رآه تبان جزع وظن منه الغدر فقال له بعد الأمن والرضا بالفداء: يا أبا عامر قال له جعفر: ارجع الذي رأيت أحسن من الذي رأيتم. قال له تبان: يا أبا عامر ملك الملوك أنتم وجه الدنيا وشم العرب لم يضعكم الله مذ رفعكم، فمضى به حتى رده إلى صاحبيه. قال له: يا أبا عامر الوفاء أشبه بك والجهل أشبه بنا. قال لهم: أني لم أعط نفسي منكم فداء ولا
طمعت فيه ولكن كان مني سؤال الفداء ابتلاء لكم واختبارًا إذ سألتكم جميع أموالكم فلم تبخلوا بها عن أعراضكم وأنفسكم وجعلتم أموالكم دونها فأحمدت لكم ذلك وجعلت العفو مني مكافأتكم وعلمت أن لأنفسكم منكم وفاء ولو بخلتم عن أعراضكم وأنفسكم
[ ١٥٣ ]
بأموالكم لقتلتكم فأقيموا في رحب وسعة ودعة، ثم يا بن عباد أردت الموت فنأى بك الأجل واستعجل العفو وأنشأ يقول:
أتى يروع بإبراق وإرعاد ألف المنية في قرب وإبعاد
هلا مررت بعلعال فقلت له من ذاك يدفع عنك الشر يا وادي
بأبيض المتن صافي الماء ذي شطب وادهم أزرق الحدين وقاد
خل الظعائن تسلك جانب الوادي واصرف جراءك عنا يا بن عباد
لا تعرضن لقوم من بني أسد فإن خلفهم ضرغامة عادي
يا أيها الراكب المزجي مظيته اذهب ودعني أمارس حية الوادي
أما قصدت ولم تخشن الحتوف إلى ليث العرين ولم تقصد بميعاد
لا تسأم الناس والدنيا مزخرفة والناس ناس لا صلاح وإرشاد
إذا مررت على نخل الحفيف فقل اسلم سلمت حريم الحائم الصادي
أقوى الوجيف مغانيه فقد سلفت له هنيدة لم تهل لرواد
حريم ليث يخاف الدهر سطوته يصول عن مجد آباء وأجداد
لم يعب بالموت إذا جاشت كتائبه وقدم الحين أمجاد الأمجاد
تسربل النقع والأبطال كالحة والروع يحفز أكبادًا بأكباد
شد الإزار على قلب وأورثه طيب المعيشة آباد الآباد
أردت قصدًا إلى باب على عجل صفر اليدين بلا رحل ولا زاد
والدهر ينقض والأيام فانية يا بعد دهرك من أيام ميلادي
ما حبب العيش عندي غير واحدة خوف المذلة أن تنزل بجد جاد
يا وهب لا تسأمي لما لقيت ردى أو تحزني فالذي أسررت لي بادي
لاعرفنك بعد اليوم تندبني وفي حياتي ما زودتني زادي
[ ١٥٤ ]
إني نذرت يمينًا لا أفندها حتى أجاور قبر العالم الهادي
جدجاد ابنته بكر في حجره لم يكن في وقتها أجمل منها ووهبة أحدى نسائه لم يكن لها نظير وإن جعفر بن قرط قال للأسرى الذين في يده: أقيموا حتى أقارع التنين - وإن التنين آتاه في الوقت الذي كان يأتيه فيه - فأخذ بيده شجرة أم غيلان وأخذ بيمينه خشبة عظيمة، فإذا هجم عليه التنين أدخل الشجرة في فمه وضربه بالخشبة في الرأس، فلم يزل يقاتله حتى كل التنين وانصرف، وانه كان كذلك يفعل وهبت ريح باليمن فهدت الصخر من قنن الجبال وخددت الأرض ونقلت أحقاف الرمل من مكان إلى مكان فزعم أهل اليمن أنها كالريح العقيم هبت من جور عمرو ذي الاذعار فكشف تلك الريح جبلًا من رمل من منبر هود النبي ﷺ فقال جعفر بن قوط: يا جدجاد دافعت عنكم أهل الدنيا وبأس أهل الأرض ولا دافع لأمر الله وغلبت الرياح النصيح، وأنشأ يقول:
لم يبق يا جدجاد من لذاتي إلا نزال الجحفل الكماء
والصفرة الصدق من اللمات وراحة النفس إلى الميقات
كم مشهد ارتاع من إبانتي وفيلق أزور من قناتي
امنع من نجران والجنات ومسقط البحر إلى السفرات
