قال وهب: وولي حمير بن سبأ فجمع الملك الجيوش وسار يطأ الأمم ويدوس الأرضين، وأمعن في المشرق حتى أبعد يأجوج ومأجوج إلى مطلع الشمس وبقي قبائل ومن ولد يافث تحت يده، وهم: الترك والزط والكرد والصعد والخزر والقذر والذيلم وفرغان. ثم قفل نحو المغرب كما فعل أبوه سبأ، فسار حتى نزل بمكة فآتاه قبائل من اليمن من بني هود يشكون إليه ثمود بن عابر بن ارم وما نزل بهم منه من الخسف والظلم وآتاه رسول أخيه بابليون من مصر يستدعيه لنصرته على بني حام، وذلك لما بلغ بني حام موت سبأ بن يشجب، عتوا على بابليون بمصر وكان بالشام قبائل من ولد كنعان ابن حام، وهم: بنو ماريع بن كنعان، وكان نزول الحبشة بني كوش بن حام على النيل إلى برية الرمل، فتداعوا على مصر يريدون خرابها فرجع حمير إلى اليمن وأخرج ثمودًا من اليمن فأنزل أبة من أرض الحجاز فعمروها
[ ٦٠ ]
من آيلة إلى ذات الاصاد إلى أطراف جبل نجد وذات الاصاد نهر من أنهار الحجاز وهو يجري في صفا أملس يرده الحافر ولا يرده الخف تزلق فيه فقطعت فيه ثمود الصخر لطرق الإبل لمراعيها ونحتوا في جباله البيوت سترة من حر الشمس في الحجاز. قال الله تعالى: ﴿وثمود الذين جابوا الصخر بالواد﴾ وقال: ﴿وتنحتون من الجبال بيوتًا فارهين﴾. وفي ذات الاصاد كان السبق بيت قيس بن زهير العبسي وحذيفة بن بدر الفزاري وفيه حبس فرس زهير
داحس فقال في ذلك قيس شعرًا:
كما لاقيت من حمل بن بدر وأخوته على ذات الاصاد
هم فخروا على بغير فخر وردوا دون غايته جوادي
وكنت إذا منيت بخصم سوء دلفت له بداهية نآد
فأنى الصقر منطلق كريم وسوف أريك من طعن الطراد
أقاتل ما أقاتل ثم آوى إلى جار كجار أبي دواد
مقيمًا وسط عكرمة بن قيس وهوب للطرائف والتلاد
كفاني ما أخاف أبو بلال ربيعة فانتهت عني الأعادي
قال وهب: ونزل حمير بدمشق فقاتل بني ماريع حتى غليهم وأجرى عليهم الخراج، ثم مضى إلى الحبشة فلقيهم بالقيس والبهشة فهزمهم على النيل فتبعهم حتى بلغ بهم إلى البحر المحيط من المغرب فأذعنوا وأجرى عليهم إتاوة يؤدونها كل عام. فدرب الحبشة في غربي الأرض سبعة أشهر في سبعة أشهر، ثم رجع عنهم على النيل إلى مصر فتزود من مصر، ثم مضى في المغرب حتى بلغ إلى البحر المحيط ثم أجرى على القبط الخراج.
[ ٦١ ]
قال وهب: ولما توجه حمير إلى المغرب أقام في المغرب مائة عام يبني المدن ويتخذ المصانع، فمات بعده أخوه بابليون بمصر، وولي أمر المغرب امرؤ القيس بن بابليون وتكبرت عليه ثمود وطغوا على بني كنعان بالشام وعلى جميع من جاورهم، فأرسل إليهم صالح نبيًا وهو صالح بن عويم بن ساهر بن هميسع بن همر بن عميل بن عابر فدعاهم إلى الله فعصوه وسألت أن يخرج لهم آية؟ - كما سألت عاد هودًا - فقال لهم صالح: ما هذه الآية يا قوم؟ قالوا له: اخرج لنا من هذه الصخرة ناقة. فدعا الله فأخرج لهم، فكانت تشرب الماء من نهر الاصاد ذات يومًا وهم يشربون يومًا، فأبوا أن يؤمنوا بعد الآية، ثم ائتمروا بها ليعقروها فمشى
إليها قدار سالف فعقرها فأرسل الله عليهم الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين.