ما واحدٌ قرني ولا عداني يرجون مني أسرع الغايات
قارعتهم بالموت بالساعات إذ لا زعيم ضامن حياتي
وكل جمع فإلى شتات وكل حي في يد الممات
ما جاز حر الشعر عن أبياتي بلغت غاية الصفات
[ ١٥٥ ]
يكتب للشعر من الرواة فقدك يا جدجاد من فتاة
لابد أن يذهل عن هبات قد عبث الدهر على منساتي
منتظرًا فيه إلى دعاتي إذا أزلت الرحل عن أبياتي
سابقت أيامي إلى ميقات أبو بنين وأبو بنات
أحسب في الحي من الأموات هل مشتر أبيعه حياتي
وإن الريح هبت فكشفت عن منبر هود ﵇ درًا وياقوتًا، وعن يمينه عمود من جزع أحمر مكتوب فيه بالمسند لمن ملك ذمار الحمير الأخبار لمن ملك ذمار للحبشة الأشرار لمن ملك ذمار لفارس الأحرار لمن ملك ذمار لقريش التجار فيقال إن هود ﵇ كتبه، وأنه من علم الوحي وذمار غمدان ومأرب وصنعاء والعالية وما بينها. ثم رأوا عمودًا من جزع أخضر وفيه مكتوب بالمسند على باب مغارة هذا قبر قضاعة بن مالك ابن حمير ملك ثلاثمائة عام أدخل واعتبر وأخرج وازدجر، فدخل جعفر ابن قوط وعمرو بن عباد وشريك بن عمرو وتبان بن ثور فأصابوا شيخًا جالسًا على سرير من ذهب أجمل من رأوا وأعظمهم جسمًا وعليه ثوب منسوج من ذهب وعلى رأسه لوح من ذهب مكتوب فيه بالمسند: أنا قضاعة بن مالك بن حمير سخطت ورضيت. سخطت غدر الأمل ورضيت حلول الأجل من لم يرض بالقدر جهل الخبر ومن لم يقنع بما أعطى تعب ولم يطب له العيش - بعدما كنا زينة للناظرين صرنا عبرة للزائرين - وتحت مكتوب:
أنا رب العتيق وغمدا ن وبينون والعراقين حينا
[ ١٥٦ ]
والسديرين والهوى الأبيض القص ر الذي شاد عابر للبنبا
وإلى الملك من سبا عبد شمس ملك الأرض والأنام مشينا
ولي الأخضر الهنيبق بالطل ح أراعي عليه عيرا وعينا
ولقومي يدعو الحجيج لدى البي ت يرون الحجيج ذلك دينا
حين كنا على البرية نورًا وغياثًا وزينة الناظرينا
فرمانا الزمان منه بصرف فمضى حكمه علينا وفينا
من رآنا رأى المنية تحدو هـ الينا بذاك حتما يقينا
ثم صرنا من بعد ذاك وهذا بالمغارات عبرة الزائرينا
أنا بين الرجاء والخوف أمسي ت مقيمًا إلى التنادي رهينا
فأمر جعفر بن قرط بالخروج زل يأخذ شيئًا من منبر هود ولا من كسوة قضاعة ومنعهم ذلك وأم جعفر بن قرط أمر لهم بأفراس فحملهم عليها وأدن لهم بالانصراف، فانصرفوا. فلما بلغ عمرو بن عباد منزله هيأ هدية من جمال وخيل وغير ذلك وسار إلى جعفر بن قوط فأصابه في مكانه لم يرحل عن جوار قبر النبي هود ﷺ فدفع إليه عمرو الهدية فقبلها منه جعفر وكافأه جعفر وأضعف له الهدية ونصب له قبة بعيدًا عن الحي وحمل عمرو معه خمرًا، وكان استرق النظر فرأى جدجاد فهويها وهو أسير، فلما آتاه جعفر بالطعام أكل وجعل يشرب الخمر. قال له عمرو: اشرب من خمري يا أبا عامر. قال له جعفر: يا بني أنا راعي الحي فإن أنا سكرت ضاع الحي، قال له عمرو: اشرب شرابي فهو بري عندك فاني ضيفك، فلم يزل به حتى شرب وعملت الخمر في الشيخ فصرعته. فقام عمرو بن عباد فسل سيفه وضرب به رأس جعفر وجسده
[ ١٥٧ ]
وأبان رأسه من جسده وأخذ لحيته يجريها رأسه فلما نظر أهل الحي إلى رأس جعفر خضعن خيفة وليس في الحي إلا امرأة وطفل. قال لهم عمرو: زينوا جدجاد حتى أخلو بها، قالت لهم: بلقيس: ويلكن اني أيدة ليس في الرجال مثلي ولا من يدافعني وقد أعديت مدية خوصية للملك عمرو ذي الاذعار - وهي أول ما عملت من الخوصيات باليمن مكرًا فجعلت نصاب المدية ذهبًا ورأس النصاب ياقوتة زرقاء فتدخلها من مفرقها في قرونها حتى تخرج رأس المدية من شعر قفاها وتبقى الياقوتة والذهب على جبينها وهي زينة لا يدري ما وراء ذلك، فزين بلقيس
ثم أتين بها إليه فقالوا: هذه جدجاد. وكانت بلقيس أجمل من جدجاد ومن نساء زمانها، فلما رآها أنكرها وعلم أنها ليست جدجاد، غير إنه رأى ما غلب على عقله، فلما خلا بها في القبة هم بها قالت له: يا عمرو إن الأبكار من النساء كالإناث من الخيل لا يمسحن إلا عن صهيل ومجابذة، وإنما أرادت أن تعلم أين هو من قوتها، ومد يده إليها ورأى إنه حاكم عليها فجذبها إلى نفسه ودافعته فغلبت عليه فأخذت يديه جميعًا بيدها الواحدة فأمسكته، فلم يستطع معها حراكًا، ثم مدت يدها إلى قرونها فسلت المدية فضربت بها نحره، فلما وجأته ومات أخذت برجليه تجره في الحري وتقول: قليل لك هذا مني يا أبا عامر، ثم قالت: لهن أسرجن فرس أبي عامر فركبته ولبست لامة أبي عامر وقالت ارتحلن من قبيل أن يشيع قتل أبي فيتخطفكن العرب من هذا الشعب. فرحلن ومشت خلفهن بلقيس كما كان أبو عامر يفعل. ولما رجعن إلى علعال بكين جعفرًا وشاع قتله في العرب وعرف عمرو ذو الاذعار مكان بلقيس فأرسل عمرو فأخذها وقالت لأخيها: لي حيل إذا لقيت عمرًا أخدعه وأنت لا حيلة لك إلا الموت فاهرب، فهرب عمرو بن الهدهاد - أخو بلقيس - إلى البحر مكتتمًا في زي أعرابي فلم
[ ١٥٨ ]
يعلم به أحد. وسارت بلقيس حتى دخلت على عمرو ذي الاذعار، فأمر بالخمر ينادمها كما كان ينادم بنات الملوك ويفعل بهن، فلما أخذت الخمر منه هم بها، قالت له: أيها الملك سترى مني من المال أكثر مما رأيت من الحرص وحاجتي فيك أعظم من حاجتك في، وسامرته أحسن مسامرة، فألهاه ما سمع منها وما أعطته من نفسها من القرب وهي تعمل فيه بالخمر دأبًا حتى علمت أن الخمر عملت فيه، فقامت إليه وسلت مديتها من قرونها ثم نحرته، فلما مات جرته فألقته في ركن مجلسه وألقت عليه بعض فرش المجلس، ثم خرجت إلى الحرس في جوف الليل وقالت لهم: يأمركم الملك بفلان أن تأتوا به، فلما أتوا به وكان يتبعه ألوف من حمير، فلم تزل ترسل
إلى ملوك حمير وأبناء الملوك المسموع منهم المتبوعين، فلما اجتمعوا إليها في قصر غمدان خرجت عليهم فقالت لهم: إن الملك قد تزوجني على أني برئت إليه من ملكي في حياته وأنتم تعلمون إنه لا يولد له، فلما علم مني الخضوع بحقه والاستسلام لإرادته والطاعة لأمره فوض إلي بعده ورآني أهلًا له وأمرني أن آخذ عليكم بذلك عهدًا. قالوا: سمعًا وطاعة للملك فيما أراد، فأخذت عليهم العهد أن لها الملك بعد عمرو، فلما توثقت منهم قالت لهم: هل تسمعون من الملك فأدخلتهم المجلس قالوا لها: أين الملك؟ قالت لهم: ها هو ذا وكشفت عنه فرأوه قتيلا، قالوا لها من فعل هذا؟ قالت لهم: أنا ولي العهد عليكم بالملك بعد موته وهذا هو قد مات وعهدي لكم لازم، قالوا لها: أنت أولى بالملك إذ أرحتنا من هذا الرجس الجائر. فوليت بلقيس بنت الهدهاد بن شرحبيل ملكهم.