قال وهب: وإن حمير قفل من أرض المغرب راجعًا وكان يكتب بالمسند في جميع سلاحه من الحديد. وفي الأجيال إذا مر عليها فأكثر من ذلك فرأى في منامه كأن آتيًا آتاه فقال له: اتق الله يا حمير. قال له: ومالي؟ قال: تكتب هذا الخط المسند الكريم على الله على الحديد والحجر والعود يدرس وتعلوه النجاسات والله كرمه واصطفاه وأدخره للفرقان يأتي به محمد ﵌ في آخر الزمان فصنه وأحفظه فإن الله ﵎ اصطفاه للقرآن أكرم الكتب إلى الله واللسان العربي سيد الألسن وللجنة خير خلق الله ولمحمد خير البشر ولكن استخدم هذا الخط أنت وولدك فإن لكم به على الخلق فضيلة إلى مبعث محمد ﵌ ومر بنيك من بعدك بحفظ هذا الخط، ثم ارتفع. فلما أصبح دعا بنيه فقال: يا بني إنه كان من
[ ٦٢ ]
أمري ما كذا وكذا، قالوا له: هل رأيت شيئًا؟ قال: لا. قال له وائل ابنه: سترى يا أبت أن الله كريم لا يمنعك شيئًا إلا جعل لك منه عوضًا. فلما نام الليلة الثانية آتاه آت فقال له: اقرأ يا حمير! قال له: وما أقرأ فنظر إلى جبينه فإذا عليه خط مكتوب قال له حمير: اقرن هذا بخط أبيك المسند من الأول إلى آخره هذا الخط فقرأ حمير وردده حتى فهمه. فلما أصبح دعا بنيه وكتبه وهو هذا.
ثم قال له: يا حمير استخدم هذا ولا تستخدم المسند فإنه وديعة عندكم إلى وقته وإنما قيل له المسند أسند إلى هود عن جبريل.
قال وهب: وإن حمير ملك الأرض ومن عليها حتى لم يبق منها مكان كما ملكها أبوه سبأ وكان عمر حمير أربع مائة عام وخمسة وأربعين عامًا أقام في الملك أربع مائة عام، فلما جاوز مائة قال:
ملكت من عدد السنين هنيدة ذا الملك عمرك زينة الأيام
وأرى السباب يميل في لهو الصبي ومع الشباب غواية الأيام
فلما بلغ مائتين قال:
سأميت عن مائتين ملكًا باذخًا والعمر لا يبقى مع الأعوام
قالوا لحمير مدة محجوبة والغيب لا يخفى على العلاَّم
فلما بلغ ثلاثمائة قال:
لما ركبت من المأين ثلاثة كان الذي أمضيت كالأحلام
والعمر يدأب والمشيب كلاهما يتسابقان إلى محل حمام
[ ٦٣ ]
فلما بلغ أربع مائة قال:
بدلت من ذي أربع ملكتها عوضًا من الأيام بالأسقام
هيهات ما حكم الخلود وقد أبى من أن أخلد حاكم الحكام
فلما بلغ أربع مائة سنة وخمسًا وأربعين سنة واتاه وقته وأيقن بالموت، دعا بنيه ثم قال لهم: يا بني لم تصحبوني على عهد أن لا أموت بل كنتم تنتظرونه في صباحًا وانتظره فيكم مساء فقد حل ما كنتم تنتظرون وقد أزف الوقت الذي ترقبون وأمري لك يا وائل، ثم أنشأ يقول:
يا من رأى صرف الزمان مصورًا يغدو على الآباء والأعمام
غدر الزمان بعهد ملكك فانقضى وبعبد شمس قبل ذاك وسام
راميت دهرك بالمنى وخطوبه بالغدر دانية إليك روامي
أزف الزمان على زمانك بغتة فغدوت مرتحلا بغير مرام
يبكون أن مروا عليك قلما يغني البكاء على صوى الأعلام
ولانت بعد حلوله مستيقظ من ضنك فاقرة لفضل مقام
فلما مات حمير صار أمره وملكه إلى ابنه.